رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

المبالغة في تناول قضايا محاولات اغتيال ترامب لا ترفع من قيمته السياسية، بل تكشف حجم الإلهاء الذي يُمارس على الشعوب عبر أخبار سطحية ومثيرة، في مقابل التعتيم على التحولات السياسية والجغرافية والاقتصادية المرتبطة مباشرة بمصيرهم وحاضرهم ومستقبلهم.
ما يجري ليس عفويًا، بل هو نهج سياسي ممنهج، يقوم على توجيه الوعي نحو الهامش والقضايا الهامشيه وإبعاده عن جوهر الأحداث.

والإعلام العربي، للأسف، محترف في هذا الدور إلى حد بعيد.حيث يقوم بالتركيز على القضايا الهامشية ويصرف الموارد عن القضايا الرئيسية التي من شأنها أن تُحقق نتائج أكثر تأثيرًا. كما يكرس كثير من الوقت للانشغال بتفاصيل صغيرة مما يعيق الابتكار بنفس الطريقة، حيث غالبًا ما تُخصص القنوات الاعلامية الكثير من  الوقت والمال والجهد لحل مشاكل ثانوية بدلاً من مناقشة أفكار رائدة تُحفز التقدم

أن تعطيل العقل الإنساني ليس هو مرض يصاب به الإنسان و يؤدي إلي العجز في التفكير الصحيح، أنما هناك عدة أسباب تؤثر بشكل مباشر في تعطل العقل، و لا تجعله يفكر بصورة سليمة و منطقية لكي يجتاز العقبات و التحديات التي تواجه مسيرته في الحياة.. منها الانشغال بالقضايا الثانوية، أو الهامشية بعيدا عن جوهر القضايا، و سيطرة العاطفة على التفكير و التي تبعد الشخص عن الموضوعية .

و في السياسة عدم قراءة الواقع بصورة صحيحة لمعرفة أماكن القوة فيه و الضعف ، وتغليب العاطفة علي العقل وعدم معرفة الميكانيزمات الفاعلة فيه، و المؤثرة بشكل مباشر في الفعل السياسي، و أيضا المصلحة أو المصالح ، كل هذه الأمور تلعب دورا أساسيا في المعرفة أو تغييب  للوعي و الحد من الفعل العقلي، و أيضا عدم معرفة الأدوات التي تحتاجها كل مرحلة من المراحل.. و غيرها من القضايا الأخرى التي تبرز من خلال الفعل، و خاصة الصراع السياسي بين التيارات المختلفة .

فمشكلات العالم العربي  لا تنتهي عند الاستبداد، وما يُنتجه من بنيةٍ تسلطيةٍ  معادية للحرية ومانعة لأي انتقال سلس وسلمي للسلطة، وإنما أيضا ما يرسّخه من بنيةٍ سياسيةٍ واجتماعيةٍ منتجة للاهتمام بالقضايا الهامشية ، بمختلف أنواعها السياسية والاجتماعية والاقتصادية. حيث يعرّف المفكر الإيطالي أنطونيو غرامشي في كتابه الأشهر "دفاتر السجن" التهميش بأنه "علاقة قوة بين طرف يسعى إلى الهيمنة وآخر خاضع، بحيث يحاول فيها الأول بقاء هيمنته على الثاني واستدامة خضوعه وتعطيل عقله بالقضايا الهامشية "

وقد ساهمت أفكار غرامشي عن الهيمنة الثقافية في إلهام باحثين كثيرين وظهور حقل معرفي يهتم بمسألة التهميش والاهتمام بالقضايا الهامشية ، خصوصا كتابات المفكرة والفيلسوفة الأميركية ذات الأصول البنغالية، غاياتري سبيفاك، والتي كانت من أوائل من نظّروا لموضوع الهامشية، انطلاقاً من أفكار غرامشي. وتعد دراستها المعنونة "هل يتكلم التابع؟"، والتي نشرتها منتصف الثمانينات، أحد النصوص التأسيسية المهمة في دراسات المهمشين والاهتمام بالقضايا الهامشية