بعد زيادته إلى 8 آلاف جنيه:
30 مليون عامل محرومون من «جنة» الأدنى للأجور
85% من قوة العمل يواجهون جنون الأسعار بمفردهم
العاملون فى «وش المدفع».. والرقابة الحكومية على الشركات صفر
خبراء: الغلاء لا يرحم أحدًا.. والطبقة الوسطى تقترب بشدة من الفقر
34.7 مليون حجم قوة العمل فى مصر.. والقطاع الحكومى 4.5 مليون فقط منها
مع كل زيادة تقرها الحكومة فى الحد الأدنى للأجور للقطاع العام، تشتعل الأسعار، وكأن التجار ينتظرون هذا الإعلان ليرفعوا الأسعار حتى قبل التطبيق، وفى الوقت نفسه يبدأ ملايين المواطنين من العاملين فى القطاع الخاص والعمالة غير المنتظمة فى التساؤل عن مكانهم من هذا الحد الأدنى، وعن كيفية مواجهة هذه ارتفاعات المتتالية فى الأسعار برواتب هزيلة لا تسمن من جوع، ليظل السؤال الأهم هو: من يستفيد من الحد الأدنى للأجور على وجه الدقة؟
الأرقام تشير إلى أن عدد العاملين فى القطاع الحكومى يصل إلى 4.5 مليون تقريبًا، بينما تشير بيانات الجهاز المركزى للتعبئة العامة والإحصاء أن حجم قوة العمل فى مصر سجل 34.7 مليون فرد بنهاية سبتمبر 2025، أى أن عدد العاملين فى الدولة لا يتجاوز 13% من حجم العاملين فى مصر كلها، ما يعنى أن الحكومة ترفع مرتبات 13% فقط فى كل مرة، بينما تترك أكثر من 85% من العاملين يواجهون مصيرهم المحتوم مع الأسعار بمفردهم.
هذا المصير يواجهه كثير من العاملين، لأن نسبة ليست بالقليلة من شركات القطاع الخاص لا تلتزم بتطبيق الحد الأدنى للأجور وزياداته، وتتحايل على تطبيق القرار بأساليب قانونية معروفة للجميع، ولا تتم مراقبتها أو محاسبتها من الجهات المسئولة بالشكل الصارم الذى يمنعها من تكرار هذا الأمر فى كل زيادة تقررها الدولة.
ومؤخرًا قررت الحكومة زيادة الحد الأدنى للأجور بقيمة 1000 جنيه ليصل إلى 8000 جنيه اعتبارًا من يوليو المقبل، بينما على الجانب الآخر لم ترفع نسبة كبيرة من شركات القطاع الخاص مرتبات العاملين بها حتى الآن.
الخبراء أكدوا أن الحكومة لا تستطيع زيادة مرتبات جميع العاملين فى الدولة بسبب ضعف الموارد المالية، لكنها يجب عليها فى الوقت نفسه تشديد الرقابة على شركات القطاع الخاص للتأكد من التزامها بتطبيق الحد الأدنى، مشيرين إلى أن هذه الشركات تتحايل وتلتف على القرارات ولا ترفع مرتبات العاملين بها.

وهذا ما أكده الدكتور صلاح فهمى، أستاذ الاقتصاد بجامعة الأزهر، قائلًا: إنه لا بد من التأكيد أن الحكومة لا تستطيع زيادة رواتب كل العاملين فى الدولة، سواء القطاع العام أو الخاص، لأن الموارد لا تكفى لذلك، وبالتالى تكون لديها أولويات تتمثل فى البحث عن الطبقة الأقل دخلًا وأكثر معاناة وتكاليف المعيشة عليها أعلى من غيرها وتقوم برفع مرتباتها.
وأضاف فهمى، «أما الطبقات الأعلى فتستطيع التكيف مع الظروف، لكن للأسف هذه الطبقات حاليًا أصبحت تعانى هى الأخرى، والطبقة المتوسطة اقتربت بشدة من الطبقات الفقيرة، والجميع اكتوى بنيران الأسعار التى ارتفعت مؤخرًا وخلال السنوات الماضية».
وأوضح أستاذ الاقتصاد بجامعة الأزهر أن اقتراب أصحاب الطبقة المتوسطة ونسبة ليست بالقليلة منهم يعملون فى القطاع الخاص ستكون له تأثيرات اقتصادية على الدولة والاقتصاد أبعد من مسألة الحد الأدنى للأجور، فأبناء هذه الطبقة كانوا يملكون مدخرات يتم استثمارها فى أوعية ادخارية بالبنوك أو أى مجال آخر، لكن الآن وبعد ارتفاعات الأسعار المستمر يتجه هؤلاء إلى السحب من مدخراتهم تدريجيًا حتى تنتهى، ما يؤثر فى النهاية على دوران عجلة الاستثمار فى الدولة، وبالتالى لا بد أن تتحرك الدولة ليكون هناك نوع من العدالة الاجتماعية النسبية داخل المجتمع.
وأشار فهمى إلى أن الدولة تحاول الوقوف بجانب الغلابة والفقراء، لكن يجب أيضًا أن تنظر بعين الرحمة والعدل إلى الطبقة المتوسطة التى اقتربت من الهبوط إلى الطبقة الفقيرة، ويجب عليها إلزام القطاع الخاص بتطبيق الحد الأدنى بقوة السيادة والسلطان من الدولة، لأن العديد من الشركات تتحايل على تطبيق هذا القرار باعتبار البدلات ضمن المرتب وبالتالى مع كل زيادة للحد الأدنى للأجور تصبح أوراق هذه الشركات الرسمية الخاصة بالرواتب صحيحة وتطبق الحد الأدنى، بينما على أرض الواقع والحقيقة أنها لا تطبقه.
وأكد أستاذ الاقتصاد بجامعة الأزهر أن هذا الأمر ناتج عن ضعف الرقابة الحكومية على هذه الشركات وعدم اكتشاف هذا التحايل والتلاعب، ولذلك فالدولة يمكنها حماية العامل برقابتها على الشركات، لكنها لن تستطيع حمايته من السوق عندما يشترى أى سلعة أو يتنقل داخل المواصلات، لأن صاحب السلعة أو وسيلة النقل لن يرحمه.
وحول إمكانية زيادة الدعم المقدم لهذه الفئات، قال فهمى إن الدولة لن تستطيع القيام بذلك لأنها تسير فى خطط إلغاء الدعم العينى واستبداله بالنقدى، وبالتالى خطوة زيادة الدعم المقدم لهم مستبعدة.
واختتم فهمى حديثه بقوله، «لا بد أن تفكر الدولة خارج الصندوق بكيفية التعامل مع الاقتصاد فى حالة الصدمات المتوقعة وغير المتوقعة، وأن تنظر إلى المواطنين بكل طبقاتهم لأن هناك نوعًا من الضغط على الجميع وليس الطبقة الفقيرة فقط».

مشاكل الحد الأدنى
فيما قال الدكتور عادل عامر، الخبير الاقتصادى ورئيس مركز المصريين للدراسات الاقتصادية والسياسية والقانونية، إن الحد الأدنى فى مصر بشكل عام يعانى من مشاكل وفى القطاع الحكومى نفسه يعانى من تشوهات عديدة.
وأضاف عامر أنه عندما تقوم الدولة بزيادة الحد الأدنى فإنها تقوم بزيادة صغار الموظفين عند بداية تعيينهم دون مراعاة لترتيب الأقدمية فى الدرجات الوظيفية للموظفين القدامى، وبالتالى أغلبية الموظفين الذين يتم تعيينهم الآن أصبحوا متساوين مع الموظف الذى قضى سنوات طويلة فى الخدمة، ما يؤدى إلى نوع من عدم العدالة الاجتماعية فى النهاية.
وتابع، «أما القطاع الخاص فإنه يتم التعامل معه من خلال المجلس القومى للأجور المعنى بإقرار زيادات الحد الأدنى أو العلاوات الدورية، لكنه يترك التطبيق للشركات، والتى تتحايل هى الأخرى على تطبيق الحد الأدنى بشكل قانونى، من خلال إدخال بعض المسميات على الأجر مثل مصطلح متوسط الأجر الذى يحصل عليه العامل طوال العام، ويتم حسابه على الراتب الشامل قبل الخصم، وبالتالى إذا سألت أى موظف قطاع خاص هل حصلت على الحد الأدنى أم لا، ستكون الإجابة قطعًا بالنفي».
وأوضح رئيس مركز المصريين للدراسات الاقتصادية والسياسية والقانونية، أن عدم تطبيق الحد الأدنى فى القطاع الخاص بمصر يرجع إلى أسباب عملية واقتصادية وقانونية، ناتجة عن ضعف الرقابة والتفتيش من جانب وزارة العمل على هذه الشركات فيما يخص تطبيق الحد الأدنى، وصعوبة ضبط المخالفات، خاصة مع التفاف بعض أصحاب الأعمال على القانون باحتساب كل المميزات العينية ضمن الحد الأدنى، والتحايل على شكل الأجر من خلال وضع أجر أساسى منخفض والباقى حوافز وبدلات غير ثابتة، وبالتالى شكليًا هناك التزام بتطبيق الحد الأدنى لكن فعليًا العامل لا يحصل عليه.
وأشار عامر إلى أن تطبيق الحد الأدنى على العمالة اليومية فى الاقتصاد غير الرسمى أمر شبه مستحيل، لأن هذه العمالة غير مؤمن عليها، مع ضعف قدرة الشركات الخاصة وانخفاض أرباحها، وبالتالى لا تطبق الحد الأدنى، فضلًا عن أن منح الحكومة مهلة أو استثناءات مؤقتة للشركات لتطبيق الحد الأدنى يفتح الباب لعدم التطبيق الفورى للقرار.
وطالب عامر الحكومة بزيادة حملات التفتيش لكى تتم تغطية كل الشركات للتأكد من تطبيقها للحد الأدنى، مشيرًا إلى أن العاملين فى القطاع الخاص والعمالة غير المنتظمة بعيدين عن مظلة الدولة، كما أن الحكومة ليست قادرة على اتخاذ إجراءات لدعم هذه الفئات فى ظل الظروف الاقتصادية الحالية وضعف الموارد، خاصة أنها مرتبطة بالموازنة العامة للدولة والتى تعانى من عجز حاليًا، وبالتالى ستستمر معاناة هذه الفئات مع ارتفاعات الأسعار.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض