رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

اقتصاد تحت الضغط.. كيف تدير الدولة ميزانية المخاطر في زمن الأزمات؟

الدكتور كرم سلام
الدكتور كرم سلام الخبير الاقتصادي الدولي

في ظل تصاعد التوترات الجيوسياسية وتداعيات الحرب التي تلقي بظلالها على اقتصادات العالم، تدخل الحكومة مرحلة أكثر حذرًا في إدارة الملف المالي، مدفوعة بتصريحات مصطفى مدبولي التي أكدت على تبني نهج “ميزانية المخاطر” كأداة استباقية لمواجهة التقلبات المحتملة، وبين محاولات احتواء الضغوط الخارجية، تبرز تساؤلات ملحّة حول مدى قدرة الدولة على امتصاص الصدمات دون تحميل المواطن أعباءً إضافية، خاصة مع توقعات بارتفاع تكاليف الاستيراد، واستمرار الضغوط التضخمية، وتأثر عدد من القطاعات الحيوية، ومن هنا تظل معادلة التوازن بين حماية الاقتصاد الكلي وتخفيف الأعباء عن المواطنين هي التحدي الأبرز الذي يفرض نفسه على صانع القرار في المرحلة الراهنة.

 

تفاصيل القرار

وفي بادئ الأمر، أوضح دكتور كرم سلام، الخبير الاقتصادي الدولي ومستشار العلاقات الاقتصادية الدولية، قائلًا:" إلى أنه في زمن تتسارع فيه الأزمات وتتقاطع فيه الجغرافيا مع الاقتصاد، لم يعد الحديث عن الموازنات العامة مجرد عرض لأرقام الإيرادات والمصروفات، بل أصبح نقاشًا عميقًا حول كيفية إدارة “المخاطر” قبل وقوعها، ومن هنا برز مصطلح “ميزانية المخاطر” كأحد المفاهيم الحديثة التي تعكس وعي الدولة بطبيعة المرحلة الراهنة، خاصة في ظل التوترات الجيوسياسية الممتدة من قطاع غزة إلى اضطرابات الملاحة في البحر الأحمر، وما تفرضه من تحديات مباشرة على الاقتصاد المصري، والتي تعني ببساطة، هي ذلك الجزء المرن داخل الموازنة العامة الذي يُخصص لمواجهة الصدمات غير المتوقعة، سواء كانت ارتفاعًا مفاجئًا في أسعار الغذاء والطاقة، أو تراجعًا في موارد النقد الأجنبي، أو اضطرابات في سلاسل الإمداد العالمية، وفي الحالة المصرية، لا يُنظر إلى هذا المفهوم كترف مالي، بل كضرورة حتمية، خاصة وأن الاقتصاد المصري يتأثر بشكل مباشر بأي تغيرات في التجارة العالمية أو حركة النقل، خصوصًا عبر قناة السويس التي تُعد أحد أهم شرايين الدخل القومي.

 

 

ولفت"سلام"، إلى أن هذه التحركات تعكس بلا شك وجود قلق حقيقي، وليس مجرد احتراز نظري، من تداعيات ممتدة للحروب على الاقتصاد المصري، فالأرقام تشير إلى تراجع إيرادات قناة السويس في بعض الفترات بنسب اقتربت من 40% نتيجة اضطرابات الملاحة، فضلًا عن ارتفاع تكاليف الشحن عالميًا بأكثر من 30%، وهو ما ينعكس مباشرة على أسعار السلع في السوق المحلي. كما أن الضغوط على العملة الأجنبية تظل قائمة في ظل تذبذب مصادر النقد الأجنبي، سواء من السياحة أو الاستثمار أو التحويلات، ورغم ذلك، لا يمكن القول إن الحكومة تتحرك فقط برد الفعل؛ بل إنها تحاول الموازنة بين التخطيط الاستباقي والاستجابة السريعة، فهناك سيناريوهات يتم إعدادها مسبقًا لمواجهة تطورات محتملة، مثل استمرار الحرب لفترة طويلة، وهو ما قد يؤدي إلى موجة تضخم جديدة قد تتراوح بين 25% و35%، وزيادة الضغوط على سعر الصرف، وارتفاع عجز الموازنة نتيجة زيادة الإنفاق على الدعم، وفي مثل هذه السيناريوهات، يصبح التحدي الأكبر هو كيفية احتواء الأزمة دون فقدان السيطرة على الاستقرار الاقتصادي.

 

وتابع، أما إذا تحققت هذه السيناريوهات، وظهرت موجة جديدة من التضخم، فإن المواجهة لن تكون مسؤولية الحكومة وحدها، بل هي مسؤولية مشتركة بين الدولة والمجتمع. فالحكومة مطالبة بتعزيز الدعم النقدي المباشر، وتشديد الرقابة على الأسواق، ودعم الإنتاج المحلي لتقليل الاعتماد على الاستيراد، في حين يُطلب من المواطن قدر من الترشيد وإعادة ترتيب الأولويات الاستهلاكية. ومع ذلك، يبقى العبء الأكبر واقعًا على كاهل المواطن، الذي قد يواجه ارتفاعًا في أسعار الغذاء والطاقة، وزيادة في تكاليف النقل، وتراجعًا في القوة الشرائية، وهو ما يضع الطبقة المتوسطة تحديدًا تحت ضغط متزايد، ومن هنا تبرز أهمية اتخاذ إجراءات واضحة لحماية الفئات الأكثر تأثرًا، من خلال زيادة مخصصات الدعم بنسبة لا تقل عن 20 إلى 30%، وتوسيع نطاق برامج الحماية الاجتماعية لتشمل العمالة غير المنتظمة، إلى جانب توفير السلع الأساسية بأسعار مدعومة عبر المنافذ الحكومية. لكن التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في تقديم الدعم، بل في ضمان وصوله إلى مستحقيه بكفاءة وعدالة.

 

وفي خضم هذه التحديات، تسعى الدولة إلى تحقيق توازن دقيق بين الاستمرار في تنفيذ الإصلاحات الاقتصادية—التي تهدف إلى تعزيز كفاءة الاقتصاد وتقليل العجز—وبين عدم تحميل المواطن أعباء إضافية قد تفوق قدرته على التحمل. وهي معادلة معقدة، تتطلب قدرًا عاليًا من الحنكة الاقتصادية والإدارة المرنة.

 

ونوه على أنه يبقى السؤال الأهم: كيف يمكن طمأنة المواطن بأن “ميزانية المخاطر” لن تتحول إلى عبء جديد على حياته اليومية؟ الإجابة تكمن في الشفافية أولًا، وفي وضوح السياسات ثانيًا، وفي توجيه الدعم بشكل عادل وفعّال ثالثًا. فكلما شعر المواطن بأن الدولة تشاركه التحديات وتعمل على حمايته، زادت قدرته على الصمود والتكيف، وفي النهاية، لم تعد إدارة الاقتصاد في مصر—كما في العالم—مرتبطة فقط بالنمو والأرقام، بل أصبحت مرتبطة بقدرة الدولة على امتصاص الصدمات والتعامل مع المجهول. و”ميزانية المخاطر” ليست مجرد بند في الموازنة، بل هي انعكاس لرؤية جديدة تُدرك أن الاستقرار في زمن الأزمات لا يتحقق بالصدفة، بل بالتخطيط، والاستعداد، والشراكة الحقيقية بين الدولة والمواطن.