ﺑﺴﺒﺐ ارﺗﻔﺎع أﺳﻌﺎر اﻟﻨﻘﻞ:
اﻟﺴﻔﺮ إﻟﻰ اﻷﻫﻞ.. أزﻣﺔ ﻛﻞ ﻋﻴﺪ
حسام وخليل: 400 جنيه تعريفة الركوب لقنا.. وعيسوي: أجرة السكة والعيديات «هم كبير»
هناك أعياد لا تُشبه ما نراه فى الصور، أعياد تُضاء فيها البيوت بالفرح بينما يبقى أصحابها فى أماكن بعيدة، يراقبون الضحكة من خلف الشاشات أو فى مكالمات قصيرة لا تكفى لاحتواء الشوق، أناس كُتب عليهم أن يكون العيد بالنسبة لهم اختبارًا قاسيًا بين القلب والعقل، بين رغبة العودة إلى الأهل وضيق اليد الذى يمنع خطوة السفر.
فى كل موسم عيد، تتكرر الحكاية نفسها بصيغ مختلفة، الألم واحد فى صورة «أب» أو «أم» أو شابًا يعمل بعيدًا عن قريته، يحسب ألف حساب لتذكرة السفر ومصاريف الطريق، ثم يقف أمام قرار صعب، هل يعود ليشارك أهله الفرحة، أم يرسل ما لديه من مال ليضمن أن يلبس أطفاله الجديد ويعيشوا العيد ولو من دونه؟.
بعضهم يختار أن يبقى فى مكان عمله، يضغط على قلبه كما يقول، ويكتفى بأن يرى أبناءه فرحين عبر الهاتف، لأن «الفلوس» التى فى جيبه لا تكفى الرحلتين معًا: رحلة الطريق ورحلة الفرح. وآخرون يرسلون ما لديهم كله، ثم يظلون وحدهم فى الغربة، يبتلعون صمت الوحدة فى العيد، ويقنعون أنفسهم أن سعادة أولادهم تكفى لتعويض الغياب.
حسام وخليل.. شقيقان بين السماء والأرض بحثًا عن لقمة العيش
من محافظة قنا، جاء الشقيقان حسام وخليل السيد، إلى القاهرة، اختارا طريقًا شديد الخطورة لكسب الرزق، عبر العمل فى تنظيف واجهات المبانى الشاهقة وهم معلقون فى الهواء على ارتفاعات مئات الأمتار، بين السماء والأرض.
عمل لا يحتمل الخطأ أو التردد، اعتاد عليه الشقيقان، يعتمد بشكل أساسى على الحبال وأدوات السلامة البسيطة، بينما يواجهان يوميًا مشهدًا مرعبًا من الأعلى، تبدو فيه الأرض بعيدة جدًا، وكأنها عالم آخر، ومع ذلك، فإن الحاجة وظروف المعيشة الصعبة جعلت هذا العمل خيارًا شبه وحيد لتوفير دخل ثابت لأسرتهما.
يبدأ يوم حسام وخليل فى السادسة صباحًا من محل إقامتهما بالبساتين، يستعدان سريعًا لمهامهما اليومية، ينتقلان إلى مواقع العمل المختلفة فى المدن القريبة، لا يعودان إلى منزلهما إلا قرابة الثامنة مساءً، بعد ساعات طويلة من التعلق على الواجهات الزجاجية للمبانى، فى عمل يتطلب تركيزًا عاليًا ولياقة بدنية كبيرة وشجاعة لا تخلو من مخاطرة دائمة.
ومع اقتراب عيد الأضحى، يواجه الشقيقان أزمة إضافية تتعلق بتكاليف السفر المرتفعة، جعلتهما يتخليان عن فكرة زيارة ذويهما هذا العام، فأسعار المواصلات باتت تمثل عبئًا ثقيلًا، خاصة مع ما يفرضه بعض سائقى الميكروباص من رسوم إضافية غير رسمية على الركاب وأمتعتهم، وهو ما يصل فى بعض الحالات إلى نحو 400 جنيه للرحلة الواحدة، وهو مبلغ كبير مقارنة بدخلهما اليومى.
ظروف قاسية دفعت «حسام» و«خليل» إلى اتخاذ قرار مؤلم بالبقاء فى القاهرة خلال العيد، بدلًا من السفر لقضاء الوقت مع العائلة، ورغم قسوة هذا القرار، إلا أنه يعكس حجم الضغوط الاقتصادية التى يعيشها كثير من العمال فى مناطق مختلفة، حيث يصبح توفير الحد الأدنى من الدخل أولوية تتقدم على كل ما عداها، فكيف للشقيقان اعتادا على هذا العمل؟
يقول حسام السيد: «أول مرة طلعت على واجهة عمارة كنت فاكر نفسى مش هكمل دقيقة، إيدى كانت بتترعش من الخوف، وحسيت إن الأرض بعيدة بشكل يخوف، لكن مع الوقت اتعودت وبقيت مركز أكتر فى شغلى من خوفي»، ويضيف وهو يتذكر أحد المواقف الصعبة التى تعرض لها: «مرة الهوا اشتد فجأة وأنا معلق فوق عمارة عالية، والحبل فضل يهتز بشكل مخيف، وقتها وقفت مكانى ومقدرتش أتحرك غير لما اتأكدت إن كل حاجة ثابتة، ساعتها حسيت قد إيه الشغلانة دى ممكن تنتهى بلحظة غلط».

«الشجاعة فى هذه المهنة لا تأتى بسهولة، بل يفرضها الواقع يومًا بعد يوم».. هكذا استهل شقيقه خليل السيد حديثه، ويستكمل قائلًا: «مفيش حد بيبقى شجاع من أول يوم، إحنا بنتعلم نتعامل مع الخوف لأن لقمة العيش أقوى من أى حاجة». ويحكى عن موقف كاد أن يفقد فيه توازنه أثناء تنظيف إحدى الواجهات الزجاجية: «رجلى زلت مرة وأنا فوق، وفى ثانية حسيت إن الدنيا كلها وقعت بيا، لكن الحبل شدنى وأنقذنى، ومن يومها بقيت بحاسب على كل حركة بعملها فوق المبانى». ويضيف: «الناس اللى بتشوفنا من تحت ممكن تفتكر إننا متعودين أو مش خايفين، لكن الحقيقة إن الخوف موجود كل يوم، بس إحنا بنحاول نسيطر عليه».
يقول حسام:«إحنا ممكن ندفع حوالى 400 جنيه للفرد رايح بس، غير فلوس الشنط، فبقينا نفكر ألف مرة قبل السفر»، بينما يضيف خليل: «أكيد نفسنا نقضى العيد وسط أهلنا، لكن الظروف صعبة، وإحنا بنحاول نوفر أى جنيه لأولادنا».
خلال عمله على مسافات كبيرة بعيدًا عن الأرض، عينيه دايمًا شايفة أطفاله الثلاثة فى المرحلة الابتدائية، متفوقين، بيكبروا قدامه كأنهم الحلم الوحيد اللى يستاهل يعيش عشانه. هو مش شايف نفسه بطل، لكنه شايف فى ولاده مستقبل أحسن من كل اللى عاشه.
ويقول: أصعب لحظة مش وأنا واقف قدام الرياح معلق على الحبال، لكن لما بسمع من أبنائى جملة: «يا بابا نفسنا لما نرجع البيت نترمى فى حضنك.. إنت بتسيبنا بالشهور»، وقتها قلبه يقع أضعاف أى ارتفاع وقف عليه، لأنه يعلم إنهم محتاجين حضنه أكثر من أى شيئ فى الدنيا، كما أنه يعلم إن غيابه هو ثمن ضمان حياة أكرم ومستقبل أوسع.
70 عامًا من الكفاح.. قصة بائع خضار لا يعرف التوقف
عيسوى خلف الله، رجل سبعينى من صعيد مصر وتحديدًا من سوهاج، يقف كل يوم خلف فرشة بسيطة لبيع الخضار فى أحد شوارع القاهرة، يحاول من خلالها أن يؤمّن لقمة عيشه فى زمن أصبح فيه كل شيء أثقل من طاقته. رغم سنه الذى تجاوز السبعين، لا يزال يخرج يوميًا إلى الرصيف نفسه، يعمل نحو عشر ساعات كاملة، يواجه الشمس والبرد والزحام، وكأنه ما زال فى بداية عمره، لا فى نهايته.
عيسوى لا يحمل فى جيبه سوى حسابات يومية دقيقة، إيجار بسيط يدفعه فى نهاية الشهر، فواتير مياه، وطعام على قد الحال، يحاول أن يوازن بينها جميعًا حتى لا ينكسر. يقول إن كل جنيه يخرج من يده له حساب، وإن أى زيادة فى المصروف قد تعنى يومًا بلا طعام أو دين جديد يطارده.
لكن القصة التى تثقله أكثر ليست العمل وحده، بل فكرة العودة إلى قريته فى الصعيد، خاصة فى المناسبات والأعياد. عيسوى يرفض الرجوع إلى سوهاج رغم اشتياقه لأهله وبلده، لأن تكلفة السفر أصبحت فوق قدرته. يقول إن تذكرة الذهاب والعودة مع متطلبات السفر قد تصل إلى ألف جنيه، وهو مبلغ كبير على رجل يعيش بالكاد من يومه.
وليس السفر وحده ما يضغط عليه، بل متطلبات العيد أيضًا. يتحدث بحسرة عن ضرورة شراء ملابس جديدة، وتقديم العيديات لأبناء الأقارب، وهى عادات يرى أنها أصبحت عبئًا ثقيلًا لا يستطيع تحمله. يقول إن وضعه الاقتصادى لا يسمح، وإنه رجل كبير فى السن، لكن التقاليد لا ترحم، وكأن عليه أن يثبت كل مرة أنه قادر رغم العجز.
ويضيف أن لديه أبناء فى القاهرة، وأنهم أولى بكل جنيه يدخره، خاصة أنه يعمل من أجلهم قبل أى شيء آخر. يرى أن المسؤولية أصبحت مضاعفة، بين واجبه تجاه أهله فى الصعيد، وواجبه تجاه أولاده الذين يعيشون معه نفس الضيق.
فى لحظات صمته، يظهر عليه التعب أكثر من الكلمات. رجل قضى عمره بين العمل والكد، ولم يعد يطلب الكثير، فقط حياة كريمة، وسفر بلا حسابات، وعيد لا يتحول إلى عبء مالى ونفسى.
أشرف بسيوني: بقضى العيد فيديو مع عيالى
أشرف بسيونى، شاب فى الثلاثين من عمره، يعيش حياة يومية ثقيلة بين العمل والمسؤولية فى آن واحد، يحمل على كتفيه أربعة أبناء فى مراحل تعليمية مختلفة، ويحاول بكل ما يملك من جهد أن يوفر لهم احتياجاتهم الأساسية فى ظل ظروف اقتصادية لا ترحم. يعمل أشرف حدادًا متنقلًا، يتجول بين القاهرة والجيزة لتنفيذ أعمال لحام الحديد، مقابل يومية لا تتجاوز 300 جنيه، وهى أجر بالكاد يكفى احتياجات يومه قبل التفكير فى الغد.
يبدأ أشرف يومه مبكرًا، يحمل أدواته الثقيلة ويتنقل من موقع إلى آخر، يواجه حرارة الشمس وزحام الشوارع، بينما فى ذهنه حسابات لا تنتهى عن الإيجار والطعام ومصاريف المدارس. يقول إن كل جنيه يدخل جيبه له حساب دقيق، وإن أى خلل فى الدخل يعنى ضغطًا إضافيًا على أسرته.
ومع اقتراب عيد الأضحى، تتضاعف الضغوط عليه بشكل أكبر. ففكرة السفر إلى الأقصر لقضاء العيد مع أسرته فى الصعيد أصبحت عبئًا ماليًا لا يستطيع تحمله، بسبب ارتفاع تكاليف المواصلات ذهابًا وإيابًا، إلى جانب مصاريف العيد الأخرى التى تثقل كاهله. يقول إن الرحلة وحدها قد تستهلك جزءًا كبيرًا من دخله المحدود، وهو ما يجعله مضطرًا للتفكير فى البقاء فى القاهرة رغم اشتياقه لأهله.
لا يتوقف الأمر عند السفر فقط، بل تمتد التحديات إلى تجهيزات العيد نفسها. فقد حاول أشرف أن يوفر لأبنائه ملابس جديدة، فقام بتحويل ما يملك من أموال إليهم حتى يضمن أن يفرحوا بالعيد، لكنه وجد نفسه فى النهاية بلا سيولة كافية تجعله قادرًا على السفر أو المشاركة فى الاحتفال معهم. يقول إنه بالكاد استطاع أن يلبّى احتياجاتهم الأساسية، وإن أى مصروف إضافى أصبح رفاهية لا يملكها.
فى لحظة صدق، يعبر أشرف عن شعوره بالوجع، قائلًا إنه سيبقى فى القاهرة، وسيضغط على قلبه كما يقول، لكنه يفضل أن يرى أبناءه سعداء حتى لو من بعيد، فهم بالنسبة له الأولوية الأولى. يرى أن فرحتهم هى فرحته الحقيقية، حتى لو جاء ذلك على حساب حضوره بينهم، ويقول: كفاية عليا بقضى العيد معاهم بالفيديو وبشوفهم فرحانين دى عندى بالدنيا كلها.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض