فى هذا الجزء من العالم لا تسير الأحداث كخبر عابر فى نشرة بل كفصل طويل من مسرحية درامية تتداخل فيها المصالح مع المخاوف وتتشابك فيها الحسابات مع التاريخ الشرق الأوسط اليوم ليس مجرد جغرافيا بل خشبة مسرح مفتوحة أبطالها واضحون وأدوارها معقدة والنص لم يحسم بعد.
على أحد طرفى المشهد تقف إيران دولة تحمل مشروعاً وتتحرك برؤية ممتدة تجيد لعبة النفس الطويل وتدير أوراقها بهدوء ظاهر لكنه يخفى صلابة فى المواقف لا تتعجل المواجهة المباشرة لكنها لا تتراجع عن تثبيت حضورها فى مناطق النفوذ وكأنها ترسم خريطة تأثير تتجاوز حدودها الجغرافية مستندة إلى مزيج من القوة والمرونة.
وعلى الطرف الآخر تقف الولايات المتحدة وإسرائيل تحالف يتقاطع عند هدف واضح هو منع أى اختلال فى ميزان القوة قد يهدد تفوقه أو يعيد تشكيل المنطقة خارج إرادته تتحرك الولايات المتحدة كقوة كبرى توازن بين الردع والتفاوض بينما تتبنى إسرائيل مقاربة أكثر حدة فى حماية أمنها معتبرة أن أى تمدد إيرانى هو تهديد مباشر يستوجب الاحتواء أو الإجهاض.
وبين هذا وذاك تتحرك دول الخليج ليس كأطراف ثانوية بالمعنى التقليدى بل كمساحة حيوية تدور فوقها الأحداث وتتأثر بها بشكل مباشر هى ليست خارج المعادلة بل فى قلبها لكنها تفضل إدارة التوازن بدقة والحفاظ على الاستقرار وتجنب الانزلاق إلى صراعات مفتوحة قد تفرض أثماناً باهظة دورها أقرب إلى لاعب حذر يدرك حجم المخاطر ويحاول أن يحمى مصالحه فى وسط أمواج متلاطمة.
المشهد يبدو كأنه صراع إرادات لكن فى جوهره هو صراع على النفوذ على من يملك القدرة على تشكيل المستقبل ومن يفرض قواعد اللعبة لا أحد يتحرك بعشوائية ولا قرار يتخذ دون حسابات عميقة كل خطوة محسوبة وكل رسالة لها توقيت وكل تصعيد يقابله احتواء.
ورغم حدة المشهد إلا أن الجميع يدرك أن الانفجار الكامل ليس خياراً مفضلاً فالحرب الشاملة إن وقعت لن تكون كأى مواجهة سابقة بل ستفتح أبواباً يصعب إغلاقها لذلك يستمر هذا التوتر المحسوب حيث تبقى المنطقة على حافة الاشتعال دون أن تسقط فيه.
فى هذه المسرحية لا يوجد منتصر نهائى حتى الآن ولا هزيمة كاملة فقط جولات تتوالى وأدوار تتبدل وتحالفات يعاد تشكيلها أما الشعوب فهى الجمهور الذى يتابع ويتأثر ويدفع ثمن كل مشهد حتى إن لم يكن جزءاً من كتابة النص.
الشرق الأوسط اليوم يكتب فصلاً جديداً من تاريخه، فصلاً عنوانه التوازن الحرج وصراعات النفوذ ومحاولات الهيمنة لكن دون حسم.. مسرحية مستمرة تتغير فيها الإضاءة وتعلو فيها الأصوات لكن الستار لم يسدل بعد.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض