الجميلي أحمد يكتب: جيهان زكي والرهان على استعادة الروح الثقافية
هناك فارق بين من يمر على المؤسسات الثقافية مرور العابر ومن يصغي لنبضها كمن يصغي لقلبه… وفي لقاء اليوم مع الدكتورة جيهان زكي بدا هذا الفارق واضحًا إلى حدٍ يبدد أي التباس.
لم يكن اللقاء مناسبة بروتوكولية بقدر ما كان جلسة مكاشفة تُطرح فيها الأسئلة دون حذر وتُستدعى فيها هموم المثقفين لا بوصفها شكاوى عابرة بل باعتبارها مادة العمل الأولى. ومنذ اللحظة الأولى بدا أن الوزيرة لا تتعامل مع موقعها بوصفه سلطة بل كتكليف تحمله من داخلها قبل أن تفرضه عليها مسؤوليات المنصب.
ما يلفت في شخصية جيهان زكي أنها لا تنفصل عن الثقافة وهي تديرها. ليست قادمة من خارج الحقل لتعيد ترتيبه بل ابنة له تشكلت ملامحها داخله: أستاذة جامعية تعرف معنى المعرفة حين تتحول إلى وعي وكاتبة تدرك أن الكلمة ليست ترفًا ودبلوماسية عرفت كيف تمثل الثقافة وجهًا للدولة لا يقل أهمية عن السياسة. هذه الخلفية المركبة لا تظهر في السيرة الذاتية فقط بل تتجسد في طريقة حديثها في انتقائها للأولويات وفي حسها الواضح بأن الثقافة ليست نشاطًا موسميًا بل بنية تحتاج إلى إعادة إنعاش مستمرة.
في حديثها لا تتكلم عن “المشروعات” بقدر ما تتكلم عن “الدوائر” التي يجب أن تعود للحياة. هناك إصرار على أن الخريطة الثقافية لمصر لا ينبغي أن تُختزل في العاصمة بل تمتد وتتنفس من مطروح إلى أسوان حيث لكل مدينة حكايتها ولكل هامش حقه في أن يصبح مركزًا. هذا التصور لم يكن مجرد شعار بل بدا كخطة ذهنية حاضرة في تفاصيل النقاش وكأنها ترى الجغرافيا الثقافية أمامها لا على الورق بل في الواقع.
الأهم من ذلك أن طريقة تعاملها في الحضور كشفت عن شيء أعمق: هي لا تصغي من موقع المسؤول الذي ينتظر أن يُقال له ما يريد سماعه بل من موقع المثقف الذي يبحث عمّا ينقص المشهد ليكمله. تتعامل انطلاقًا من همّ ثقافي حقيقي لا من حسابات إدارية باردة. وحين تتحدث، تشعر أن ما تقوله ليس صياغة جاهزة بل امتداد لما تفكر فيه بالفعل، ليلًا ونهارًا، كما لو أن الثقافة لديها ليست وظيفة تُؤدى، بل قلق دائم لا يهدأ.
وحيث اصبحنا في زمن تتراجع فيه الأسئلة الكبرى لصالح التفاصيل اليومية يصبح من النادر أن تجد مسؤولًا يتحدث عن الثقافة بهذا القدر من الانشغال الصادق. ربما لهذا بدا اللقاء مختلفًا لأنه لم يكن مجرد لقاء مع وزيرة بل مع إنسانة ما زالت ترى في الثقافة مشروع حياة
لا بندًا في جدول أعمال.
هكذا خرجت من اللقاء وأنا أكثر يقينًا بأن المعركة الحقيقية ليست في نقص الإمكانات فقط بل في غياب الإيمان. وحين يتوفر هذا الإيمان كما بدا في تجربة جيهان زكي، يصبح من الممكن أن تعود الثقافة إلى موقعها الطبيعي قوة ناعمة وضمير حي ومساحة مفتوحة لكل من يبحث عن معنى

تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض