الصناعة تحتضر والمستهلك هو الضحية
الألومنيوم يحبس أنفاس المصانع
امتدت تداعيات التوترات الإقليمية فى الشرق الأوسط من الضربات العسكرية واستهداف منشآت الطاقة وأسواق النفط، إلى المجتمع الصناعى- محلياً وعالمياً، وتصدر المشهد أحد أبرز المعادن التى تحبس أنفاس المصانع، وهو الألومنيوم الذى بات أحد أخطر التحديات التى تهدد استقرار الإنتاج الصناعى، فى ظل قفزات سعرية حادة واضطرابات متزايدة فى سلاسل الإمداد.
وبحسب بيانات دولية، سجلت أسعار الألومنيوم ارتفاعاً تجاوز 15%- خلال شهر مارس حتى مطلع إبريل 2026، مدفوعة بحالة القلق التى تسيطر على الأسواق، بالتزامن مع تصاعد التوترات فى المنطقة التى تعد مركزاً رئيسياً لإنتاج هذا المعدن الحيوى، الذى يعد من المعادن الأساسية التى تؤثر أسعارها بشكل مباشر فى عدة قطاعات صناعية حيوية، مثل الصناعات المعدنية، التعبئة والتغليف، المقاولات، صناعة السيارات، والإلكترونيات.
ولم تتوقف الأزمة الحالية عند زيادة الأسعار، بل تجاوزت الأمر لتصل إلى مرحلة «اختناق الإمدادات»، خاصة مع اعتماد قطاعات صناعية عدة، وبشكل كبير على الألومنيوم، خاصة السيارات، التى تعتمد على المعدن فى تصنيع الهياكل والمحركات ومكونات أساسية أخرى، بمتوسط يصل إلى نحو 250 كيلوجراماً فى السيارة الواحدة.
وتؤكد التقديرات إلى احتمال حدوث عجز فى الإمدادات يتجاوز حاجز الـ1.5 مليون طن، فى وقت تتراجع فيه المخزونات العالمية إلى مستويات مقلقة جداً، ما يفتح الباب أمام سيناريوهات أكثر تعقيداً إذا استمرت الأوضاع الحالية لمدى زمنى أطول، حيث تكمن خطورة الأزمة فى الاعتماد الواسع على إنتاج الشرق الأوسط، خاصة دول الخليج التى تمثل نحو 10% من الإنتاج العالمى، وتعد مورداً رئيسياً لأسواق كبرى مثل اليابان والاتحاد الأوروبى.
وسادت حالة تخبط فى الأسواق الصناعية، التى دخلت بالفعل فى مرحلة سباق تأمين المعدن، حيث تتجه الشركات إلى الشراء الفورى وبأى تكلفة سعرية، فى محاولة لتفادى توقف خطوط الإنتاج، وهو ما يؤدى بدوره إلى تغذية موجة ارتفاع الأسعار بشكل أكبر، وتحديداً صناعات السيارات، التى تعيش مأزقاً فعلياً، وقد تنتهى بتوقف جزئى أو كلى لبعض المصانع، فى حال فشلت الشركات فى تأمين احتياجاتها من هذا المعدن الاستراتيجى.
وتنذر هذه الضغوط، باحتمالية تعطل عمليات التصنيع بالكامل، وأن استمرار الحرب الإيرانية لفترة أطول قد يدفع الصناعة إلى واحدة من أصعب الأزمات خلال العقود الأخيرة، خاصة أن الألومنيوم لا يمكن استبداله بسهولة فى العديد من التطبيقات الحيوية للصناعة، ما يجعل أى نقص فيه بمثابة «ضربة مباشرة» لخطوط الإنتاج.
ومن المعروف أن الخليج العربى مصدر رئيسى لإمدادات الألومنيوم العالمية، حيث تسهم المنطقة حالياً بنحو خمس الإنتاج العالمى خارج الصين، إلا أن اضطرابات الإمداد الناتجة عن الصراع المسلح وتوقف مصانع رئيسية استهدفها الجيش الإيرانى مع تضرر البيئة التشغيلية، زادت من مخاطر ارتفاع أسعار المعدن على المدى الطويل، خاصة مع عدم استقرار سلاسل التوريد وتأثر البنية التحتية للصناعة.
قفزت أسعار الألومنيوم فى أوروبا وبريطانيا إلى أعلى مستوى لها، بعد اضطرار شركات البحرين والإمارات لإيقاف أحد مصاهرها إثر هجوم إيرانى بالصواريخ والمسيرات، وهو ما يعيد السوق الصناعى لمستويات أزمة الغزو الروسى لأوكرانيا، فضلاً عن ان الإغلاق الفعلى لمضيق هرمز من شأنه ان يهدد بخفض إضافى للإنتاج فى جميع الأنحاء، نتيجة نفاد مخزونات المواد الخام اللازمة للتصنيع خلال النصف الأول من العام 2026.
هل ينقذ الألمنيوم المصرى أزمة المصانع؟
وفى هذا السياق، رفعت الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، وما تبعها من إغلاق مضيق هرمز، طلبات التصدير على الألمنيوم المصرى، وذلك فى وقت أعلنت فيه شركات ألومنيوم الخليج العربى، التى تشغل أحد أكبر مصاهر الألومنيوم فى العالم، حالة القوة القاهرة، لتدفع التوترات الجيوسياسية المتلاحقة أسعار الألمنيوم لتسجيل زيادة تاريخية.
وشهدت أسعار الألومنيوم فى السوق المصرى ارتفاعاً جديداً فى المصانع والشركات، وتراوحت الزيادة الجديدة بين 200 و400 جنيه للطن، ما انعكس بشكل مباشر على أسعار البيع فى المصانع والشركات العاملة فى قطاع الألومنيوم المحلى، حيث شهد الأخير نمواً ملحوظاً فى الطلب، مع اقتراب موسم تنفيذ المشروعات الصناعية والعمرانية، ما يدفع المصانع إلى تعديل الأسعار وفقاً للتكاليف الجديدة.
من جهته، توقع محمد العايدى، وكيل غرفة الصناعات الهندسية، ارتفاع مستويات الطلب على الألمنيوم المصرى ومنتجاته بنسبة قد تصل إلى 30% خلال الفترة المقبلة، بالتزامن مع التوترات الجيوسياسية، التى عطلت إنتاج مصانع وشركات كبرى فى المنطقة نتيجة ظروف الحرب الراهنة.
وأكد أن الألمنيوم المحلى ومنتجاته يحظى بطلب مرتفع فى عدد من الأسواق الخارجية، خاصة فى المنطقة العربية والاتحاد الأوروبى والولايات المتحدة، وأن الفترة المقبلة قد تشهد زيادة فى طلبات التوريد لهذه الوجهات الرئيسية، بجانب بعض الوجهات الجديدة، حال استمرار اضطرابات الإمدادات.
المستهلك يدفع فاتورة الصراع
وأضاف رئيس شعبة الألومنيوم باتحاد الصناعات، إن التوترات الراهنة جعلت الأسعار العالمية شديدة التقلب، والرؤية غير واضحة، منوهاً أن أى زيادة فى أسعار الألمنيوم قد تنعكس على عدد من الصناعات المرتبطة به، منها: «الصناعات الهندسية، الأدوات المنزلية، الأجهزة الإلكترونية، الكابلات، السيارات، وأعمال البناء والتشييد والتشطيبات».
واتفق معه أيضاً مسئول بغرفة الصناعات الهندسية، مشيراً إلى إن هناك نمواً ملحوظاً فى طلبات استيراد الألمنيوم من مصر منذ اندلاع الحرب، مبيناً ان الألمنيوم سلعة مرتبطة بالبورصات العالمية، وبالتالى أى ارتفاع سعرى للمعدن سينعكس تلقائياً على السوق المحلية.
وأكد أن استمرار صعود أسعار الألومنيوم قد يرفع تكلفة الصناعات المرتبطة به، وهو ما سينعكس بدوره على الأسعار النهائية للمنتجات فى السوق المحلى، وهو ما يؤثر فى القوة الشرائية للمستهلك، مشدداً على أن التوترات العالمية المتعلقة بالطاقة والرسوم الجمركية تعد من العوامل الحاسمة فى تحديد الأسعار محلياً.
بدورها، أعلنت شركة مصر للألومنيوم، التابعة للقابضة للصناعات المعدنية، عن تطبيق أكبر زيادة شهرية فى تاريخها على أسعار منتجات الألومنيوم خلال إبريل 2026، بنسبة بلغت نحو 24%، حيث ارتفع سعر الطن ليسجل ما بين 200 و202 ألف جنيه.
1.1 مليار دولار صادرات مستهدفة خلال 2026
ومن المتوقع ان تشهد الفترة القليلة المقبلة زيادة نسبية فى طلبات استيراد الألمنيوم المصرى، وقد تتجه شركات محلية لزيادة صادراتها إلى 80% من الإنتاج بدلاً من 70% حالياً، مع تزايد الطلب الخارجى على الألمنيوم حالياً، ولكن هذه الخطوة مرهونة بمدى تلبية احتياجات السوق المحلية، خاصة مع زيادة الطلب على المشروعات العمرانية والصناعية خلال العام الجارى.
وتستهدف مصر زيادة قيمة صادرات الألمنيوم بنسبة 15% لتصل إلى 1.1 مليار دولار بنهاية 2026، وقد قاربت صادرات الألمنيوم ومصنوعاته حاجز المليار دولار خلال 2025، بنمو 8% عن العام 2024، وتعد بلدان «المغرب العربى، شمال أفريقيا، وأسواق الاتحاد الأوروبى خاصة إيطاليا»، هى الأكثر استيراداً للألمنيوم المصرى.
وتظل مراقبة أسعار المعادن العالمية عاملاً مؤثراً فى حركة أسعار الألومنيوم، وهو ما يجعل السوق المصرى شديد الحساسية لأى تغييرات على الصعيد العالمى، فى وقت تؤكد فيه الحكومة المصرية دعم الصناعة الوطنية والحفاظ على استقرار الإنتاج، بما يضمن قدرة المصانع على الوفاء بالطلبات المحلية دون انقطاع.
انفوجراف
حرب إيران تربك سوق الألومنيوم
1- تسببت الحرب فى تهديد مباشر لـ10% من إمدادات الألومنيوم العالمية.
2- توقعات بعجز قياسى يصل لـ5.7 مليون طن فى 2026.
3- ارتفاع محتمل للأسعار وتوقف الإنتاج لتقليص المعروض.
4- يعتمد الشرق الأوسط على مضيق هرمز لاستيراد «الألومينا» الخام.
5- 50% انخفاض محتمل فى طاقة إنتاج الشرق الأوسط من الألومنيوم.
6- من المتوقع خسارة إنتاج يصل إلى 900 ألف طن خلال عام 2026.
7- تسببت فى «شح» مخزونات بورصة المعادن ما فرض ضغطاً كبيراً على أسواق الغرب.
8- توقعات بوصول أسعار الألومنيوم فى بورصة المعادن إلى 4000 دولار للطن.
9- أدى إغلاق مضيق هرمز فعلياً إلى تعطيل أغلب شحنات الألمنيوم.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض