«الزيدى» يطيح بـ «المالكى»
ضربة أمريكية قاضية للنظام الإيرانى فى العراق
فى مشهد يعكس مدى تعقد الوضع السياسى العراقى على وقع حرب إقليمية وضغوط أمريكية غير مسبوقة، كلف الرئيس العراقى نزار آميدي، رجل الأعمال على فالح كاظم الزيدى، بتشكيل الحكومة الجديدة، فى خطوة أنهت أسابيع من الجمود السياسى وأطاحت بحليف إيران البارز، نورى المالكى.
وجاء تكليف الزيدى بعد انسحاب كل من رئيس الوزراء الحالى محمد شياع السودانى، والمرشح الأبرز نورى المالكى، من السباق، فى ظل ضغوط أمريكية حازمة وتهديدات بقطع المساعدات، وبموجب الدستور أمام الزيدى مهلة 30 يوماً لتقديم حكومته إلى البرلمان لنيل الثقة، فى مهمة توصف بالأصعب.
وفى تطور يعكس تحول موقف واشنطن من بغداد، أعلن المكتب الإعلامى لرئاسة الوزراء العراقية أن الرئيس الأمريكى دونالد ترامب أجرى اتصالا هاتفياً مع رئيس الوزراء المكلف على الزيدي، ووجه له خلالها دعوة رسمية لزيارة واشنطن بعد تشكيل الحكومة، وأشار البيان الإعلامى إلى أن ترامب هنأ الزيدى بتكليفه، متمنيا له النجاح فى تشكيل حكومة خالية من الإرهاب، وتقدم للعراق مستقبلاً أكثر إشراقا.
وبحسب البيان، ناقش الجانبان خلال الاتصال «العلاقات الثنائية الاستراتيجية بين العراق والولايات المتحدة، وسبل تطويرها وتعزيزها فى مختلف المجالات»، وأكد الطرفان أهمية العمل المشترك والتعاون الثنائى لترسيخ الاستقرار فى المنطقة.
وتشير هذه الدعوة إلى دلالات عديدة، إذ تأتى بعد أسابيع فقط من تهديدات ترامب العلنية للمرشح نورى المالكي، حيث كان الرئيس الأمريكى قد حذر من أن عودة المالكى ستؤدى إلى قطع الدعم الأمريكى عن العراق، وهذا التحول فى الخطاب يعكس الرهان الأمريكى على شخصية الزيدى كرجل أعمال «غير صدامي» ومقبول من مختلف الأطراف، فى وقت تسعى فيه واشنطن إلى إعادة رسم علاقاتها مع بغداد على أسس جديدة، وسط حرب إقليمية مشتعلة وضغوط متزايدة لكبح نفوذ طهران فى العراق.
كما قال «ترامب» من خلال منشور على منصة «تروث سوشيال»: نتطلع إلى علاقة جديدة قوية وحيوية ومنتجة للغاية بين العراق والولايات المتحدة، هذه بداية فصل جديد هائل بين أمتنا، وازدهار واستقرار ونجاح لم نشهد له مثيلاً من قبل.
وعلى جانب آخر، كشف تحقيق لصحيفة «نيويورك تايمز» أن مصرف الزيدى «الجنوب الإسلامي» يخضع لعقوبات أمريكية، إذ تم منعه من التعامل بالدولار الأمريكى منذ عام 2024 بتهم غسيل الأموال، لاسيما لحساب إيران والميليشيات العراقية القوية المتحالفة مع الحكومة الإيرانية.
ووفق محللين فإن الانسحاب غير المتوقع لنورى المالكى جاء بعد معارضة أمريكية «حازمة»، فخلال شهر يناير الماضى هدد الرئيس الأمريكى دونالد ترامب علناً بسحب الدعم الأمريكى للعراق إذا عاد المالكي، وأشارت العديد من التحليلات للوضع السياسى العراقى إلى أن المالكى الذى يتهمه الغرب بالتقارب المفرط مع طهران، كان مصدر إحراج للإطار التنسيقى فى ظل الحرب الدائرة مع إيران .
وعلى الرغم من أن المالكى أعلن فى البداية أنه «ليس لديه أى نية للانسحاب احتراماً لسيادة العراق»، إلا أن التصعيد الإقليمى والضغط المالى المتمثل بتعليق شحنات الدولار جعلا ترشيحه عبئاً سياسياً، واصفاً انسحابه لاحقاً بأنه موقف تاريخى مسئول.
وأشار المحللون إلى أنه لا يمكن فهم الهدف من وراء تكليف الزيدى بمعزل عن الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران التى اندلعت فى نهاية شهر فبراير الماضى. كما أكدوا على أن القادة العراقيين «قلصوا محادثاتهم» طوال فترة الحرب، ولم يستأنفوها إلا بعد وقف إطلاق النار فى 8 أبريل الماضى.
وأوضحوا أن من تبعات هذه الحرب أنها أوقعت العراق فى مأزق حقيقى فمن جهة، استهدفت الفصائل الموالية لإيران المصالح الأمريكية، مما أدى إلى قصف أمريكى لتلك الفصائل؛ ومن جهة أخرى، عطل إغلاق مضيق هرمز الصادرات النفطية العراقية، لذا يعد اختيار شخصية كـ«الزيدي» غير صدامية وغير محسوبة تماماً على أى من المحورين خياراً عملياً لتجاوز الانسداد.
ولكن فى وسط حالة عدم الاستقرار التى تعنى منها العراق منذ سنوات تواجه الزيدى الملقب بـ«مرشح اللحظة الحرجة»، العديد من التحديات أبرزها السلاح المنفلت، فعليه أن يقوم بنزع سلاح الجماعات المسلحة المدعومة من إيران، وهو الشرط الأمريكى الأساسى لاستمرار الدعم، إضافة إلى مواجهة العقوبات المالية، والمتمثلة فى معاقبة مصرف «الجنوب الإسلامى» المملوك له، وتعليق واشنطن شحنات الدولار التى تشل الاقتصاد العراقي، وذلك بخلاف الأزمة الاقتصادية التى تعانى منها العراق على مدار سنوات طويلة كما أسهمت انقطاع الإيرادات النفطية بسبب الحرب وتهديدات مضيق هرمز إلى تفاقم الأزمة، مما يهدد دفع رواتب الملايين من الموظفين، كما عليه تحسين العلاقات الإقليمية وإعادة بناء الثقة مع دول الخليج وإدارة التوازن بين واشنطن وطهران.
وأخيراً مع بدء العد التنازلى لـ30 يوما، يواجه على الزيدى اختبارا حقيقيا، هل ينجح رجل الأعمال غير المختبر سياسياً فى قيادة دولة ممزقة بين إرادات المحاور الإقليمية، إضافة إلى أنه سيكون أول رئيس حكومة عراقى يزور البيت الأبيض منذ سنوات، فى مؤشر على انفراجة محتملة فى العلاقات المتوترة بين البلدين أم أن «مرحلة الزيدي» ستتحول إلى مجرد حلقة أخرى فى أزمة العراق السياسية الممتدة؟
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض