منتشرة على مواقع التواصل الاجتماعى والفضائيات:
الفتاوى الطبية.. أقصر طريق للموت السريع
التهاب حاد فى المعدة أدخل منى المستشفى... وأحمد أصيب بغيبوبة سكر بسبب وصفات الإنترنت
د. أمل السفطي: إيقاف العلاج واستبداله بالوصفات كارثة طبية
د. عدلى مرزوق: انعدام الرقابة على مواقع السوشيال ميديا جعلها بيئة خصبة لمدعى الطب
خوارزميات المنصات الرقمية تلعب دورًا رئيسيًا فى تسريع انتشار الوصفات
لم تعد الأخطار الصحية مقصورة على الأمراض وحدها، بل أصبح لها رافد آخر وهو "الفتاوى الطبية" التى غزت منصات التواصل الاجتماعى، لتجعل من صحة المواطنين ساحة مفتوحة للتجارب العشوائية، بين وصفات مجهولة المصدر، ونصائح يقدّمها غير المتخصصين، يجد آلاف المرضى أنفسهم ضحايا لمعلومات مضللة، قد تبدأ بوعد بالعلاج السريع وتنتهى بمضاعفات خطيرة أو تدهور حاد فى الحالة الصحية، خاصة لدى مرضى السكرى وارتفاع ضغط الدم.
كلما تصفحت السوشيال ميديا تجد تهديدًا مباشرًا بسبب التداخلات الدوائية الخطيرة وتأخير العلاج، ما يفتح الباب أمام "مؤثرى الطب" غير المؤهلين، والذين اتخذوا من هذه المنصات نوافذ لبث أفكارهم الغريبة التى تضر بصحة المواطنين، ولأن المريض كـ«الغريق يتعلق بقشة» فغالباً ما تجد هذه الأفكار سوقاً رائجة، وتكون النتيجة تأثر حالة المريض، الأمر الذى قد يودى به إلى الوفاة.
ورغم أن تقديم نصائح طبية دون ترخيص قد يعرّض صاحبه للمساءلة، فى ظل أطر تنظمها جهات، مثل وزارة الصحة والسكان المصرية ونقابة الأطباء المصرية، إلا أن هذه الفتاوى أصبحت منتشرة فى كل مكان وتجد من يتبعها ويروجها ويسوق لها.
فكلما تجولت على صفحات السوشيال تجد عدداً من مقاطع الفيديو القصيرة التى تقدم خلطات عشبية ووصفات منزلية بزعم علاج أمراض مزمنة أو إنقاص الوزن أو زيادة المناعة دون الرجوع إلى الأطباء، وصفات طبيعية أو عشبية تعتمد على خلط مكونات من العطارين، مثل الأعشاب والزيوت والحبوب، ويتم الترويج لها باعتبارها بديلًا "آمنًا" للأدوية التقليدية.
ومن أشهر هذه الوصفات المتداولة: خلطات التخسيس التى تحتوى على أعشاب حارقة للدهون، ووصفات علاج السكر والضغط بالأعشاب، ومشروبات تنظيف القولون، بالإضافة إلى وصفات زيادة المناعة باستخدام كميات كبيرة من الزنجبيل والقرفة والليمون والثوم، وأحيانًا خلطات مجهولة المصدر يتم بيعها إلكترونيًا دون أى رقابة طبية، ورغم أن بعض الأعشاب قد تكون مفيدة عند استخدامها بشكل معتدل وتحت إشراف مختصين، فإن الخطورة تكمن فى الإفراط أو الخلط العشوائى بين مكونات قد تتفاعل بشكل خطير مع أدوية يتناولها المرضى، أو تسبب مضاعفات صحية حادة، وعلى مواقع التواصل الاجتماعى، تداول مستخدمون قصصًا صادمة حول تجارب كادت تنتهى بكوارث بسبب تلك الوصفات.
إحدى السيدات، وتدعى "منى" وفق ما كتبته فى منشور على "فيسبوك"، قالت إنها لجأت إلى وصفة عشبية للتخسيس بعد مشاهدة فيديو حقق آلاف المشاهدات، وكانت الوصفة تعتمد على تناول مشروب يحتوى على كميات كبيرة من القرفة والزنجبيل وخل التفاح يوميًا على معدة فارغة. وأضافت أنها بعد أيام قليلة بدأت تشعر بدوخة حادة وتسارع فى ضربات القلب وآلام بالمعدة، قبل أن تُنقل إلى المستشفى بعدما تعرضت لهبوط شديد. وأكد الأطباء بحسب روايتها أن الإفراط فى تلك المكونات تسبب فى تهيج حاد بالمعدة وانخفاض مفاجئ فى ضغط الدم، مشيرة إلى أنها «كانت قريبة من الموت» على حد وصفها.
