رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

أوراق مسافرة

عندما تتحدث مع عقلية صينية مثقفة دارسة للمجتمعات سواء الصينية أو الأوروبية، يجب أن تستمع بتركيز لتعرف كيف يفكر هؤلاء، وكيف فكر العلماء والخبراء منهم داخل بلدهم على مدى ثلاثة عقود مضت حيث كانت نسبة 60% من تعداد السكان البالغ 1.2 مليار نسمة يعيشون تحت خط الفقر إلى أن وصلت الصين الآن ليسجل لها البنك الدولى وصول نسبة الفقر المدقع إلى رقم «صفر» رسمياً، حيث نجحت الصين فى نهاية عام 2020 فى رفع جميع سكان الريف فوق خط الفقر، وحازت الصين لنفسها على لقب التنين الصينى ليس فقط لأن التنين مخلوق أسطورى يمثل فى ثقافتهم رمزاً مقدساً للقوة، الحكمة، الحظ السعيد، والازدهار والهيمنة على قوى الطبيعة والمياه، مثل الأمطار والأعاصير ونماء الزراعة وتحقيق الخصوبة، بل لأن التنين ذا المخالب الخمسة رمزاً حصرياً لديهم للسلطة والإمساك بزمام الأمور كلها وتجميع كل الإثنيات والأعراق بين مخالبه فى تحكم وقوة فلا تفلت منه ولا تتفرق.

كان هذا ضمن ما قاله لى الشاب الصينى «تشى يون» صاحب دراسة الدكتوراه حول منظمات المجتمع المدنى فى هولندا وتأثيراً على مكافحة الفقر والجريمة، حيث تشعب بنا الحديث عن تجربة الدولة الصينية فى مكافحة الفقر، وجدتنى أغالب جاهدة أفكارى الإنسانية لأتجنب مؤقتاً شعورى الدافق بالرفض عقائدياً لهم، وإدانة كل ما تمارسه الصين ضد المسلمين من عنف وقهر وعنصرية، وتجردت فى الحديث معه حول الجانب الاقتصادى المحض.

هذا الجانب الذى قفز بالصين منذ أواخر عام الثمانينات من دولة فقيرة جداً إلى دولة تشكل ثانى أكبر اقتصاد فى العالم، حيث بلغ ناتجها المحلى الإجمالى أكثر من 20.8 تريليون دولار أمريكى، ففى 1978 عام أطلقت الصين سياسات «الإصلاح والانفتاح» وبدأت فيها مرحلة التحرير الاقتصادى بعمل إصلاحات جذرية فى النظام الزراعى وقامت بمنح المزارعين حقوقاً أكبر لاستغلال أراضيهم، وعلى التوازى فتحت أبواب الاستثمار الأجنبى بشرط أن تكون الاستثمارات لها شراكة صينية وإشراف صينى مع توجيه هذه الاستثمارات لخدمة الإنتاج الوطنى ليصب فى مصلحة المواطن والدولة متجنبة قدر الامكان الاستثمار الترفيهى أو الاستهلاكى.

ونجحت سياستها الاستثمارية فى إحداث نوع من الانتعاش الاقتصادى والتأثير الإيجابى على معدلات البطالة ونسب من الفقر، ونجحت خطوات الاستثمار والتوسع الزراعى فى تحقيق قدر من الكفاية الزراعية وتقليص حجم الاستيراد للمنتجات الزراعية من الخارج عن طريق تكوين المزارع الجماعية (الكومونات) فى المناطق الريفية، ما أتاح للعائلات إنتاج منتجات زراعية بسيطة وتوفير دخل مستدام يرفع من مستواهم المعيشى، ثم اتخذت خطوة تالية فى إغلاق الطريق أمام السلع الكمالية من أجل توطين صناعتها ما وفر الكثير من قيمة حجم وموازنة الاستيراد من الخارج، ثم بدأت الصين فى العام من (1994–2012) مرحلة الخطط الخمسية من خلال تنفيذ برامج تنموية موجهة استهدفت تحسين البنية التحتية فى المحافظات النائية والقرى الفقيرة، فشقت الطرق، أدخلت الكهرباء، طورت قطاعات التعليم والصحة، وهى الإجراءات التى عكست نتائج ملموسة على تراجع نسب الفقر.

ثم بدأت الصين بعدها ما بين عامى (2015–2020) مرحلة «القضاء المستهدف على الفقر»، واعتمدت هذه الخطة على برامج الأسر المنتجة للصناعات المحلية الصغيرة، وتنفيذ مشاريع للطاقة الكهروضوئية لتعتمد عليها تلك الصناعات الصغيرة فى المناطق البعيدة والجبلية بدلاً من تقديم مساعدات نقدية مباشرة، وتحويل العمالة الزراعية الفائضة إلى مجال الصناعات والخدمات.

وتم من خلال ذلك عمل حصر شامل فى كل الصين لتحديد الأسر الفقيرة بدقة عن طريق عمل مسح ميدانى شامل ومحايد من خلال مسئولين محليين للقرى، مع إرسال فرق عمل خاصة المنازل الفقيرة الموجودة فى مناطق بعيدة لتسجيل كل أسرة فقيرة بدقة، وتوثيق أسباب فقرها فى قاعدة بيانات وطنية لضمان وصول الدعم لمستحقيه الفعليين، مع تحديد أسباب الفقر لكل أسرة، وتخصيص مشاريع محددة تتناسب مع ظروف كل أسرة «حلول على مقاس كل أسرة» من خلال تحويل المنازل إلى ورش عمل صغيرة لإخراجهم من تحت خط الفقر وبتقديم دعم مالى وعينى لهؤلاء، سواء كمنحة، أو قرض ميسرة السداد على المدى الطويل بدون فوائد، كل على حسب ظروف الأسرة، ومتابعة خطط التنمية لكل أسرة بشكل فردى وعدم تركهم يتخبطون فى المشروع حتى لا يتعرض للفشل.

وفى هذا كان يتم أيضاً توفير التدريب المهني لهؤلاء لتحقيق النجاح فى مشروعهم الصناعى الصغير، نقل السكان من المناطق غير القابلة للسكن وللمشروع الصناعى إلى مناطق أفضل تمكن مشروعهم من النجاح.

وكانت أهم الصناعات الصغيرة التى تم توجيه الأسر لإنتاجها هى الأدوات المكتبية والمستلزمات المدرسية من أقلام، ودباسات، ومساطر، وأساتيك وغيرها، الإكسسوارات الخاصة بالسيدات والموضة والملابس، الأحذية، ألعاب الأطفال البلاستيكية والكهربائية الصغيرة، منتجات البلاستيكية المنزلية كأدوات المائدة المطبخ والحمامات وغيرها، وكابلات الشحن أغطية الهوتف وإكسسواراتها وسماعات الأذن البسيطة، ومنتجات التجميل من مكياج، ومستلزمات العناية اليومية، ومنتجات الإضاءة البسيطة ولمبات الزينة الصغيرة، والكشافات اليدوية...وللحديث بقية

 

[email protected]