رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

اسم  ساحر يخطفك للفضول ماذا يمكن ان تخبئ الدنيا فى هذا الصندوق ، وكيف تضع الدنيا كلها داخل صندوق ؟ قديما عرف انه اسم لوسيلة فرجة شعبية قديمة كانت منتشرة في مصر، قبل السينما والتلفزيون. يتمثل فى رجل يجوب الشوارع بصندوق خشبي كبير به عدسات وصور ملوّنة، ينظر الناس داخله مقابل مبلغ بسيط،يرى صورا لملوك وامراء  وابطال، بينما يروي صاحب الصندوق حكايات أسطورية وحقيقية ، من خلال كل  صورة يراها ، من يرغب فى الترفيه والمعرفة، كجزء من الثقافة الشعبية ، ولكن تلك المرة استوقفنى اسم صندوق الدنيا حين لمحت على مواقع التواصل جملة من حوار فيلم الحرامفي جملة قصيرة  تختبئ طبقات كاملة من الحزن والحنين والفقد ، حين قالت فاتن حمامة لعبدالله غيث ـ و النبي يا عبدالله عايزة أتفرج على صندوق الدنيا. 
فيرد عليها بدهشة كانه طلب بعيد المنال
ـ هو انتي لسه صغيرة؟!
ثم تأتي الجملة الاكثر دهشة
ـ ما انتي عيدتي يا بت.. هو انتي مش روحتي الجبانة الصبح
كيف لهذا التعبير والتحول من الحياة بكامل شغفها ، أن يضع الموت مقابلا للمتعة امامه
هنا لا تخول فرحة العيد من زينةً أو ملابس جديدة أو حلوى،  إلى زيارة المقابر. وكأن البسطاء حين تعجزهم الحياة عن صناعة الفرح يذهبون إلى الموتى كي يكتمل مظاهر الفرح
إنها جملة قاسية، لكنها مصرية للغاية.
في الطبقات الشعبية القديمة، لم تكن زيارة القبور في الأعياد فعل حزن خالص، بل كانت جزءًا من الطقس الاجتماعي نفسه. فالناس يحملون الخبز، والتمر، والرحمة، ويجلسون بجوار موتاهم كما لو أنهم أفراد غائبون عن المائدة فقط. وفي الريف المصري خصوصًا، كان صباح العيد يبدأ أحيانًا بالفاتحة على القبور قبل أي بهجة أخرى، كأن الزائر يقول لمن رحل من ذويه ان  فرحتنا لن تكتمل إلا بزيارتكم 
والمشهد يحمل جذورًا أعمق من مجرد عادة شعبية؛ فهو يمتد بعيدًا في الوجدان المصري منذ مصر القديمة. فالمصري القديم لم يكن يرى الموت قطيعة نهائية، بل انتقالًا إلى عالم آخر تستمر فيه الروح. لذلك امتلأت الحضارة المصرية بطقوس زيارة الموتى، وتقديم الطعام لهم، والاحتفاظ بعلاقة يومية تقريبًا مع الأسلاف. كانت المقابر تُزار في الأعياد والمواسم، وتُقدَّم  وجبات واطعمة وفاكهة للغرباء هناك كأن المتوفى يقوم بواجب الضيافة كما كان على قيد الحياة
هذا التصور لم يختفِ تمامًا، بل تغيرت لغته فقط.
فالمرأة المصرية التي تحمل الكعك إلى المقابر اليوم، أو الرجل الذي يقرأ الفاتحة يوم العيد على روح أبيه، يحمل دون أن يشعر بقايا شعور فرعوني قديم: أن الموتى لا يغادرون البيت بالكامل، وان ارواحهم مازالت تحلق حولهم
ولهذا يبدو الحوار السينما  شديد الصدق. فهي لا تسخر من البسطاء، بل تكشف طريقتهم الخاصة في مقاومة الفقد، وخلق الفرحة بطريقة تناسب امكانيته،  المصري لا يملك دائمًا رفاهية الترفيه المتعارف عليه ، لكنه يملك ادواته الخاصة التى تجعله يشعر بالرضا والسعادة، حين يمارس تلك العادات المورثة ، بإيجاد  طريقة للتواصل مع من رحل من احبابه ولذلك يصبح استدعاء الموتى فى ذاكرتهم فى هذا الوقت  جزءًا من الاحتفال ذاته؛ لأن العيد عنده ليس مناسبة للاستهلاك فقط، بل مناسبة لاستحضار لمة العيلة  بمن فيها الغائبون تحت التراب، وربما لهذا تبقى الأعياد في مصر ممزوجة دائمًا بشيء من الحنين ،  وربما هو منظور جديد لصندوق الدنيا ، الذى يتطلع اليه البعض مثل حلم او امنيه ان يكون مكان الصورة ، ولكن فى النهاية تثبت صورة الجميع على مشهد واحد متساوى ، يمحو كل الفوارق الاجتماعية.
على هيئة احتفال بالعيد.