تأملات
فى رصد ما جرى على صعيد الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران سال الكثير من حبر المطابع لتحليل أبعاد حق واشنطن وتل أبيب فى الإقدام على مثل هذه العملية. غير أن هناك بعدًا رئيسيًا ظل يدخل فى عداد المسكوت عنه وهو المتعلق بالاساس الذى تستند اليه واشنطن فى خوض غمار مثل هذه الحرب. قد يبدو هذا الأمر مما يدخل فى عداد البديهيات أو الاعتراف بما هو عليه واقع النظام الدولى. لكن هذا شىء وإقرار أن ذلك مما يمكن اعتباره جزءًا من حال العالم شىء آخر. رغم أن الفارق هنا يبدو بسيطًا ولكنه جوهرى والأمثلة التى يمكن أن نسوقها للتدليل على وجهة نظرنا عديدة ومهمة، كما أن سياق تصريحات القيادة الأمريكية، وبالذات الرئيس ترامب ذات دلالة بالغة على ما نقول.
لا نبالغ إذا أشرنا إلى أن جوهر العملية الأمريكية، إلى جانب أهدافها الخفية، هو تحويل النظام الدولى من حكم القانون حتى ولو على مستوى المظهر إلى حكم اللا قانون أو بالأحرى قانون الغاب. وإذا كان النظام الدولى لا يكاد ينهى حربًا حتى تبدأ أخرى، فإن أطراف كل الحروب تقريبًا كانت تسعى دومًا للتأكيد على شرعية موقفها إلا فى الحالة الأمريكية. لسان حال ترامب يقول إننا لا نعتمد شرعية أو شيئًا من هذا القبيل، لا يخجل الرجل من القول إنه يمارس نوعًا من البلطجة حتى أنه قالها صراحة حين راح يشبه ما تقوم به القوات الأمريكية بعمليات القرصنة.
السؤال الذى ربما يبدو ساذجًا، وهو كذلك بالفعل، ولكنه مطروح من قبيل رصد مفارقة واقع النظام الدولى الذى نعيشه، هو بافتراض أن إيران تقوم بانتهاك القواعد التى استقرت عليها دول العالم بحظر انتشار السلاح النووى، وأن ذلك يتطلب إجراءات معينة لثنيها عن مثل تلك الخطوة، فألا يفترض أن مؤسسات النظام الدولى هى التى يجب أن تبادر إلى مثل هذا التوجه على غرار ما حدث مع الحالة العراقية، رغم أنه ثبت فى النهاية عدم صحة الاتهامات التى تم تسويقها بشأن نوايا نظام صدام حسين؟
ربما مؤدى ذلك أن سلوك واشنطن يؤكد فكرة تخالف ما ذهب إليه بعض المحللين فى تحديد طبيعة حال النظام الدولى، وأنه يتجه إلى التعددية، حيث يمكن القول إنه يتسم بوجود قطب واحد هو الولايات المتحدة، بغض النظر عن جوانب الوهن التى تعانى منها تلك القوة، وأنها جوانب ستؤدى إلى بروز أو تبلور شكل جديد لذلك النظام يقوم على تعدد الأقطاب. ومما يعزز ذلك تأكيدات الرئيس ترامب على سعيه للوصول إلى اليورانيوم المخصب لدى إيران والمقدر بنحو 400 كيلو جرام إلى بلاده، وكأنه رئيس للنظام الدولى يتصرف فى أمور وحداته كيفما يشاء.
بدا ذلك أكثر وضوحًا فى الأنباء التى أشارت إلى قيام الولايات المتحدة بنقل يورانيوم مخصب من مفاعل أبحاث قديم فى فنزويلا إلى أراضيها، فى خطوة تؤكد معها أنها رئيس مجلس إدارة العالم بدون منازع.
ليس ذلك فقط، بل إن متابعة تصريحات الرئيس ترامب تحديدًا تشير إلى أنه ربما يمعن فى التأكيد على ذلك التوجه المتعلق بفرادة الهيمنة الأمريكية. ومن الغريب هنا أن يصل الرئيس الأمريكى لتكريس تلك الرؤية إلى مستوى من التخبط، حيث يعلن مرة أن الخطوة المقبلة بعد إيران ستكون كوبا، فيما يعلن فى تصريح آخر أن وجهته ستكون المكسيك، حتى ليبدو لك وكأن العالم قطعة تورتة يمسك ترامب وحده بسكين يحدد بها القطعة التى يقدم على إعمالها بها.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض