نبض الكلمات
فى زمنٍ ازدحمت فيه القلوب بالهموم، وتحوّلت الحياة إلى سباقٍ مرهق خلف المال والنجاة والمظاهر، تأتى أيام عشر ذى الحجة كنافذة نورٍ وسط هذا الركام الثقى، أيامٌ ليست مجرد طقوس دينية عابرة، بل فرصة إلهية لإنقاذ الإنسان من نفسه من قسوته، وضياعه، ولهاثه اليومى خلف عالم يبتلع الروح ببطء.
لقد أصبح الإنسان اليوم يعيش حالة اغترابٍ مرعبة، أجساد تتحرك، لكن الأرواح منهكة.
الضغوط الاقتصادية تخنق البيوت، والخوف من المستقبل يطارد الجميع، والسوشيال ميديا صنعت عالماً زائفاً يلهث فيه الناس خلف الاستعراض والضجيج، حتى بات كثيرون لا يجدون وقتاً للصلاة، ولا مساحة للسكينة، ولا لحظة صدقٍ واحدة بينهم وبين الله، وسط هذا الخراب الروحى، تأتى عشر ذى الحجة لتقول للبشرية المتعبة، ما زال الباب مفتوحاً، وما زالت الرحمة تناديكم.. هى الأيام التى يرتفع فيها التكبير فوق ضجيج الحياة، ويعود فيها معنى القرب من الله بعد طول غياب، أيام تذكّر الإنسان أن قيمته ليست فيما يملك، بل فيما يحمل قلبه من إيمان ورحمة وخشوع.
المؤلم أن كثيرين حوّلوا الحياة إلى حفلة لهوٍ طويلة، يطاردون فيها الشهوات والمظاهر والجدالات الفارغة، بينما تتآكل أرواحهم من الداخل، أصبح البعض يخجل من التدين أكثر مما يخجل من الخطأ، وصار الانشغال بالدنيا مبرراً دائماً لتأجيل التوبة والعبادة وكأن العمر مضمون، وكأن الموت يطرق أبواب الآخرين فقط، عشر ذى الحجة ليست مجرد موسم دينى، بل صفعة روحية توقظ القلوب الغافلة.
هى دعوة لمراجعة النفس، لترميم ما أفسدته الحياة داخلنا، ولإعادة الإنسان إلى فطرته النقية التى شوّهتها الماديات والصراعات والكراهية، فى هذه الأيام المباركة، لا يحتاج الإنسان إلى ثروةٍ ليقترب من الله، بل يحتاج إلى قلبٍ صادق، ركعتان بخشوع قد تغيّران حياة كاملة، ودعوة صادقة فى جوف الليل قد تنقذ روحاً كانت تغرق فى اليأس، ودمعة ندمٍ واحدة قد تكون بداية نجاة حقيقية، ما أحوج العالم اليوم إلى الروحانيات، بعدما تحوّلت الحياة إلى آلةٍ قاسية تسحق المشاعر والضمائر، وما أحوج الإنسان إلى أن يهدأ قليلاً، أن يسمع صوت قلبه بعيداً عن ضوضاء العالم، وأن يدرك أن الطمأنينة لا تُشترى، وأن السكينة لا يمنحها إلا الله، ستمر الأيام سريعاً، وستنتهى الضوضاء، وسيسقط كل ما كان الناس يتصارعون عليه، لكن ما يبقى حقاً هو أثر الإنسان عند الله وصلاته وصدق قلبه، وخيره الذى زرعه فى الدنيا، عشر ذى الحجة ليست أياماً عادية، إنها فرصة عمر قد لا تتكرر.
فإما أن يستيقظ القلب الآن، أو يواصل الغرق فى زحام الحياة حتى يفقد نفسه تماماً.
فأحيانًا نحتاج إلى هدنةٍ مع الحياة لا هزيمة فيها ولا انسحاب، فقط استراحة لقلوبنا المتعبة، نركن إلى الهدوء، نغلق الأبواب خلف ضجيج التوقّعات ونجلس مع أنفسنا بصمت.
ليس علينا أن نحارب كلّ شىء فبعضُ المعارك تُنهكنا أكثر مما تُثمر، ونتعلّم أن نحبّ الحياة كما هى لا كما نريدها أن تكون، ضاعت أعمارنا ونحن نجاهد لنخفى شعورا ونعيش غيره.
فلا نحن أتقنا التخفى ولا نحن عشنا الحياة كما نريد، ويمضى بنا العمر.. ولا ندرى هل حقا عشنا الحياة، أم أننا فقط كنا على قيدها أحياء.. اللهم يا من أقسمت بالليالى العشر، أجعلنا فيها آمنين، سالمين، مسرورين، معافين، واجعل لنا فيها دعوة لا تُرد، ورزقًا لا يُعد، وبابا إلى الجنة لا يسد يا رب العالمين، اللهم إنها أحب أيام الدنيا إليك، فاغفر لنا فيها ما مضى، وأصلح لنا ما بقى.
رئيس لجنة المرأة بالقليوبية وسكرتير عام اتحاد المرأة الوفدية
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض