تسمح بالتصالح فى قضايا القتل العمد:
لغز المادة 22
تفتح الباب أمام محاولات شراء «الدم» وتهدر حق المجتمع فى القصاص العادل
خبيرة قانونية: الأموال قد تُغرى بعض أسر الضحايا.. والضغوط تدفع البعض للثأر
أستاذ بمركز البحوث الجنائية: التصالح يُضعف الردع
علماء الدين: الدية حق لكنها لا تمنع تحقيق العدالة
استشارى نفسى: تخفيف العقوبة يهدد الشعور بالأمان فى المجتمع
لم يعد الحكم فى جرائم القتل العمد قائمًا فقط على ما تقره المحكمة، بل أصبح فى بعض الحالات مرهونًا بموقف أسرة الضحية، فمع استحداث المادة (22) من قانون الإجراءات الجنائية، دخلت العدالة الجنائية فى مصر مرحلة جديدة، تتيح التصالح فى جرائم الدم مقابل تخفيف العقوبة، فى خطوة أثارت انقسامًا حادًا بين من يراها وسيلة لإنهاء النزاعات، ومن يحذر من تداعياتها على الأمن المجتمعى.
وبين منطق «الصلح خير» ومخاوف تسعير الدم، يطرح هذا التعديل أسئلة معقدة حول حدود العدالة، ودور الدولة، ومصير الردع فى جرائم تُعد الأخطر على الإطلاق ومدى أثرها على المجتمع ومعدلات الجرائم. فهذا الأمر لا يمس فقط الإجراءات القانونية، بل يعيد طرح تساؤلات جوهرية حول آلية العقاب ذاتها هل الهدف هو القصاص والردع، أم الإصلاح واحتواء النزاعات؟ وهل يمكن تحقيق التوازن بين حق المجتمع فى العقاب وحق الأسرة فى العفو؟
كما يثير التعديل جدلًا حول مدى قدرة الدولة على ضمان عدم استغلال هذا النص فى الضغط على أسر الضحايا، خاصة فى ظل تفاوت النفوذ والقدرة الاقتصادية بين أطراف النزاع.
وفى ظل هذا الجدل، يبقى السؤال الأهم: هل يسهم هذا التوجه فى تحقيق السلم المجتمعى، أم يفتح الباب أمام واقع جديد تصبح فيه جرائم القتل قابلة للتفاوض؟
المادة 22
فى البداية أوضحت الدكتورة إلهام المهدى، المحامية، أن القانون رقم 174 لسنة 2025 استحدث نظامًا يسمح بالتصالح فى عدد من جرائم الدم، تشمل القتل العمد بكافة صوره، سواء مع سبق الإصرار أو الترصد أو باستخدام السم، بالإضافة إلى القتل المقترن بجناية أخرى مثل السرقة، وكذلك جرائم الضرب المفضى إلى الموت، وحالات الاشتراك فى القتل التى قد تصل عقوبتها إلى الإعدام.
وتضيف أن التصالح يحق لورثة المجنى عليه أو من ينوب عنهم قانونًا، ويمكن إبرامه فى أى مرحلة من مراحل الدعوى، حتى بعد صدور الحكم، بشرط إثباته رسميًا أمام المحكمة.
وأكدت «المهدى» أن القانون يُلزم المحكمة بتخفيف العقوبة درجة أو درجتين وفقًا للمادة 17 من قانون العقوبات، وهو ما قد يؤدى إلى النزول بالعقوبة من الإعدام إلى السجن المؤبد أو المشدد، أو من المؤبد إلى السجن، بل وقد تصل فى بعض الحالات إلى الحبس.
سلطة القاضى.. من التقدير إلى الإلزام
وترى الخبيرة القانونية أن أخطر ما فى النص هو تحويل تخفيف العقوبة من سلطة تقديرية للقاضى إلى التزام قانونى بمجرد تحقق الصلح، ما يعنى أن مصير الجانى لم يعد بيد المحكمة وحدها، بل أصبح مرتبطًا بموقف ورثة المجنى عليه.
وحذرت من أن هذا التحول قد يفتح الباب أمام تأثيرات غير قانونية على قرار الصلح، سواء كانت مادية أو اجتماعية، فى ظل غياب ضمانات كافية للتأكد من أن إرادة أولياء الدم جاءت حرة بالكامل.
وأشارت إلى أن النص قد يخلق انطباعًا خطيرًا لدى المواطنين بأن العدالة يمكن شراؤها، خاصة مع تفاوت القدرات المالية بين المتهمين، ففى حين قد يتمكن متهم ميسور الحال من دفع مبالغ كبيرة لإتمام الصلح، قد يظل آخر غير قادر على ذلك، وهو ما يهدد مبدأ المساواة أمام القانون.
كما تحذر من أن هذا الوضع قد يدفع بعض الأسر، تحت ضغط الحاجة أو الإغراء المالى، إلى التنازل عن حق القصاص، رغم عدم اقتناعها بالصلح، وهو ما قد يخلق شعورًا بالظلم ويدفع إلى الانتقام خارج إطار القانون.
وأوضحت أنه على عكس الهدف المعلن بتقليل النزاعات، أن التطبيق غير المنضبط للمادة قد يؤدى إلى نتائج عكسية، إذ قد يلجأ بعض أهالى الضحايا إلى أخذ حقهم بأيديهم، إذا شعروا أن الجانى أفلت من العقوبة الرادعة. مشيرة إلى أن غياب الردع الكافى قد يشجع على تكرار الجرائم، خاصة إذا أصبح الصلح جزءًا من حسابات الجريمة لدى بعض الجناة.
ثغرات خطيرة
وأشارت «المهدى» إلى أنه من أخطر التداعيات المحتملة هو استغلال الأطفال فى ارتكاب الجرائم، مستفيدين من الحماية القانونية التى يوفرها قانون الطفل، ما قد يؤدى إلى تخفيف العقوبات بشكل كبير.
كما حذرت من إمكانية التلاعب بحقوق الورثة القُصّر، أو ممارسة ضغوط على أسر الضحايا، سواء من خلال التهديد أو النفوذ الاجتماعى، لإجبارهم على قبول الصلح، فى ظل غياب آليات تَحقق فعالة من سلامة الإرادة.
وأوضحت الخبيرة القانونية أنه لابد من إعادة النظر فى المادة 22، من خلال: قصر التصالح على الحالات غير المقترنة بسبق الإصرار والترصد، ووضع حد أدنى للعقوبة لا يمكن النزول عنه، مع جعل تطبيق أثر الصلح جوازيًا للقاضى، وإخضاع إجراءات الصلح لرقابة النيابة العامة.
الدكتورة هند فؤاد، أستاذ علم الاجتماع المساعد بالمركز القومى للبحوث الاجتماعية والجنائية" width="1057" height="1280">بين العدالة والردع
والتقطت أطراف الحديث الدكتورة هند فؤاد، أستاذ علم الاجتماع المساعد بالمركز القومى للبحوث الاجتماعية والجنائية، مشيرة إلى أن استحداث المادة (22) من قانون الإجراءات الجنائية يمثل تحولًا تشريعيًا لافتًا، حيث أتاح المشرّع المصرى لأول مرة إمكانية التصالح فى بعض جرائم القتل، وهو ما أثار جدلًا واسعًا بين القانونيين وعلماء الاجتماع، نظرًا لما يحمله من تأثيرات عميقة على منظومة العدالة الجنائية وشعور المواطنين بالأمان.
وأوضحت أن المادة تنص على جواز تصالح ورثة المجنى عليه مع المتهم فى جرائم القتل العمد والضرب المفضى إلى الموت، فى أى مرحلة من مراحل الدعوى، حتى بعد صدور حكم نهائى، على أن يترتب على هذا التصالح التزام المحكمة بتخفيف العقوبة وفقًا للمادة 17 من قانون العقوبات.
وأضافت أن هذا التعديل يعكس توجهًا نحو ما يُعرف بـ«العدالة التصالحية» التى تهدف إلى إصلاح العلاقات الاجتماعية بين أطراف النزاع، بدلًا من الاقتصار على العقوبة. وأشارت إلى أن هذا المفهوم ليس غريبًا على المجتمع المصرى، خاصة فى البيئات الريفية التى اعتادت على جلسات الصلح العرفية لإنهاء النزاعات والحد من دوائر الثأر.
ويرى مؤيدو هذا الاتجاه أن إتاحة التصالح قد تسهم فى تقليل النزاعات الممتدة، من خلال توفير مسار قانونى لإنهائها بشكل سلمى، بما يساهم فى وقف «سلسلة الدم» وتحقيق قدر من الاستقرار المجتمعى، خاصة فى المناطق التى تشهد خصومات عائلية طويلة الأمد.
فى المقابل، حذرت من أن هذا التوجه قد يثير مخاوف حقيقية تتعلق بتراجع قوة الردع، حيث إن تخفيف العقوبة فى جرائم جسيمة مثل القتل قد يُفسر لدى البعض باعتباره نوعًا من الإفلات النسبى من العقاب، خاصة إذا ارتبط التصالح بعوامل مادية أو ضغوط اجتماعية تمارَس على أسر الضحايا.
وأشارت إلى أن التصالح، رغم أهميته، لا يؤدى إلى إنهاء الدعوى الجنائية، بل يترتب عليه فقط تخفيف العقوبة، وهو ما يعكس محاولة من المشرّع لتحقيق توازن بين العدالة والمرونة.
ومع ذلك، يظل التساؤل قائمًا حول مدى كفاية هذا التخفيف لتحقيق العدالة فى جرائم تمس الحق فى الحياة. مؤكدة أن الشعور بالأمان المجتمعى لا يعتمد فقط على وجود قوانين، بل على مدى ثقة المواطنين فى عدالتها وصرامتها. وهنا ينقسم الرأى العام بين من يرى أن التصالح يحد من الانتقام ويعزز الاستقرار، ومن يخشى أن يؤدى إلى القلق إذا اعتُبر أن العقوبة أصبحت قابلة للتفاوض.
وأضافت أن المادة تعيد طرح تساؤل جوهرى حول من يملك حق القصاص هل هو المجتمع ممثلًا فى الدولة، أم أسرة الضحية باعتباره حقًا شخصيًا يمكن التنازل عنه؟ مشيرة إلى أن النص يميل إلى منح دور أكبر للأسرة، فى إطار نوع من التشاركية بين القانون الرسمى والأعراف الاجتماعية.
واختتمت الدكتورة «هند» حديثها بأن نجاح هذا التوجه مرهون بكيفية تطبيقه، وبتوافر ضمانات حقيقية تمنع استغلاله، خاصة فى ظل التفاوت الاقتصادى والاجتماعى بين أطراف النزاع، مؤكدة أن القانون فى النهاية يعكس قيم المجتمع، وأن المادة 22 تضع المجتمع المصرى أمام اختبار حقيقى بين تحقيق السلام الاجتماعى أو المساس بالإحساس بالعدالة.
الشيخ على المطيعى " width="720" height="618">القصاص بين العدل والتسامح
من الناحية الدينية يؤكد الشيخ على المطيعى أن الشريعة الإسلامية شددت على حرمة القتل العمد، موضحًا أن هذه الجريمة يترتب عليها ثلاثة حقوق: حق الله، وحق أولياء الدم، وحق المقتول.
ويشير إلى أن أولياء الدم يملكون شرعًا العفو أو طلب القصاص أو قبول الدية، لافتًا إلى أن الدية ليست أمرًا بسيطًا، إذ تُقدر بما يعادل 100 من الإبل، وهو ما يوازى ملايين الجنيهات فى الوقت الحالى.
الدكتور أحمد كريمة أستاذ الفقه المقارن بجامعة الأزهر " width="958" height="665">ومن جانبه، يرى الدكتور أحمد كريمة أستاذ الفقه المقارن بجامعة الأزهر أن إتاحة العفو أو الدية أمر جائز شرعًا، إذ يمكن لولى الدم النزول عن القصاص أو التنازل عنه بالدية أو بالعفو دون مقابل مادى، لكن ذلك لا يلغى ضرورة تحقيق العدالة.
الدكتورة نادية جمال، استشارى الصحة النفسية" width="576" height="519">خوف وغياب للردع
نفسيا، تحذر الدكتورة نادية جمال، استشارى الصحة النفسية، من أن النص قد يخلق شعورًا عامًا بالخوف، إذا اعتقد المواطن أن القاتل يمكنه الإفلات من العقوبة المشددة مقابل المال. موضحة أن غياب الردع الحاسم قد يشجع بعض الأفراد على ارتكاب الجرائم، وهم مطمئنون لوجود مخرج قانونى.
كما تشير إلى أن أسر الضحايا قد تتعرض لضغوط نفسية واجتماعية كبيرة لقبول الصلح، ما قد يترك آثارًا نفسية طويلة الأمد، ويُضعف ثقتهم فى العدالة.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض