نبض الكلمات
فى دولةٍ يُطلب من مواطنيها شدّ الأحزمة، تتسع داخل بعض الوزارات مساحات «الرفاهية الإدارية»، حتى تكاد تصبح هى القاعدة لا الاستثناء، مكاتب تفصيل على مقاس الوجاهة، سيارات فارهه بلا مبرر تشغيلى، مؤتمرات تُنفق عليها الملايين لتلميع الصورة أكثر من صناعة القرار، وكأن جزءا من الجهاز الإدارى قرر أن يتحول من أداة خدمة عامة إلى منصة عرض «VIP»... والمشكلة ليست فى بند هنا أو هناك، بل فى ثقافة كاملة تتسلل إلى مفاصل الإدارة، ثقافة تعتبر المظهر مؤشرًا على الهيبة، والإنفاق دليلاً على القوة، والامتيازات حقًا مكتسبا لا يُسأل عنه، بهذه العقلية، تصبح القرارات محكومة بالانطباع لا بالكفاءة، وبالواجهة لا بالنتيجة، فيختل ميزان الأولويات، حيث تُصرف الأموال على ما يُرى، بينما تهمل ما يُنجز...فحين تُدار الوزارات بهذه الذهنية، تتراجع الكفاءات، والموارد تُستنزف فى غير مواضعها، وسلاسل القرار تتعقّد لأن «الواجهة» تحتاج إلى موافقات واستعراضات، لا إلى سرعة وحسم، فى الوقت الذى يهمش فيه الموظف الكفء، إذا لم يجيد لغة الوجاهة، والموارد البشرية تُعاد صياغتها وفق القرب من دوائر الامتياز لا وفق الجدارة، والنتيجة جهاز إدارى بطىء، مكلف، ومحدود الأثر، والأخطر أن هذه الثقافة تخلق فجوة ثقة بين المواطن والدولة، حين يرى المواطن دعوات التقشف تُوجَّه إليه بينما تُمارس داخل بعض المؤسسات أنماط إنفاق استعراضية، تتآكل مصداقية الخطاب العام، وعندما تغيب الشفافية حول جدوى المؤتمرات، وعدد الأساطيل، وحقيقة البدلات والسفريات، يصبح السؤال مشروعا، من يحدد الأولويات؟ ومن يحاسب على النتائج؟..الإصلاح هنا لا يكون بشعارات عامة، بل بإجراءات حاسمة تعيد تعريف «الهيبة» على أساس الإنجاز لا المظهر. أولها، شفافية كاملة فى بنود الإنفاق غير الإنتاجى، ونشر تقارير دورية تربط كل جنيه مُنفق بعائد قابل للقياس، ثانيها: وضع معايير صارمة لاستخدام الأصول الحكومية، من السيارات إلى السفريات، مرتبطة باحتياج فعلى ومؤشرات أداء، ثالثها: تقليص البدلات والمكافآت غير المرتبطة بنتائج واضحة، وإعادة توجيهها إلى تحسين الخدمات الأساسية، رابعها: تمكين الأجهزة الرقابية من صلاحيات حقيقية وسريعة، وربط المساءلة بالمسؤولية المباشرة دون تمييع... كما أن تغيير الثقافة يبدأ من القمة، قيادات تقدم نموذجاً فى البساطة والانضباط، وتكافئ الكفاءة لا الظهور، وتربط الترقى بالإنجاز الملموس. عندها فقط تتحول الوزارات من واجهات إلى ورش عمل حقيقية، ومن منصات استعراض إلى مؤسسات تُنتج أثرًا يشعر به المواطن فى حياته اليومية... والدولة القوية ليست تلك التى تُنفق لتبدو قوية، بل التى تُحسن توجيه مواردها لتُحقق نتائج، وبين الوجاهة والكفاءة، لا مجال للتوازن، إما أن نختار الأولى فنُبدد الإمكانات، أو نختار الثانية فنبنى دولة تعمل. والاختيار، وفى النهاية هو قرار سياسى وإدارى لا يحتمل التأجيل.
المفارقة الصارخة أن دعوات التقشف لا تصل إلى حيث يجب أن تبدأ، أساطيل سيارات تتضخم، مؤتمرات تُقام بكلفة ضخمة، بدلات ومكافآت بلا سقف واضح، وسفريات تحمل طابع «الوجاهة» أكثر من كونها ضرورة عمل. وكأن الرسالة غير المعلنة، التقشف للمواطن... والترف للمسؤول، هذا التناقض لا يُرهق الموازنة فقط، بل يهز ثقة الناس فى أى خطاب إصلاحى، كيف يقتنع المواطن بجدوى التقشف وهو يرى إنفاقًا لا يعكس نفس الروح داخل مؤسسات الدولة؟ وكيف تُبنى دولة قوية بميزان مختل بين ما يُطلب من الناس وما يُمارس فى السلطة؟..القضية لم تعد أرقاما فقط، بل عدالة فى توزيع الأعباء، التقشف الحقيقى يبدأ من أعلى، من حكومة تضرب المثل فى ترشيد الإنفاق قبل أن تطالب به، أما استمرار هذا المشهد، فليس سوى وصفة مفتوحة لمزيد من الاحتقان وفقدان الثقة.
الرسالة واضحة،لا إصلاح اقتصادى بلا قدوة... ولا تقشف حقيقى فى ظل حكومة تُنفق وكأنها خارج المعادلة.
رئيس لجنة المرأة بالقليوبية وسكرتير عام اتحاد المرأة الوفدية
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض