الجامعة العربية تفضح «الخط الأصفر»
ﻣﺨﻄﻂ إﺳﺮاﺋﻴﻠﻰ ﻟﻨﺴﻒ »ﺧﻄﺔ ﺗﺮاﻣﺐ«
فى واحد من أكثر خطاباته حدة ووضوحًا، وضع الأمين العام لجامعة الدول العربية، أحمد أبوالغيط، المجتمع الدولى أمام مرآة مسئولياته التاريخية، مقدمًا تشريحًا دقيقًا لما وصفه بـ«عقيدة الصراع المستمر» التى تنتهجها الحكومة الإسرائيلية الحالية. الخطاب الذى ألقاه أمام مجلس الأمن فى أمس الأول، لم يكن مجرد استعراض للأزمات، بل كان بلاغًا سياسيًا يحذر من تحويل حل الدولتين إلى «أطلال» بفعل سياسات الأمر الواقع.
خلف النبرة الهادئة للأمين العام، ثمة غضب عربى من استنزاف الوقت. جاء «أبوالغيط» إلى نيويورك ليقول إن «الوهم» هو العنوان الأبرز للمرحلة؛ وهم القوة التى تحقق الأمن، ووهم الاتفاقات التى تفرغ من مضمونها.
فى خطاب تجاوز المألوف، ربطت الجامعة العربية بين توسع الاستيطان فى الضفة، والدمار فى غزة، والتحرش بالسيادة الصومالية، لترسم صورة «توسعية» للحكومة الإسرائيلية لا تقف عند حدود.
وجاءت فى خطاب «أبوالغيط» نقطة بالغة الخطورة، وهى تعامل إسرائيل مع غزة عبر ما أسماه أبوالغيط بـ«الخط الأصفر». هذا المصطلح ليس مجرد تقسيم فنى، بل هو إعلان عن واقع احتلالى جديد يلتهم نصف مساحة القطاع، ويجعل من الانسحاب الإسرائيلى الكامل «حبرًا على ورق». المثير للاهتمام هو الإشارة الصريحة إلى أن إسرائيل «تنتقي» من خطة الرئيس ترامب (أكتوبر 2025) ما يخدم أمنها فقط، بينما تضرب بعرض الحائط بنود «التعافى المبكر» وإعادة الإعمار، تاركة أكثر من مليونى فلسطينى فى الخيام بلا أفق.
لم يغفل الخطاب الجانب العملياتى فى تصفية القضية؛ حيث أشار بقوة إلى «الحرب المالية» ضد السلطة الفلسطينية عبر احتجاز أموال المقاصة منذ مايو الماضى، توازيًا مع القوانين الباطلة ضد «الأونروا». وبهذا يشير ضمنيا إلى أن الهدف الإسرائيلى ليس «حماس» فحسب، بل تجفيف منابع الحياة المؤسساتية الفلسطينية لدفعها نحو الانهيار الشامل.
فى الخطاب كانت الإشارة الصريحة للعبث الإسرائيلى فى القرن الإفريقى والمس بوحدة الصومال عبر دعم «الأقاليم المارقة». هذه الإشارة تعكس وعيًا عربيًا جديدًا بأن التهديد الإسرائيلى لم يعد محصورًا فى فلسطين ولبنان وسوريا، بل امتد لتهديد «الأمن القومى العربى الشامل» فى مناطق نفوذ حيوية.
ورغم ترحيب الجامعة بوقف إطلاق النار فى لبنان (16 أبريل)، إلا أن «أبوالغيط» وضع شرطًا جوهريًا للسلام: «سيطرة المؤسسات الشرعية على قرار الحرب والسلام». هى رسالة مزدوجة تدعم الحكومة اللبنانية وفى ذات الوقت تطالب بانسحاب إسرائيلى كامل لضمان عودة النازحين إلى قرى دمرها الاحتلال لجعلها «غير صالحة للحياة».
واستند «أبوالغيط» فى خطابه إلى معادلة فلسفية سياسية؛ الأمن لا يوفره السلاح بل السلام القائم على العدل. التحليل الختامى للخطاب يظهر أن «الأمل» الذى يتمسك به العرب بات «بأهداب» رفيعة، فى ظل غياب الرؤية لدى القادة الإسرائيليين الذين غرقوا فى دوامة العنف.
بين ثنايا الكلمات، كان الخطاب يقول لمجلس الأمن: «لقد نفد الوقت، وبيانات المناشدة لم تعد تجدى نفعًا أمام جرافات الاستيطان وطائرات الإبادة».
جاءت الرسالة المبطنة فى خطاب «أبوالغيط» لتؤكد أن «الالتفاف على حل الدولتين عبر خلق واقع مادى جديد لن يمر مرور الكرام»، وأن التوسع فى غزة والضفة سيؤدى لـ «انفجار إقليمي» لا تستطيع إسرائيل احتواء.
يعد هذا الخطاب من أوضح الاعترافات العربية الرسمية بالتعاطى مع «خطة العشرين نقطة» التى طرحها الرئيس الأمريكى دونالد ترامب فى أكتوبر 2025. وهو يشير أن الجامعة العربية لم ترفض الخطة كليًا، بل طالبت بتنفيذ شقها المتعلق بـ «الانسحاب الكامل» و«إعادة الإعمار»، محذرة من أن إسرائيل تأخذ من الخطة ما يناسبها (نزع السلاح) وتتجاهل ما يلزمها (الانسحاب). بينما كانت الخطابات السابقة تكتفى بذكر «مبادرة السلام العربية (2002)»، ويستند هذا الخطاب إلى قرار مجلس الأمن 2803 لعام 2025.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض