رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

تأملات

فى تقديرى، وأعتقد أنه ليس فيما أقول أية مبالغة، أن شخصية الرئيس ترامب ستعتبر من أبرز الشخصيات التى سيشهدها القرن الحادى والعشرين، إن لم تدرج ضمن أكثر الشخصيات تأثيرا فى مسار التاريخ الحديث. ولعل نهجه يمثل تغييرا جذريا حيث غيَّر كثيرا من طبيعة بلاده -دولة المؤسسات- لجهة تحويلها لحكم الفرد بامتياز. وأعيد الإشارة هنا أيضا إلى أنه ربما يمكن مقارنته فى حجم وطبيعة تأثيره بما قام به نابليون وهتلر، ليس على مستوى الشكل أو السياسات وإنما طبيعة التغيير وحجم التأثير فى العالم والنظام الدولى الذى يحكم هذا العالم.

ورغم أنه لم يمضِ من حكم ترامب سوى السنة الأولى فقط من أربع -باعتبار أن شخصيته الحقيقية لم تظهر فى فترته الأولى على نحو ما تبلورت به فى الثانية- إلا أن اتساع مساحة مواقفه وتأثيرها يمتد ليشمل العالم بأكمله، شرقه وغربه، شماله وجنوبه. ومساحة الصدمات فى هذه المواقف ربما تتجاوز ما هو معروف عن فكرة الصدمات الكهربية. وفى معرض تحليل مواقفه يمكن القول مثلا إن ترامب أوجد قاموسا جديدا على صعيد لغة المصطلحات السياسية الخاصة بالتعامل مع الآخر سواء من الأصدقاء أو الخصوم. كما يمكن القول أيضا إنه قدم ما يمكن اعتباره مدونة سلوك جديدة من أول صفحة فيها إلى آخر صفحة فى التعاطى مع القضايا السياسية.

وفى هذا يمكن الإشارة إلى أنه إذا كان الفكر السياسى قد درج على اعتبار ميكافيللى أستاذ الدهاء السياسى، من خلال مبدأه اللا أخلاقى عن كون الغاية تبرر الوسيلة، فإن ترامب ربما فاقه وتجاوزه من خلال مبدأ الكذب أساس الحكم، حيث أنه يمثل أفضل تجسيد لمقولة أن فلان يكذب كما يتنفس. فالرجل لا يبالى ولا يهتم باتساق خطابه أو تصريحاته وإنما يحرص ويمعن فى تقديم مضمون بالغ التناقض فى مواقفه بما يربك الخصم فى نوع من الممارسة السياسية الجديدة التى ربما -وأقول ربما للتحوط وليس من قبيل الشك- لم تشهدها أنظمة الحكم من قبل.

مشكلة ترامب أنه يخوض حربا ضد الكل، ليس على شاكلة تلك التى عاناها دون كيشوت فى رائعة سيرفانتس، فى محاربة طواحين الهواء، وإنما حرب يكاد أن يصل صدامه فيها مع نفسه، حيث لم ينج أحد من فكرة عدم اختلاف ترامب معه، مع ملاحظة أن الاستثناء الوحيد الذى يؤكد القاعدة هو أنه لم يختلف مع نتنياهو وتلك مفارقة ملفتة للنظر وتستحق الدراسة. قبل ترامب لم يكن لأحد أن يتصور يوما أن يهاجم رئيس أمريكا نظراءه فى دول حلف الناتو لدرجة اتهامهم بأنهم جبناء! لا شك لدىّ وأعتقد لدى دول حلف الأطلنطى أن الناتو قبل ترامب شىء وبعده شىء ثانٍ تماما، للحد الذى يمكن التأكيد على أنه فى طريقه إلى الزوال أو التحلل أو التفكك بمعنى أصح. وبدءا بستارمر ومرورا بماكرون وليس انتهاء بميلونى لم يوقر الرجل أحدا. ترامب فى مساره التصادمى أبى أن يترك بابا الفاتيكان إلا وكال له الانتقادات لمجرد أن الرجل أطلق تصريحا فى العموم لمس وترا حساسا عند الرئيس الأمريكى. أما نصيبنا على صعيد قادتنا العرب، فلسان ترامب فاق كل خيال.

فى تصورى، وليس كل التصورات المستقبلية خاطئة، أن ترامب يشبه إلى حد كبير فى جانب من الجوانب الزعيم السوفيتى السابق جورباتشوف.. وما أدراك ما هو.. إنه الرجل الذى قاد الإمبراطورية الروسية إلى التفكك.. وذلك هو ما ربما سينتهى به ترامب مع أمريكا دون سحر أو شعوذة!!

 

[email protected]