على فكرة
ما كاد الرئيس الأمريكى ترامب ينهى خطابه القصير المتلفز يوم الأربعاء الماضى، حتى خاب كل أمل ورجاء، ليس لدول العالم فقط، بل لشعوبها أيضا. وكانت معظم دول العالم قد ترقبت بتوجس ما سوف يعلن فى الخطاب، ومنت شعوب الدنيا نفسها بآمال عريضة، تصبو أن يعلن فيه إنهاء حربه العدوانية على إيران، لوقف الأضرار الاقتصادية الواسعة النطاق التى طالت الجميع.
تمخض الجبل فولد فأرا، كما تحكى الخرافة الأسطورية، حين زمجر الجبل واهتز بعاصفة رملية تلقى ببعض الحصى والحجارة الصغيرة، على جوارها، بما ظن به الناس أن زلزالا خطيرا على وشك الحدوث، أو بركانا هائلا سوف يتفجر. فلما هدأت العاصفة، بدأت الفئران تخرج مذعورة من جحور الجبل فتسفر العاصفة عن فئران لا براكين أو زلازل، بما لا يرقى إلى حجم الضجيج الذى أحدثته العاصفة، ولا إلى شدة صخبها. أما الأشقاء السودانيين فيختصرون معنى تلك الحكاية الخرافية بوصفها «كلام ساكت» أى لا فائدة ترجى منه ولا معنى له، ولا جدوى من ورائه.
لكن خطاب ترامب، حمل أكثر من ذلك، وانطوى على نتائج أخرى غير خيبة الأمل وانهيار التوقعات. وبلغة الجسد، بدا ترامب منهكا وهو يلقيه برغم نرجسيته الطافحة. كما حفل الخطاب بكثير من التناقضات بعضها تجلى فى لهجة التصعيد حتى التهديد بإعادة إيران إلى العصر الحجرى، والتبشير بإنهاء الحرب خلال ثلاثة أسابيع، والتباهى بالنصر وبالقول بأن الأهداف الأمريكية من شنها قد اقتربت من التحقق، التى حددها بأنها تفكيك القدرات الإيرانية، لأنها تهدد أمن الولايات المتحدة!
ولأن الكذابين لا ذاكرة قوية لديهم فى الغالب، فقد تجاهل الهدف الأول الذى حدده للحرب، وهو إسقاط النظام فى إيران، ودعوته لاستسلامها. فضلا عن ترجمة فشله فى إقناع الدول الأوروبية بالانضمام إليه فى حربه مع إسرائيل على إيران، والهجوم عليها للعقبات التى وضعتها لاستخدام مجالها الجوى لأغراض هذه الحرب، ورفضها نشر قوات أمريكية على أراضيها، لنفس السبب، بدعوتها لحماية مضيق هرمز بنفسها لأن أمريكا لم تكن فى حاجة إلى المضيق ولن تحتاجه فى المستقبل، كما كان قد هدد فى حوار صحفى سابق بأنه يفكر فى الانسحاب من حلف شمال الأطلسى.
ومع التناقضات حمل الخطاب رسالتين إحداهما لطمأنة الداخل الأمريكى، الذى اتسع فيه نطاق المعارضين لاستمرار الحرب من النخب السياسية والبرلمانية والإعلامية داخل الحزبين الجمهورى والديمقرطى وخارجهما.
فضلا عن المواطنين الذين يئنون مما سببتها لهم الحرب من ارتفاع تكاليف المعيشة، ويشككون فى أهدافها، ويتذمرون من خدمتها لمصالح إسرائيل، التى لم يذكرها بالاسم فى خطابه. والرسالة الثانية إلى إيران للضغط عليها للقبول بشروطه لوقف الحرب، ولعله يمهد كذلك لحملته البرية لاحتلال جزرها، لأنه قد أعلن سابقا، أنه لا يحتاج من إيران سوى بترولها.
ما يلفت النظر فى الخطاب، الإشارة الشكلية العابرة التى ساقها ترامب لشكر حلفائه فى دول الخليج، قائلا: لن نسمح بتعرضهم للأذى. وبعد الإهانات الوقحة التى وجهها إلى القادة السعوديين، افادت تقارير إعلامية وصحفية،إلى أن ترامب قد طلب من الدول الخليجية 5 تريليون دولار بما يوازى ضعف الناتج الإجمالى المحلى لدول الخليج مجتمعة والذى يبلغ 2,3 تريليون دولار، تكلفة ما أسماه ثمن حماية أمن تلك الدول!
ولعل تلك المآلات الفوضوية، التى تسعى لكى تنصب إسرائيل القوة الغاشمة الوحيدة التى تتسيد المنطقة، أن تقود الدول الخليجية إلى بحث طرق أكثر صلابة ومبدئية، لحماية أمنها، دون الاكتفاء بالمظلة الأمريكية الاستعمارية المثقوبة، والتى تثبت الحرب الراهنة أن حليفها الأوحد فى المنطقة هو دولة إسرائيل المارقة على القانون الدولى.
ولعل الخطوة الخليجية الأولى نحو استراتيجية جديدة لأمن المنطقة، أن ترفض دول الخليج دفع أموال شعوبها لتكاليف حرب أضيرت منها، وأن تسعى بمساعدة حلفاء دوليين لطلب تعويضات عن الخسائر التى لحقت بها من جراء اندلاعها.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض