جهاد عبدالمنعم يكتب: الصحافة الورقية تموت في زمن تكنولوجيا المعلومات
الذكاء الاصطناعي يكتب النعي الأخير للصحف الكبري
الإعلانات هربت.. والقراء رحلوا.. فمن ينقذ الصحافة ؟
صحف بلا قراء.. ومؤسسات بلا تمويل
هل تتحول المؤسسات الصحفية إلى أطلال من ورق؟
المصير الغامض ينتظر المؤسسات الصحفية وكبار الكتاب في مصر
الثبات موات.. والثوابت كوابت.. والبكاء علي الأطلال من سمات الضعفاء حتى لو كانوا من شعراء الجاهلية، ومن منا لا يتذكر أكبر شعراء العصر الجاهلي وأعظم قصائد الشعر تبدأ بالبكاء على الأطلال كما في قصيدة امرئ ألقيس، قفا نبكي من ذكري حبيب ومنزل.
المهم أن حكاية الأطلال هذه كانت يوما ما حاجة مبهرة ودعوة للبكاء والعزاء والحسرة وهذه كلها مشاعر سلبية لا تليق بعصر التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والروبوت، وبالطبع فإن تكنولوجيا المعلومات والذكاء الاصطناعي سوف يقضيان تماما علي مهن ووظائف كانت مرموقة ولا سبيل للبكاء والتحسر ومن يقف ليبكي على أطلال هذه الوظائف سيدهسه قطار الحياة الأسرع من البرق.
ومن أبرز المهن والوظائف المرموقة التي انتهت أو في سبيلها للاختفاء تماما وظيفة الصحفي والكاتب وأيضا بكل تأكيد المؤسسات الصحفية والإعلامية وقنوات التلفزيون وحتى استديوهات السينما فقد أصبح بالإمكان باستخدام الذكاء الاصطناعي أن تخلق مذيعا أو مذيعة في منتهى الأناقة والفصاحة وبدون كاميرات إو استديوهات أو مخرجين أو إضاءة وبدون أي مصروفات يمكن إذاعة نشرة أخبار مصورة بأي لغة وأي نبرة صوت وهو ما يعرف بالمذيعات الڤيرتشوال أو التخيلي أو الافتراضي وهذه كارثة كبيرة من كوارث الذكاء الاصطناعي إذا لم تكن هناك تشريعات صارمة تنظمها حيث يمكن بسهولة تضليل الناس بأخبار مصورة كلها خيال في خيال ولكنها تبدو حقيقية جدًا.

ولكن دعونا الآن نتحدث عن مستقبل الصحافة الورقية وكبار المؤسسات الصحفية والكتاب؛ فلم تعد أزمة الصحافة في مصر والعالم أزمة ورق فقط ولا أزمة توزيع ولا حتى أزمة إعلانات تقليدية تتراجع عاما بعد آخر.
الأزمة اليوم أعمق وأخطر بكثير وتنذر بفناء مؤسسات صحفية عريقة تجد نفسها أمام تكنولوجيا قادرة على إنتاج الأخبار وتلخيص المقالات وصناعة الصور والفيديوهات وتحليل البيانات ومنافسة الصحفي في السرعة بينما تتآكل موارد التمويل القديمة وتتحول الإعلانات إلى المنصات الرقمية الكبرى وشركات التكنولوجيا وصناع المحتوى المستقلين.
في غرف الأخبار القديمة النيوز رومز حيث كانت ماكينة الطباعة تمثل قلب المؤسسة الصحفية وكان الناس ينتظرون في لهفة الخبر المطبوع ونذكر أن صحيفة الوفد كانت تطبع مليون نسخة وتنفذ فور الصدور وكذلك أخبار اليوم والأهرام عدد الجمعة وكثير من المجلات والصحف العريقة أكتوبر وروز اليوسف وصباح الخير والمصور والهلال وأخر ساعة وغيرها كثير جدا عربيا ومصريا الشبكة والموعد و المساء والجمهورية ونص الدنيا.
الان تغير المشهد لم يعد السؤال هل سيختفي الورق؟ بل أصبح هل تستطيع المؤسسة الصحفية نفسها أن تبقى؟ وهل يبقى الصحفي وكاتب المقال وصاحب العمود في موقع التأثير؟ أم يتحول إلى هامش في سوق إعلامي تحكمه الخوارزميات والذكاء الاصطناعي؟
مؤشرات عالمية موثوق بها تشير الي أن الصحافة التقليدية تواجه تراجعا كبيرا في التفاعل والثقة والاشتراكات الرقمية مع انتقال الجمهور نحو المنصات الاجتماعية والفيديوهات القصيرة ومحركات البحث المدعومة بالذكاء الاصطناعي.
تقرير معهد رويترز لدراسة الصحافة لعام 2025 يشير إلى أن وسائل الإعلام التقليدية تكافح من أجل الحفاظ على علاقتها بالجمهور في ظل انخفاض التفاعل وتراجع الثقة وركود الاشتراكات الرقمية.
وفي مصر تبدو الأزمة أكثر تعقيدا فالمؤسسات الصحفية الكبرى خصوصا القومية والحزبية وبعض الصحف الخاصة تحمل إرثا ضخما من المطابع والمقار والعمالة والديون في وقت لم تعد فيه الإعلانات الورقية قادرة على تمويل هذا الحجم المؤسسي.
ولا يخفي على أحد أن إجمالي توزيع الصحف اليومية في مصر تراجع بشكل غير مسبوق وأصبح من النادر جدا أن ترى أحدا يقرأ صحيفة ورقية أو من المستحيلات مثل الغول والعنقاء والخل الوفي، لكن التراجع في التوزيع ليس سوى وجه واحد من الأزمة، الوجه الأخطر هو اختفاء النموذج الاقتصادي القديم للصحافة فالإعلان الذي كان يذهب إلى الصفحة الأولى والأخيرة والملحق الأسبوعي، صار يذهب إلى فيسبوك وجوجل ويوتيوب وتيك توك وإنستجرام.

المعلن لم يعد يبحث فقط عن اسم الجريدة أو تاريخها بل عن أرقام فورية مثل عدد المشاهدات ومدة التفاعل أو الفئة العمرية وأيضا المنطقة الجغرافية وسلوك المستخدم، وهنا تفوقت المنصات الرقمية لأنها لا تبيع مساحة إعلانية فقط بل تبيع بيانات الجمهور.
وإذا وسعنا زاوية الرؤية عالميا نرى تسارعا في هذه التحولات، فقد نقلت الجارديان عن أبحاث WPP Media أن إيرادات الإعلانات لدى صناع المحتوى على وسائل التواصل مرشحة لتجاوز إيرادات وسائل الإعلام التقليدية في 2025 للمرة الأولى مع سيطرة منصات مثل يوتيوب وتيك توك وإنستجرام على جانب متزايد من سوق الإعلان، كما أشارت النتائج إلى أن شركات التكنولوجيا الكبرى استحوذت في العام السابق على أكثر من نصف إيرادات الإعلان عالميا.
وسط هذا المشهد المخيف يدخل الذكاء الاصطناعي لا كأداة مساعدة فقط بل كقوة تغيير شاملة حيث يستطيع محرر واحد اليوم أن يستخدم برامج الذكاء الاصطناعي لتلخيص تقرير طويل، واقتراح عنوان وإنتاج نسخة مختصرة للسوشيال ميديا وترجمة النص وتحويل الخبر إلى فيديو أو إعداد نشرة صوتية، وما كان يحتاج في الماضي إلى فريق كامل يمكن إنجازه الآن بعدد أقل من الأشخاص وفي وقت أقصر وبدقة وكفاءة عالية جدا.
هذا لا يعني بالضرورة نهاية الصحفي، لكنه يعني نهاية الصحفي التقليدي الذي يكتفي بنقل البيان أو إعادة صياغة الخبر الصحفي، القادم سيكون أقرب إلى محرر ذكي ومحقق ومحلل بيانات ومدقق معلومات في وقت واحد، أما الصحفي الذي لا يمتلك أدوات التحقق الرقمي ولا يفهم آليات البحث المتقدم ولا يستطيع التعامل مع الذكاء الاصطناعي فسيجد نفسه خارج المنافسة تدريجيا.
كبار الكتاب أيضا ليسوا بعيدين عن العاصفة فالذكاء الاصطناعي يستطيع تقليد الأساليب وصياغة مقالات رأي وإنتاج افتتاحيات قوية اللغة لكنه لا يستطيع بسهولة أن يصنع تجربة إنسانية حقيقية أو موقفا أخلاقيا أو ذاكرة سياسية واجتماعية عميقة لذلك لن يختفي الكاتب الكبير لأنه يكتب بل قد يختفي إذا لم يعد يمتلك ما هو أعمق من الكتابة وأهمها الرؤية والمصداقية والخبرة والتجربة الإنسانية.
هل تستغني المؤسسات الصحفية عن الصحفيين؟
الخطر الحقيقي هنا أن تخلط المؤسسات بين خفض التكلفة وتدمير القيمة فإذا استخدمت الصحف الذكاء الاصطناعي فقط لتقليل عدد الصحفيين وملء الصفحات بمحتوى آلي فإنها ستفقد ما تبقى من ثقة الجمهور أما إذا استخدمته في تحليل الوثائق وكشف التضليل وبناء قواعد بيانات و تحسين الأرشيف وإنتاج محتوى متعدد الوسائط والوصول إلى جمهور جديد فقد يتحول من تهديد إلى فرصة.
وتبدو معركة الثقة هي الأهم فالجمهور أصبح أكثر قلقا من دخول الذكاء الاصطناعي إلى الأخبار، المخاوف لا تتعلق بالوظائف فقط بل بمصير الحقيقة نفسها فالذكاء الاصطناعي قادر على إنتاج صورة كاذبة وفيديو مزيف وصوت منتحل أو خبر يبدو احترافيا بلا مصدر، وفي بيئة تعاني أصلا من ضعف الثقة يمكن للمحتوى المزيف أن يضرب ما تبقى من مصداقية الصحافة وهنا يصبح دور المؤسسات الكبرى أكثر أهمية لا أقل فهى القادرة إذا طورت نفسها على أن تكون جهة تحقق وتفسير لا مجرد ناقل أخبار.
بقاء هذه المؤسسات الصحفية العملاقة يحتاج إلى قرارات صعبة حيث لم يعد ممكنا الاعتماد على الإعلان وحده ولا على الدعم المؤسسي وحده ولا على تاريخ الجريدة وحده، المستقبل يتطلب نماذج تمويل متعددة مثل اشتراكات رقمية مرنة وعضويات للقراء و خدمات معلومات متخصصة، وبودكاست وفيديو وفعاليات وتدريب وأرشيف مدفوع وشراكات مع الجامعات ومراكز البحث ومنتجات صحفية تخدم رجال الأعمال والباحثين وصناع القرار.
في مصر تحتاج المؤسسات الصحفية الكبرى إلى ما هو أبعد من إطلاق موقع إلكتروني أو صفحة على فيسبوك، المطلوب إعادة بناء كاملة لغرفة الأخبار يتضمن دمج الصحفي الورقي والرقمي وتدريب المحررين على الذكاء الاصطناعي وتحويل الأرشيف إلى قيمة اقتصادية وإنتاج صحافة بيانات والاستثمار في الفيديو القصير دون التخلي عن التحقيقات العميقة وبناء علاقة مباشرة مع القارئ بدلا من تركه بالكامل للمنصات.
المفارقة أن الذكاء الاصطناعي قد يكون خطرا على المؤسسات الضعيفة وفرصة للمؤسسات القوية، فالصحيفة التي لا تملك هوية تحريرية واضحة ستتحول إلى مصنع محتوى متكرر أما المؤسسة التي تمتلك ثقة القارئ ولديها تاريخ مهني وشبكة مصادر وقدرة على التحقيق والتحليل فيمكنها أن تستخدم التكنولوجيا لتوسيع تأثيرها لا لتقليصه.
مصير الصحفيين لن يكون واحدا هناك وظائف ستتراجع مثل الديسك مان أو محرر إعادة الصياغة الروتينية والقائم بعمل الترجمة السطحية وأيضا الأخبار الخدمية البسيطة والمتابعات المتكررة، وهناك وظائف ستزداد أهمية مثل التحقيقات الاستقصائية والتحقق من المعلومات والتحليل بمعنى أدق صحافة البيانات والشرح المبسط والتغطيات الميدانية والكتابة الإنسانية العميقة، المهم أن الذكاء الاصطناعي لن يقتل الصحافة، لكنه سيقتل النسخة الكسولة منها.
أما المؤسسات الصحفية الكبيرة، فمصيرها سيتوقف على قدرتها على الإجابة عن سؤال واحد هو لماذا يدفع القارئ أو المعلن أو المجتمع ثمن ما تقدمه؟ إذا كانت الإجابة مجرد خبر متاح في كل مكان فالخسارة قادمة والإغلاق مصير محتوم أما إذا كانت الإجابة معرفة موثوقة وتفسير عميق وتحقيق جاد وأرشيف حي وخدمة عامة لا تقدمها الخوارزميات فستبقى الصحافة.
في النهايةً لا يبدو المستقبل حربا بين الإنسان والآلة بقدر ما هو اختبار لقدرة المؤسسات الصحفية على التجدد، الذكاء الاصطناعي لن ينتظر الصحف حتى تنتهي من اجتماعاتها الطويلة والمنصات والبوابات لن تعيد الإعلانات إلى الورق بدافع الحنين والجمهور لن يشتري الجريدة فقط لأنها كانت عظيمة في الماضي.
الصحافة التي ستنجو هي التي تفهم أن التكنولوجيا ليست خصما إذا امتلكت المؤسسة عقلا جديدا وأن الصحفي لن يبقى لأنه يحمل كارنيه نقابة فقط بل لأنه قادر على أن يمنح القارئ ما لا تمنحه الآلة، الحقيقة والسياق والضمير.
هل تغلق المؤسسات الصحفية التاريخية في مصر؟
مستقبل المؤسسات الصحفية الكبرى لن يكون واحدا، مثل الأهرام وأخبار اليوم ودار التحرير والوفد، لن يكون مصيرها مثل The Economist وNewsweek لن يكون مصيرها مثل صحيفة محلية تعتمد على الإعلانات فقط، الفارق سيكون في شيء واحد هل تتحول المؤسسة من مجرد جريدة إلى منصة معرفة وخدمات إعلامية أم تظل أسيرة الورق والمطابع والروتين؟
مؤسسات تاريخية مثل الأهرام وأخبار اليوم تملك تاريخا ضخما وأرشيفا لا يقدر بثمن أسماء صحفية معروفة وشبكة مراسلين ومكانة رمزية في الوعي المصري، لكنها في الوقت نفسه تحمل أعباء ثقيلة عمالة كبيرةً مطابع و مقار، وديون وتراجع مزري في توزيع الصحف والإعلانات.
المشكلة أن القارئ المصري لم يعد ينتظر الجريدة صباحا ليعرف الخبر لأن الخبر يصل إليه من الهاتف، من فيسبوك ومن يوتيوب ومن تيك توك ومن تطبيقات الأخبار، لذلك مستقبل هذه المؤسسات في مصر قريبا لن يختفي فورا المطبوع لكنه سيتحول إلى واجهة رمزية أو نخبوية.
أي أن النسخة الورقية ستبقى لبعض الوقت بسبب العادة والمكانة والمؤسسات الرسمية لكنها لن تكون مصدر القوة الحقيقي القوة ستنتقل إلى الموقع الإلكتروني والفيديو والأرشيف الرقمي والنشرات المتخصصة والتحليل العميق، الأزمة الكبرى ستكون في التمويل.
الإعلان لم يعد يذهب للصحيفة بنفس القوة لأن المعلن يريد أرقاما دقيقة جدا عن من شاهد؟ من ضغط؟ من اشترى؟ أين يعيش الجمهور؟ وهذا ما تقدمه المنصات الرقمية الكبرى أفضل من الصحف التقليدية، لذلك المؤسسات التي ستظل تعتمد على إعلان الصفحة الأولى أو إعلان البوابة فقط ستتعثر.
الفرصة الحقيقية للمؤسسات الصحفية الكبيرة مثل الوفد والأهرام وأخبار اليوم ليست في نشر أخبار أكثر بل في تقديم قيمة أعلى، الأهرام مثلا تمتلك أرشيفا تاريخيا وسياسيا وثقافيا هائلا هذا الأرشيف يمكن أن يتحول إلى منتج رقمي مدفوع للباحثين والجامعات والصحفيين وصناع الوثائقيات أخبار اليوم لديها مدرسة صحفية شعبية وقصص إنسانية وفنية واجتماعية يمكن تحويلها إلى فيديوهات قصيرة وبودكاست وسلاسل رقمية وكذلك الوفد لديه مدرسة خاصة وصحفيين متمرسين.
الخلاصة لو ظلت هذه المؤسسات صحفا تطبع أخبارا ستتراجع، لو تحولت إلى بيوت محتوى ومعرفة وتحليل وتوثيق ستبقى.
مصير الصحفيين وكبار الكتاب داخل هذه المؤسسات
الصحفي التقليدي الذي ينتظر بيانات رسمية ثم يعيد صياغتها سيكون في خطر شديد لأن الذكاء الاصطناعي يستطيع فعل ذلك بسرعة وبتكلفة أقل، كذلك الأخبار الروتينية والعناوين والتلخيص والترجمة وتحويل الخبر إلى منشور قصير كلها مهام ستتأثر بقوة بوجود الذكاء الاصطناعي، لكن الصحفي الحقيقي لن يختفي بل ستزداد قيمته إذا كان يمتلك واحدة من هذه القدرات التحقيق والمصادر والفهم السياسي والاجتماعي والتحقق من الأخبار تحليل البيانات و صناعة القصة الإنسانية أو شرح ما وراء الخبر.
أما كبار الكتاب فمصيرهم أخطر وأكثر حساسية، الذكاء الاصطناعي يستطيع كتابة مقال مرتب لغويا لكنه لا يستطيع أن يمنح القارئ ذاكرة كاتب عاش الأحداث ولا موقفا أخلاقيا حقيقيا ولا خبرة ممتدة في فهم الدولة والمجتمع، لذلك الكاتب الكبير لن يبقى لأنه فقط اسم قديم كبير بل لأنه يقدم رؤية لا يقدمها الذكاء الاصطناعي.
الكاتب الذي يكرر نفسه سيتراجع، والكاتب الذي يفسر ويحلل ويكشف الزوايا الغائبة سيصبح أكثر أهمية.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض