«الوفد» ترصد مأساة الـ7 بنات الضحايا
عرائس «الزاوية».. الأحلام تحترق فى مصنع ملابس
الأهالى يرفضون التعويض ويطالبون بالقصاص
فتيات كن فى عمر الزهور، لكل واحدة حكاية، وخطة لمستقبل لم يأتِ، وبين ماكينة خياطة وأمل فى غد أفضل، باغتتهن النيران داخل مكان ضاق عليهن حتى صار سجنًا، لتبقى قصصهن شاهدة على ثمن الإهمال حين يتحول إلى كارثة.
ففى لحظات قليلة، انطفأت أحلام كانت تُحاك بخيوط بسيطة، بعد أن تحولت رحلة العمل اليومية إلى رحلة بلا عودة، لتكتب النيران نهاية قاسية لـ7 قصص لم تكتمل بعد.
انتقلت «الوفد» إلى منازل أسر الضحايا للوقوف على تفاصيل المأساة، والاستماع إلى شهاداتهم التى تكشف كواليس اللحظات الأخيرة.
«سمعت صرخة بنتى وهى بتموت».. مريم توفت فى أول يوم عمل لها
كشفت أسرة «مريم جمعة عيد» (18 عامًا)، إحدى ضحايا حريق مصنع الزاوية الحمراء، تفاصيل مؤلمة للحظات الأخيرة فى حياتها، بعدما لقيت مصرعها داخل المصنع فى أول يوم عمل لها، إثر اندلاع حريق هائل حاصر الفتيات داخل المكان.
وقالت والدتها «سيدة حسن أبو بكر» إن ابنتها خرجت صباح يوم الحادث للعمل رغم رفضها، لرغبتها فى مساعدة الأسرة فى مصاريف دراستها وتجهيز نفسها للزواج، مشيرة إلى أنها كانت طالبة بالثانوية العامة ومخطوبة وأصرت على العمل لتخفيف متطلبات الحياة على والدها.
وأضافت أن آخر ما جمعها بابنتها كان اتصالًا هاتفيًا عند اندلاع الحريق، حيث صرخت «مريم» قائلة: «الحقينى يا ماما المصنع بيولع ومش عارفين نخرج»، موضحة أن جميع المخارج كانت مغلقة، والباب موصدا، والنيران تحاصر المكان من كل اتجاه «النار كانت طالعة من تحت لفوق».
وأكدت الأم أن ابنتها حاولت النجاة دون جدوى، فى ظل غياب أى وسائل أمان، قائلة: «المكان كان زى السجن.. لا طفايات حريق ولا مخارج»، مشيرة إلى أن النيران التهمت الفتيات بشكل مأساوى، ما صعّب التعرف عليهن «البنات ساحت على المكن».
وأشارت الأم المكلومة إلى الشارع الذى يسكنون فيه وقع منه 4 ضحايا فى حريق هذا المصنع، قائلة: «أنا عايزة حق بنتى وحق الضحايا الـ 6 اللى كانوا معها، أريد العدالة لمن تسبب فى هذه الفاجعة».
واتهمت أسرة الضحية صاحب المصنع بالإهمال الجسيم، مؤكدين أن المكان كان مصنعًا كاملًا يضم معدات ومواد سريعة الاشتعال، وليس مخزنًا كما يدّعى، لافتين إلى وجود شواهد وكاميرات تثبت ذلك.
وشددت الأسرة على رفضها التام لأى تعويضات مالية، مطالبة بالقصاص العادل ومحاسبة المسئولين عن الحادث، خاصة بعد سقوط عدد من الضحايا من المنطقة ذاتها.
بينما أكدت خالة الضحية أن «مريم» كانت مثالًا لتحمل المسئولية رغم صغر سنها، حيث قررت العمل لمساندة أسرتها، إلا أن يومها الأول كان الأخير فى حياتها، بسبب ما وصفته بالإهمال وغياب اشتراطات السلامة.
كما روت الجدة تفاصيل تعلقها بحفيدتها، مؤكدة أنها كانت سندًا لها فى حياتها، قائلة: «أنا من غيرها ميتة».
الناجية الوحيدة تروى جحيم «الزاوية».. «النار سبقتنى وخدت أختى»
داخل المصنع المنكوب، بدأ اليوم كالمعتاد، حيث وصلت الفتيات لأداء مهامهن مقابل أجر يومى بسيط، دون أن يدرين أن شكاوى متكررة من أعطال كهربائية ستتحول إلى كارثة أودت بحياة 7 منهن.
تروى ندى محيى ربيع (27 عامًا)، الناجية الوحيدة، تفاصيل اللحظات الأولى للحريق، مؤكدة أن اليوم بدأ بشكل طبيعى أثناء تناولهن الإفطار داخل المصنع، قبل أن تنبعث رائحة احتراق غريبة «شمينا ريحة شياط»، أعقبها اندلاع النيران بشكل مفاجئ وسريع.
وقالت: «فى ثوانى النار طلعت من تحت لفوق.. صرخت فى البنات يخرجوا، بس مكنش فيه وقت ولا مخرج آمن»، مشيرة إلى أن ألسنة اللهب انتشرت بشكل كثيف، كما أعاق الدخان الكثيف أى محاولة للهروب.
وأضافت «ندى» أن شقيقتها نورهان (20 عامًا) كانت بجوارها لحظة اندلاع الحريق، لكنها فقدتها وسط الفوضى، قائلة: «كانت معايا وفى لحظة اختفت.. مقدرتش أنقذها».
وأكدت أن العاملات سبق أن اشتكين مرارًا من وجود أسلاك كهربائية مكشوفة وحدوث شرز، بل وتعرضت إحدى العاملات لصعقة كهربائية من قبل، دون اتخاذ إجراءات حاسمة لحمايتهن.
وأوضحت أن محاولات الإنقاذ كانت محدودة أمام سرعة انتشار الحريق، حيث حاول البعض من الخارج إخماد النيران، إلا أنها كانت تزداد اشتعالًا، بينما لجأت بعض العاملات إلى الاحتماء داخل الحمام قبل أن تحاصرهن النيران.
وأضافت: «خرجت بالعافية، لكن اللى شوفته مش هيتنسى طول العمر.. بعد الحريق الناس كانت شايلة البنات فى بطاطين وتجرى بيهم على الإسعاف».
واختتمت حديثها بمطالبة واضحة: «عايزين حق البنات السبعة.. كانوا رايحين يشتغلوا مش يموتوا».
جد «عواطف»: كفنت حفيدتى بمفرش جهازها
وقالت سامية محمود بسيونى، والدة الضحية عواطف سيد عباس (24 عامًا)، إن ابنتها كانت تعمل بالمصنع بانتظام، مؤكدة أنها زارتها أكثر من مرة وكانت تعلم طبيعة المكان، نافية ادعاء كونه مخزنًا، ومشددة على أنه مصنع أحذية يعمل طوال الأسبوع.
وأضافت أن ابنتها كانت تستعد للزواج قريبًا، قائلة: «كانت عروسة وعلى وش جواز»، مشيرة إلى أنها علمت بالواقعة بطريقة غير مباشرة قبل أن تتأكد من وفاتها داخل المستشفى.
وأكدت الأسرة رفضها التام لما تردد عن حصولها على تعويضات مالية، موضحة: «ما أخدناش أى فلوس.. ومش عايزين فلوس.. عايزين حق بنتنا».
وقال جد الضحية، الحاج محمود بسيونى (75 عامًا)، إنه قام بتكفين حفيدته بمفرش سرير كانت قد اشترته ضمن جهاز زفافها، فى مشهد إنسانى مؤلم، مؤكدًا تمسكه بالقصاص العادل.
كما شدد خال الضحية على رفض أى مساومات مادية، مؤكدًا أن فقدانها لا يُعوض بأى مبلغ، حتى لو وصل إلى ملايين الجنيهات، مطالبًا بمحاسبة المسئولين عن الحادث.
وفى السياق ذاته، أكد صديق الأسرة أن ما تردد بشأن التفاوض على تعويضات غير صحيح، مشيرًا إلى رفض الأسرة أى عروض مالية، وتمسكها فقط بمحاسبة المتسببين.
وفى ختام شهاداتهم، أكدت أسر الضحايا رفضها التام أى تعويضات مالية، مشددين على أن المال لن يعوضهم عن فقدان بناتهن، وأن ما حدث جرح لن يندمل، وطالبوا بتحقيق القصاص العادل ومحاسبة كل من تسبب فى هذه المأساة، حتى يكون ذلك رادعًا لمن يستهين بأرواح الأبرياء.

تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض