رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

حكم الشرع في طلاق الحائض

بوابة الوفد الإلكترونية

حكم الشرع في طلاق الحائض سؤال يسأل فيه الكثير من الناس فأجاب بعض اهل العلم وقال محل الاتفاق : اتفق الفقهاء على أنه إذا طَلَّق الرَّجُلُ امرأتَه في حالِ حَيضِها أو في طُهرٍ جامَعَها فيه: ويُسَمِّيه الفُقَهاءُ: الطَّلاقَ البِدْعيَّ وهو طَلاقٌ مُحَرَّمٌ، وذلك باتِّفاقِ المذاهِبِ الفِقهيَّةِ الأربعةِ: الحَنَفيَّةِ ، والمالِكيَّةِ، والشَّافِعيَّةِ، والحَنابِلةِ، الظاهرية وحُكِيَ فيه الإجماعُ.

تحرير محل النزاع:

و إنما اختلفوا في وقوعه:

1-القول الأول: ذهب جماهير الفقهاء من الشافعية و الحنابلة و الحنفية و المالكية إلى وقوع طلاق الحائض.

قال ابنُ المنذر: (ممَّن مَذهَبُه أنَّ الحائِضَ يقَعُ بها الطَّلاقُ: الحَسَنُ البصري، وعطاء بن أبي رباح، وبه قال مالك، والثوري، وأصحاب الرأي، والأوزاعي، والليث بن سعد، والشافعي، وأبو ثور، وكلُّ مَن نحفَظُ عنه من أهلِ العِلمِ، إلا ناسًا مِن أهلِ البِدَعِ لا يُقتدى بهم). 

إلا أن ابن المنذر من المتساهلين في نقل الإجماع ،و المسألة خلافية لم ينعقد الإجماع فيها.

قال ابن عبد البر: (لم يختَلِفْ فُقهاءُ الأمصارِ وأئمَّةُ الهُدى فيمن طَلَّق ثلاثًا في طُهرٍ مَسَّ فيه أو لم يَمَسَّ فيه، أو في حَيضٍ: أنَّه يَلزَمُه طَلاقُه).

و عمدة هذا المذهب:

استدل الجمهور بأدلة من الكتاب و السنة و الأثر ،و الإجماع إلا أن هذا الإجماع لم ينعقد :

أولاً: مِنَ الكِتابِ.

1- قال تعالى: (فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ) [البقرة: 230] 2- وقال تعالى: (الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ) [البقرة: 229] وَجهُ الدَّلالةِ: أنَّ هذا يقتضي عُمومَ الطَّلاقِ، وثُبوتَ حُكمِه في حالِ الطُّهرِ والحَيضِ.

ثانيًا: مِنَ السُّنَّةِ

عن سالمِ بنِ عبدِ اللهِ، أنَّ عبدَ اللهِ بنَ عُمَرَ رضي اللهُ عنه قال: (طَلَّقتُ امرأتي وهي حائِضٌ، فذكَرَ ذلك عُمَرُ للنبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فتغَيَّظَ رَسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، ثمَّ قال: مُرْه فلْيُراجِعْها حتى تحيضَ حَيضةً أُخرى مُستَقبَلةً سِوى حَيضتِها التي طَلَّقَها فيها، فإنْ بدا له أن يُطَلِّقَها فلْيُطَلِّقْها طاهِرًا مِن حَيضتِها قبل أن يَمَسَّها، فذلك الطَّلاقُ للعِدَّةِ كما أمَرَ اللهُ. وكان عبدُ اللهِ طَلَّقها تطليقةً واحِدةً، فحُسِبَت مِن طلاقِها، وراجَعَها عبدُ اللهِ كما أمَرَه رَسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم).

وَجهُ الدَّلالةِ: قَولُه: (فلْيُراجِعْها) والرَّجعةُ لا تكونُ إلَّا بعد طلاقٍ؛ فدَلَّ على وقوعِه.

و أما الإجماع فقد تقله ابن المنذر و بعض الفقهاء و لكن التحقيق أن المسألة خلافية ،كما سترى في القول الثاني.

قال الحافظ ابن حجر رحمه الله في "الفتح" (9/351) تعليقا على ترجمة البخاري: "باب إذا طُلِّقت الحائض: تعتدُّ بذلك الطلاق"، قال: "كذا بت الحكم بالمسألة، وفيها خلاف قديم عن طاوس وخلاس بن عمرو وغيرهما: أنه لا يقع، ومن ثم نشأ سؤال من سأل ابن عمر عن ذلك" انتهى.

و أما الأثر:

- كان عبدُ اللهِ بنُ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهما: (إذا سُئِلَ عن ذلك أي: الطَّلاقِ في الحَيضِ، قال لأحدِهم: أمَّا أنت طلَّقْتَ امرأتَك مرةً أو مرَّتينِ، فإنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ أمَرَني بهذا، وإن كنتَ طلَّقْتَها ثلاثًا فقد حَرُمَتْ عليك حتى تنكِحَ زوجًا غيرك، وعَصَيتَ اللهَ فيما أمَرَك مِن طلاقِ امرأتِك).

- عن أنسِ بنِ سيرينَ قال: (سَمِعتُ ابنَ عُمَرَ قال: طَلَّق ابنُ عُمَرَ امرأتَه وهي حائِضٌ، فذكَرَ عُمَرُ للنَّبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فقال: لِيُراجِعْها، قُلتُ: تُحتَسَبُ؟ قال: فَمَهْ؟! وعن قتادةَ عن يُونُسَ بنِ جُبَيرٍ، عن ابنِ عُمَرَ قال: مُرْه فلْيُراجِعْها، قُلتُ: تُحتَسَبُ؟ قال: أرأيتَ إن عَجَزَ واستَحمَقَ !).

2-القول الثاني: ذهب إلى عدم وقوع الطلاق في الحيض: طاوس بن كيسان، وخلاس بن عمرو الهجري، وابن علية، وهو قول داود الظاهري، وابن حزم، وابن عقيل الحنبلي، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم، ورجحه من المتأخرين الصنعاني، والشوكاني.

قال ابن حزم رحمه الله في "المحلى" (9/363): " فإن طلقها طلقة أو طلقتين في طهر وطئها فيه، أو في حيضتها: لم ينفذ ذلك الطلاق، وهي امرأته كما كانت، إلا أن يطلقها كذلك ثالثة، أو ثلاثة مجموعة، فيلزم".

ثم اختلف الناس في الطلاق في الحيض، إن طلق الرجل كذلك، أو في طهر وطئها فيه، هل يلزم ذلك الطلاق أم لا؟ و قد ادعى بعض القائلين بهذا أنه إجماع: وقد كذب مدعي ذلك، لأن الخلاف في ذلك موجود، وحتى لو لم يبلغنا لكان القاطع - على جميع أهل الإسلام - بما لا يقين عنده به، ولا بلغه عن جميعهم -: كاذبا على جميعهم... )).انتهى

ثم ساق بإسناده عن بعض السلف القول بأن الطلاق في الحيض لا يقع -.

-عن نافع مولى ابن عمر عن ابن عمر أنه قال في الرجل يطلق امرأته وهي حائض، قال ابن عمر: لا يعتد لذلك.

-وعن عبد الله بن طاوس عن أبيه: أنه كان لا يرى طلاقا ما خالف وجه الطلاق، ووجه العدة، وكان يقول: وجه الطلاق: أن يطلقها طاهرا عن غير جماع، وإذا استبان حملها.

-وعن قتادة عن خلاس بن عمرو: أنه قال في الرجل يطلق امرأته وهي حائض؟ قال: لا يعتد بها.

ثم قال ابن حزم :((والعجب من جرأة من ادعى الإجماع على خلاف هذا، وهو لا يجد فيما يوافق قوله في إمضاء الطلاق في الحيض، أو في طهر جامعها فيه: كلمة عن أحد من الصحابة - رضي الله عنهم - غير رواية عن ابن عمر قد عارضها ما هو أحسن منها عن ابن عمر، وروايتين ساقطتين عن عثمان، وزيد بن ثابت))." انتهى

وقال ابن القيم رحمه الله في "شرحه لتهذيب سنن أبي داود" (6/172): " قالوا: وتوهُّم من توهَّم أنا خالفنا الإجماع في هذه المسألة: غلط؛ فإن الخلاف فيها أشهر من أن يُجحد، وأظهر من أن يستر.

وإذا كانت المسألة من موارد النزاع، فالواجب فيها امتثال ما أمر الله به ورسوله من رد ما تنازع فيه العلماء إلى الله ورسوله وتحكيم الله ورسوله، دون تحكيم أحد من الخلق. قال تعالى: فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا.

فهذه بعض كلمات المانعين من الوقوع، ولو استوفينا الكلام في المسألة لاحتملت سفرا كبيرا" انتهى

و قال ابن القيم أيضا:(الكلام معكم في ثلاث مقامات بها يستبين الحق في المسألة:

-المقام الأول: بطلان ما زعمتم من الإجماع، وأنه لا سبيل لكم إلى إثباته ألبتة، بل العلم بانتفائه معلوم.

المقام الثاني: أن فتوى الجمهور بالقول لا يدل على صحته، وقول الجمهور ليس بحجة.

المقام الثالث: أن الطلاق المحرم لا يدخل تحت نصوص الطلاق المطلقة التي رتب الشارع عليها أحكام الطلاق.

فإن ثبتت لنا هذه المقامات الثلاث، كنا أسعد بالصواب منكم في المسألة.

و عمدة هذا المذهب ؛

1- قوله تعالى ﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا * فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا ﴾ [الطلاق

وجه الاستدلال:

قال ابن حزم: " الله تعالى إنما أمر بذلك في المدخول بها فيما كان من الطلاق دون الثلاث وفي هذين الوجهين أفتى رسول الله صلى الله عليه وسلم ابن عمر ولم يأمر قط عز وجل بذلك في غير مدخول بها ولا فيمن طلق ثالثة أو ثلاثة مجموعة... وقوله تعالى ﴿ لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا * فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ ﴾ [الطلاق: 1، 2] وليس هذا في طلاق الثلاث

2- عن نافع أن ابن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما طلق امرأة له وهي حائض تطليقة واحدة فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يراجعها ثم يمسكها حتى تطهر ثم تحيض عنده حيضة أخرى ثم يمهلها حتى تطهر من حيضها فإن أراد أن يطلقها فليطلقها حين تطهر من قبل أن يجامعها فتلك العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء.

وجه الاستدلال: حديث ابن عمر في من طلق واحدة فأمره النبي بالمراجعة بخلاف من طلق ثلاثا أو الثالثة فتبين المرأة منه.

3-إجماع الأمة على أن الطلاق في الحيض بدعة محرمة ،و البدعة مردودة بنص كلام رسول الله صلى الله عليه و سلم.

قال ابنُ حزم: (لا خِلافَ بين أحدٍ مِن أهلِ العِلمِ قاطِبةً وفي جملتِهم جميعُ المخالِفينَ لنا في ذلك في أنَّ الطَّلاقَ في الحَيضِ أو في طُهرٍ جامَعَها فيه: بِدعةٌ نَهى عنها رسولُ اللهِ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم، مُخالِفةٌ لأمرِه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ).

و قال ابنُ عبدِ البَرِّ: (الطَّلاقُ في الحَيضِ لازِمٌ لِمن أوقَعَه، وإن كان فاعِلُه قد فَعَل ما كُرِهَ له؛ إذ تَرَك وَجهَ الطَّلاقِ وسُنَّتَه... وعلى هذا جماعةُ فُقَهاءِ الأمصارِ وجُمهورُ عُلَماءِ المسلمين، وإن كان الطَّلاقُ عند جميعِهم في الحَيضِ بِدعةً غَيرَ سُنَّةٍ، فهو لازِمٌ عند جميعِهم، ولا مخالِفَ في ذلك إلَّا أهلُ البِدَعِ).

وقال ابنُ رشد: (أجمع العُلَماءُ على أنَّ المطَلِّقَ للسُّنَّةِ في المدخولِ بها: هو الذي يطَلِّقُ امرأتَه في طُهرٍ لم يَمَسَّها فيه طلقةً واحدةً، وأنَّ المطَلِّقَ في الحَيضِ أو الطُّهرِ الذي مَسَّها فيه: غيرُ مُطَلِّقٍ للسُّنَّةِ).

وقال ابنُ قدامة: (أمَّا المحظورُ فالطَّلاقُ في الحيضِ، أو في طُهرٍ جامَعَها فيه، أجمع العُلَماءُ في جميعِ الأمصارِ وكُلِّ الأعصارِ على تحريمِه، ويُسَمَّى طلاقَ البِدعةِ؛ لأنَّ المطَلِّقَ خالَفَ السُّنَّةَ).