رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

 

 

تشتبك خيوط المشهد في صحاري الحويطات الشاسعة، حيث تتداخل تضاريس الأرض القاسية مع طموحات البشر الأكثر قسوة، لترسم لوحة درامية تعيد إلى الأذهان صراعات الإنسان الأزلية مع الطبيعة ومع أخيه الإنسان في سبيل المعدن الأصفر النفيس، تلك الجذور التي تمتد عميقاً في تاريخ التنقيب الذي طالما كان محفوفاً بالمخاطر والأساطير، لكنه اليوم يتخذ بعداً معاصراً مأساوياً يكشف عن فجوة سحيقة بين سيادة القانون وأطماع "الذهابة" الذين استباحوا حرمة الأرض وهدوء الليل، فنحن أمام مشهد بانورامي لا يقتصر على جريمة ارتكبت في غفلة من النوم، بل يمتد ليشمل أبعاداً أمنية واقتصادية واجتماعية، حيث تحول البحث عن الثروة إلى ساحة للدماء، مما يضع الدولة بكافة أجهزتها، والمجتمع بأسره، أمام مواجهة حتمية مع المجهول، في وقت تسعى فيه مصر لاستعادة مقدراتها وصونها من أيدي العابثين الذين ظنوا أن الصحراء بعيداً عن عين الرقيب يمكن أن تصبح مرتعاً للفوضى والاستغلال غير المشروع.

رسائل إلى:

إلى المتهم وعشيرته، أولئك الذين يقفون اليوم في مهب الريح بين مطرقة القانون وسندان الإرث الثقيل، ألم يكن من الأجدى تدبر عواقب الانفلات من عقال الجماعة الوطنية والارتماء في أحضان الغريزة التي لا تشبع؟ إن الدماء التي سالت في جوف الجبل لا تمحوها دموع الندم ولا تبررها فاقة أو طمع، فكيف يمكن لنفس بشرية أن تستبيح أرواحاً كانت تشاركها الحلم والشقاء تحت وطأة الشمس الحارقة؟ وهل يدرك العقل الذي خطط ونفذ وهو يرى ضحاياه غارقين في سباتهم أن العدالة وإن تباطأت فإنها لا تنام، وأن العشيرة التي تُحمل اليوم وزر فعلة آثمة ستجد نفسها في مواجهة مع ضمير التاريخ قبل منصات القضاء، فهل كان الذهب يستحق أن يُصهر بدم الآدميين لتتحول الثروة المتخيلة إلى لعنة تطارد الأبناء والأحفاد في مسارح الزمن القادم؟ إن المستقبل لا يرحم من ظن أن الصمت وسيلة للنجاة، واليقين يقول إن القصاص ليس مجرد عقوبة، بل هو تطهير للأرض من رجس الاستباحة، فهل أنتم مستعدون لمواجهة حقيقة أن الجرم لم يقع على الأفراد فحسب، بل طعن كيان المجتمع في مقتل؟

ومن هذه الردهات المظلمة للجريمة، نلتفت بقلوب مثقلة نحو الضحايا وأسرهم، الذين دفعوا الثمن الأغلى في رحلة البحث عن سراب العيش الكريم خلف قضبان التنقيب غير الشرعي، فهل كانت تلك الأرواح تدرك أن نهايتها ستكتب بيد الغدر في عمق الصحراء؟ إن الفقد موجع، لكن الوجع الأكبر يكمن في السؤال عما إذا كانت هذه الدماء ستكون الصرخة الأخيرة التي توقظ الضمائر لمنع تكرار هذه المأساة، فالمستقبل الذي ينتظر ذويكم لن يستقيم إلا بوعي جمعي يرفض المسارات الملتوية، فهل يمكن لمرارة الفقد أن تتحول إلى قوة دافعة للمطالبة بحق الدولة في تنظيم ثرواتها بما يضمن كرامة الإنسان وأمنه؟ إن تعزيتنا لكم ليست كلمات مرسلة، بل هي إقرار بأن هؤلاء الضحايا هم وقود لمرحلة جديدة يجب أن تسود فيها الشفافية فوق أطماع المغامرين، فهل سنرى يوماً تنتهي فيه أسطورة المنقب غير الشرعي لتبدأ حقبة العمل المنظم الذي يحمي الروح قبل أن يبحث عن الحجر؟

وفي قلب هذا الصراع وعلى قمة هرم المسؤولية، تتوجه الأنظار بتقدير وثبات إلى الرئيس السيسي القائد الحازم الحاسم، الذي يقود سفينة الوطن وسط أمواج متلاطمة من التحديات الداخلية والخارجية، واضعاً مصلحة الدولة فوق كل اعتبار دون محاباة أو تمييز، فكيف يرى القائد الذي يبني المدن ويشق الطرق هذا النزيف في مقدرات الشعب وأرواح أبنائه؟ إن الحزم الذي عهدناه في مواقف السيادة هو الضمانة الوحيدة لقطع دابر العبث بالثروات القومية، فهل ستكون هذه الحادثة هي النقطة الفاصلة التي تفرض فيها الدولة هيبتها الكاملة على كل شبر من صحارينا لمنع استنزاف الذهب الذي هو ملك للأجيال القادمة؟ إن الرهان على حكمتكم وقدرتكم على إنفاذ القانون بعدل ومساواة هو ما يجعل المواطن يطمئن إلى أن دماء البسطاء لن تضيع هباءً، وأن يد الدولة الطولى ستصل إلى كل من تسول له نفسه العبث بالأمن القومي أو الاقتصادي، فهل نحن بصدد استراتيجية شاملة تنهي عصور الفوضى في مناطق التنقيب لتصبح هذه الثروات رافداً رسمياً في بناء الجمهورية الجديدة؟

وبين الرؤية السياسية والتنفيذ الميداني، يبرز دور حماة الجبهة الداخلية، حيث نوجه الرسالة إلى الشرطة المصرية، العيون الساهرة التي تجوب الفيافي لملاحقة الجريمة في مهدها، فهل يمكن للجهد الأمني أن يستبق نيات الغدر قبل أن تتحول إلى مذابح يندى لها الجبين؟ إن ملاحقة المنقبين غير الشرعيين ليست مجرد ضبط لقضايا تهريب، بل هي حماية للنسيج المجتمعي من صراعات العصابات والمصالح الضيقة، فكيف يمكن تطوير الأدوات الرقابية في تلك المناطق الوعرة لضمان عدم تكرار مشهد "الذهابة" الذين يظنون أنفسهم فوق القانون؟ إن تضحياتكم في سبيل فرض النظام هي الركيزة التي يستند إليها الاستقرار، فهل ستشهد المرحلة المقبلة تكثيفاً للوجود الأمني الذكي الذي يجمع بين التكنولوجيا والخبرة الميدانية لإغلاق كافة الثغرات التي يتسلل منها العابثون؟ إن اليقين بأنكم بالمرصاد هو ما يردع الطامعين، فهل ستظل الصحراء كتاباً مفتوحاً أمام أعينكم لا يغيب عنه شاردة ولا واردة؟

وعلى تخوم الحدود وحيث تلتقي الأرض بالسماء في شموخ، نوجه التحية والرسالة إلى الجيش المصري، الدرع والسيف، وحارس المقدرات العليا الذي لا يغفل عن حماية تراب هذا الوطن وثرواته الدفينة، فهل يدرك المهربون والعابثون أن اقترابهم من ثروات مصر هو اقتراب من خطوط حمراء لا تقبل التفاوض؟ إن دور القوات المسلحة في تأمين النطاقات الجغرافية الواسعة يمثل صمام الأمان لمنع تحول مناطق الثروات إلى بؤر خارجة عن السيطرة، فكيف يمكن للتنسيق بين كافة القوى أن يخلق سياجاً منيعاً يحمي الذهب المصري من النهب المنظم؟ إن القوة التي تحمي الحدود هي ذاتها التي تضمن أن تظل خيرات الأرض ملكاً للشعب، فهل ستظل عقيدتكم الراسخة في حماية السيادة هي الحائل دون وصول يد العبث إلى كنوز الجبال؟ إننا نرى في هيبتكم ضمانة للمستقبل، حيث لا مكان للميليشيات أو الجماعات المنفلتة التي تقتات على مقدرات الوطن.

وأخيراً، نضع المرآة أمام وجوه الكافة الذين يستحلون مقدرات هذا الشعب لمصالحهم الخاصة الضيقة، أولئك الذين أعمى الطمع بصائرهم فظنوا أن ثروات مصر هي مشاع لمن يسبق، دون أدنى اعتبار لحق الدولة أو حرمة الدماء، فبأي منطق تستحلون ما ليس لكم وتخاطرون بأمن البلاد من أجل حفنة من الجرامات؟ إن استنزاف موارد الدولة في الخفاء هو خيانة للأمانة الوطنية، وهدم لفرص التنمية التي يحتاجها ملايين المصريين، فهل تعتقدون أن جدران السرية ستحميكم للأبد من غضبة الوطن ومن عدالة القانون التي ستطال كل من تورط أو سهل أو استغل؟ إن المستقبل الذي نرسمه لا يتسع للسارقين والمنتفعين على حساب قوت الغلابة، فهل تدركون أن النهاية الحتمية لهذا المسار هي خلف القضبان أو في غياهب النسيان؟ إن مصر التي تستعيد عافيتها لن تسمح بأن يظل اقتصاد الظل ينخر في عظامها، فهل ستكون هذه الرسالة هي التحذير الأخير قبل أن تشرق شمس الحساب التي لا تغيب؟

إن ترابط هذه المشاهد وتداخل مصائر أبطالها يشكل لوحة فنية معقدة، حيث تنساب الرسائل بين الجاني والمجني عليه، وبين الحامي والمراقب، لتؤكد أن وحدة المصير هي الرابط الأقوى، فلا أمن بلا عدل، ولا ثروة بلا حماية، ولا مستقبل بلا حزم، فهل نستوعب الدرس قبل أن تطوى صفحة الحويطات وتفتح صفحة أخرى في كتاب التحدي المصري؟ إن الإجابات تكمن في رحم الأيام القادمة، حيث لا صوت يعلو فوق صوت الدولة.

إن أحداث الحويطات لم تكن مجرد جريمة جنائية عابرة، بل هي ناقوس خطر يستوجب استنفاراً وطنياً شاملاً لإعادة صياغة العلاقة بين الإنسان والثروة والقانون؛ حيث تبرز ضرورة بسط السيادة الكاملة على الموارد التعدينية، والضرب بيد من حديد على كل من تسول له نفسه استباحة المال العام أو الروح البشرية، مع التأكيد على أن حماية مقدرات مصر هي معركة وجودية تتطلب تلاحم القيادة والجيش والشرطة مع وعي شعبي يدرك أن الثروة القومية هي خط أحمر لا يقبل القسمة على المصالح الشخصية.