أما القصة الثانية، فكانت لشاب يدعى «أحمد»، روى عبر منصة «تيك توك» أنه توقف عن تناول دواء السكر الخاص به بعد اقتناعه بوصفة عشبية قيل إنها «تعالج المرض نهائيًا». وأوضح أنه اعتمد لأسابيع على خليط من الأعشاب والحلبة وبعض الزيوت الطبيعية، معتقدًا أن حالته تتحسن، لكنه فوجئ بارتفاع حاد فى مستوى السكر ودخوله فى حالة إغماء استدعت نقله للعناية المركزة، وقال فى الفيديو: «كنت فاكر إن الطبيعى آمن، لكنى اكتشفت إن حياتى كانت بتضيع بسبب نصائح غير متخصصة».
المسؤولية الطبية
البداية كانت مع الدكتورة أمل السفطى، أستاذة السموم، التى قالت إن ما يُعرف بـ«الفتاوى الطبية» لم يعد مجرد ظاهرة عابرة، بل أصبح خطرًا حقيقيًا يهدد صحة المواطنين بشكل مباشر، خاصة مع الانتشار الواسع للمعلومات غير الدقيقة عبر وسائل التواصل الاجتماعى. وأضافت أن أخطر ما فى هذه الظاهرة هو تأثيرها الفورى على المرضى، خصوصًا أصحاب الأمراض المزمنة مثل السكرى وارتفاع ضغط الدم، الذين قد ينساقون وراء نصائح غير علمية تدفعهم إلى إيقاف العلاج أو تغييره دون إشراف طبى.
وأوضحت أن هناك حالات كثيرة شهدت تدهورًا حادًا بسبب الاعتماد على وصفات مجهولة المصدر، مثل استبدال الأدوية بعلاجات عشبية غير مدروسة، أو اتباع أنظمة غذائية قاسية يتم الترويج لها على أنها «علاج نهائى». وأشارت إلى أن بعض المرضى يصلون إلى أقسام الطوارئ فى حالات متأخرة، بعد أن يكون المرض قد تفاقم نتيجة التأخير فى تلقى العلاج الصحيح، وهو ما يقلل من فرص الشفاء ويزيد من احتمالات حدوث مضاعفات خطيرة.
وأضافت السفطى أن التأخير فى العلاج لا يقل خطورة عن الخطأ فى العلاج نفسه، موضحة أن بعض «الفتاوى الطبية» تدعو إلى تجاهل الأعراض أو التقليل من خطورتها، ما يدفع المرضى إلى تأجيل زيارة الطبيب. هذا التأخير قد يؤدى إلى تطور الحالة بشكل يصعب السيطرة عليه، خاصة فى الأمراض التى تتطلب تدخلًا مبكرًا.
كما حذّرت من التداخلات الدوائية الخطيرة التى قد تنتج عن تناول أدوية أو أعشاب دون استشارة طبية، مؤكدة أن بعض المواد الطبيعية قد تتفاعل مع الأدوية بشكل سلبى، ما يؤدى إلى مضاعفات قد تصل إلى التسمم. وأشارت إلى أن تخصص السموم يشهد تزايدًا فى الحالات المرتبطة باستخدام عشوائى لمكملات أو خلطات عشبية يتم الترويج لها على الإنترنت دون أى رقابة.
وأكدت أن المشكلة لا تكمن فقط فى الجهل، بل فى الثقة العمياء التى يمنحها البعض لمصادر غير موثوقة، لافتة إلى أن الفئات البسيطة هم الأكثر عرضة لهذا النوع من التضليل، بسبب ضعف الوعى الصحى أو عدم القدرة على الوصول إلى خدمات طبية مناسبة. وأضافت أن هؤلاء يتحولون فى كثير من الأحيان إلى ضحايا لتجارب غير علمية، يدفعون ثمنها من صحتهم وربما حياتهم.
واختتمت الدكتورة أمل السفطى حديثها بالتأكيد على أن مواجهة هذه الظاهرة تتطلب تكاتف الجهود بين الأطباء ووسائل الإعلام والمؤسسات التعليمية، لنشر الوعى الصحى القائم على أسس علمية، محذرة من أن ترك المجال مفتوحًا أمام «الفتاوى الطبية» يعنى استمرار سقوط ضحايا جدد فى دائرة من الجهل والخطر.
بيئة خصبة
ومن المخاطر الصحية إلى مخاطر السوشيال ميديا وكونه بيئة خصبة لتداول مثل هذه المعلومات المغلوطة، حيث قال الدكتور مرزوق العادلى، أستاذ الصحافة والإعلام بجامعة سوهاج، إن منصات التواصل الاجتماعى باتت تمثل بيئة خصبة لانتشار ما يُعرف بـ«الفتاوى الطبية»، وهى ظاهرة خطيرة تتجاوز مجرد تداول معلومات غير دقيقة إلى تهديد مباشر لصحة المواطنين، خاصة من الفئات الأكثر احتياجًا والأقل وعيًا صحيًا. وأضاف أن خطورة هذه الظاهرة تنبع من طبيعة المحتوى الرقمى نفسه، الذى يعتمد على الجذب والإثارة لتحقيق الانتشار، وليس على الدقة أو المرجعية العلمية، ما يجعل المعلومات المضللة أكثر رواجًا من الحقائق الطبية الموثقة.
وأشار إلى أن خوارزميات المنصات الرقمية تلعب دورًا رئيسيًا فى تسريع انتشار هذه "الفتاوى"، حيث تروّج للمحتوى الذى يحقق تفاعلًا أعلى، بغض النظر عن مصداقيته، لافتًا إلى أن العناوين الصادمة والوعود الزائفة مثل “علاج نهائى فى أيام تستهوى الجمهور وتدفعه للمشاركة، ما يخلق دائرة مغلقة من التضليل يصعب كسرها. وأضاف أن هذه البيئة سمحت بظهور ما يمكن تسميتهم بـ"مؤثرى الطب"، وهم أشخاص يفتقرون إلى التأهيل العلمى، لكنهم يمتلكون القدرة على التأثير فى الجمهور، ويقدمون نصائح علاجية قد تكون فى غاية الخطورة.
وأوضح العادلى أن المشكلة لا تتوقف عند حدود نشر المعلومات الخاطئة، بل تمتد إلى غياب الوعى النقدى لدى بعض المتلقين، الذين يتعاملون مع هذه المحتويات باعتبارها حقائق مؤكدة، خاصة فى ظل الأزمات الاقتصادية التى تدفع البعض للبحث عن بدائل علاجية رخيصة أو سريعة. وأشار إلى أن هذا الوضع يجعل الفقراء والبسطاء هم الأكثر عرضة للوقوع ضحايا لهذه الممارسات، حيث يتحولون إلى حقل تجارب لوصفات غير علمية قد تؤدى إلى مضاعفات صحية جسيمة.
وأضاف أن غياب الرقابة الفعالة على المحتوى الطبى فى الفضاء الرقمى يمثل أحد أبرز أسباب تفاقم الأزمة، مؤكدًا أن هناك حاجة ملحة لوضع أطر تنظيمية واضحة تُحاسب من يروّج لمعلومات طبية مضللة دون سند علمى أو ترخيص مهنى، كما شدد على ضرورة تعزيز التنسيق بين المؤسسات الصحية والإعلامية، لضمان تقديم محتوى موثوق ومبسط يصل إلى مختلف فئات المجتمع.
وأشار إلى أن الإعلام التقليدى لا يزال مطالبًا بدور أكثر فاعلية فى مواجهة هذه الظاهرة، من خلال إنتاج محتوى توعوى قائم على أسس علمية، واستضافة متخصصين قادرين على تبسيط المعلومات الطبية دون الإخلال بدقتها. وأضاف أن المعركة لم تعد فقط ضد المرض، بل ضد الجهل وسوء الفهم، وهو ما يتطلب رفع مستوى الثقافة الصحية والإعلامية لدى الجمهور.
واختتم الدكتور مرزوق العادلى حديثه بالتأكيد على أن مواجهة "الفتاوى الطبية" مسئولية جماعية، تبدأ من الفرد المطالب بضرورة التحقق من مصادر معلوماته، وتمر بالمؤسسات التى يجب أن تضطلع بدورها التوعوى والرقابى، وتنتهى عند الدولة التى يقع على عاتقها سنّ التشريعات الرادعة، لحماية المواطنين من هذا الخطر المتصاعد الذى يهدد صحة المجتمع واستقراره.
جريمة
وحول مدى حماية الضحايا من عمليات النصب، قالت هانم عبدالمنعم، المحامية، إن تقديم نصائح طبية دون ترخيص لا تُعد مجرد تجاوز أخلاقى أو مهنى، بل قد ترقى فى كثير من الحالات إلى جريمة يُعاقب عليها القانون، خاصة إذا ترتب عليها ضرراً مباشراً للمواطنين. وأوضحت أن القانون المصرى ينظم بشكل واضح مزاولة المهن الطبية، ويشترط حصول من يمارسها على ترخيص رسمى، إلى جانب القيد فى نقابة الأطباء المصرية، مؤكدة أن أى شخص يقدّم استشارات أو وصفات علاجية دون استيفاء هذه الشروط يعرّض نفسه للمساءلة القانونية.
وأضافت أن الإشكالية تتعقد مع انتشار منصات التواصل الاجتماعى، حيث أصبح من السهل على غير المتخصصين تقديم محتوى يحمل طابعًا طبيًا لجمهور واسع، دون رقابة كافية. وأشارت إلى أن القانون لا يفرق بين وسيلة ارتكاب المخالفة، سواء تمت داخل عيادة أو عبر الإنترنت، طالما أن الفعل نفسه يُعد مزاولة لمهنة الطب دون ترخيص. وفى هذه الحالة، قد يواجه المخالف عقوبات تتراوح بين الغرامة والحبس، وفقًا لظروف كل واقعة، خاصة إذا ثبت وقوع ضرر على متلقّى هذه النصائح.
وأوضحت «هانم» أن هناك فارقًا قانونيًا مهمًا بين «التوعية الصحية العامة» و«تقديم استشارة طبية فردية». فالأولى قد تكون مقبولة إذا صدرت عن غير مختصين بشرط عدم الترويج لعلاج محدد أو تشخيص حالة بعينها، بينما الثانية تُعد تدخلًا صريحًا فى عمل الطبيب، ولا يجوز ممارستها إلا من خلال متخصص مرخّص. وأكدت أن كثيرًا من صُنّاع المحتوى يتجاوزون هذا الخط الفاصل، ما يضعهم تحت طائلة القانون.
وأشارت إلى أن دور وزارة الصحة والسكان المصرية لا يقتصر فقط على تقديم الخدمات الصحية، بل يمتد إلى الرقابة على المنشآت والممارسات الطبية، وضبط المخالفات، وإحالة المتورطين إلى التحقيق. كما أن نقابة الأطباء تلعب دورًا محوريًا فى حماية المهنة، من خلال متابعة الشكاوى، واتخاذ إجراءات تأديبية ضد الأطباء المخالفين، إلى جانب التوعية بخطورة الدخلاء على المجال الطبى.
وأضافت أن التحدى الأكبر يتمثل فى إثبات الضرر والعلاقة السببية بين النصيحة المقدمة والنتيجة التى لحقت بالمريض، وهو ما يتطلب تقارير طبية موثقة وإجراءات قانونية دقيقة. ومع ذلك، شددت على أن تزايد هذه القضايا فى الآونة الأخيرة يعكس وعيًا متناميًا لدى المواطنين بحقوقهم، ورفضهم للوقوع ضحية لممارسات غير مسؤولة.
وأكدت أن مواجهة هذه الظاهرة تستدعى تحديث التشريعات بما يتواكب مع التطور الرقمى، ووضع ضوابط أكثر صرامة على المحتوى الطبى المنشور عبر الإنترنت، بالتوازى مع حملات توعية قانونية للمواطنين حول مخاطر الانسياق وراء "الفتاوى الطبية". واختتمت حديثها بالتأكيد على أن حماية صحة الإنسان مسئولية قانونية ومجتمعية، وأن الردع القانونى يظل أحد أهم أدوات مواجهة العبث بصحة المواطنين، خاصة من الفئات الأكثر هشاشة.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض