تقشف الوزراء مطلب شعبى
ترشيد الإنفاق الحكومى.. حبر على ورق
خبراء: الحكومة استغلت الحرب لرفع أسعار الوقود وتنفيذ شروط صندوق النقد
يجب على الحكومة أن تبدأ بنفسها بدلاً من تحميل المواطن كل الأعباء
مع كل حزمة إجراءات اقتصادية جديدة تعلنها الحكومة، يعود الحديث مجدداً عن ترشيد الإنفاق الحكومى، وهى الرسالة التى يكررها رئيس مجلس الوزراء مصطفى مدبولى فى أكثر من مناسبة، خاصة عقب اتخاذ قرارات اقتصادية حساسة، غير أن هذه التصريحات، رغم تكرارها، تثير فى المقابل تساؤلات متزايدة حول مدى انعكاسها فعلياً على أرض الواقع، ولماذا يشعر كثيرون بأن العبء الأكبر من إجراءات الإصلاح يقع على المواطن وحده دون أن يقابله خفض ملموس فى الإنفاق الحكومى.
خلال السنوات الأخيرة، أكدت الحكومة مراراً أنها تتبنى سياسة مالية أكثر انضباطاً تستهدف خفض المصروفات غير الضرورية، وتقليل الاعتماد على الدعم، وتحسين كفاءة إدارة الموارد العامة، فى إطار خطة إصلاح اقتصادى تهدف إلى تحقيق الاستدامة المالية وتعزيز قدرة الاقتصاد على مواجهة الصدمات. إلا أن هذه الوعود تصطدم فى كل مرة بإجراءات عملية يشعر المواطن بتأثيرها المباشر، مثل زيادات أسعار الطاقة والخدمات، وهو ما يعيد طرح السؤال نفسه فى كل مرة: أين ذهبت إجراءات ترشيد الإنفاق التى تعهدت بها الحكومة؟
يشير عدد من الاقتصاديين إلى أن المشكلة قد لا تكمن فى غياب خطط الترشيد بقدر ما ترتبط ببطء تنفيذها داخل الجهاز الإدارى للدولة، الذى يعد من أكبر الأجهزة البيروقراطية فى المنطقة وأكثرها تعقيداً. فإصلاح هيكل الإنفاق العام يتطلب إعادة هيكلة مؤسسات ضخمة ومتداخلة المصالح، وهو ما يجعل تنفيذ هذه السياسات عملية طويلة ومعقدة، قد لا تظهر نتائجها سريعاً على مستوى الموازنة العامة.
وتبقى أسعار الوقود فى قلب هذا الجدل، إذ تمثل الزيادات المتتالية فى أسعار الطاقة أحد أكثر القرارات الاقتصادية حساسية وتأثيراً على الحياة اليومية، فكل ارتفاع فى أسعار الوقود ينعكس مباشرة على تكاليف النقل والإنتاج والخدمات، وهو ما يؤدى بدوره إلى ارتفاع أسعار السلع فى الأسواق ويدفع معدلات التضخم إلى الصعود، ما يجعل المواطن يشعر سريعاً بآثار هذه القرارات.
وتبرر الحكومة عادة الزيادات بعدة عوامل اقتصادية، فى مقدمتها ارتفاع أسعار النفط عالمياً، وزيادة تكاليف الاستيراد والشحن، إلى جانب التوجه نحو تقليص دعم الطاقة تدريجياً ضمن برنامج الإصلاح الاقتصادى، كما تلعب التوترات الجيوسياسية العالمية دوراً إضافياً فى التأثير على قرارات التسعير، خاصة فى ظل الاضطرابات التى تشهدها منطقة الشرق الأوسط وما قد تسببه من تقلبات فى أسواق النفط العالمية.
وفى هذا السياق، يبرز دور صندوق النقد الدولى كأحد العوامل الرئيسية فى تفسير سياسات رفع أسعار الوقود، فالاتفاقات المالية بين مصر والصندوق تتضمن عادة حزمة من الإصلاحات الهيكلية التى تستهدف تقليل العجز المالى وتعزيز كفاءة الاقتصاد، ومن بينها تقليص دعم الطاقة تدريجياً، وتحسين كفاءة الإنفاق العام، وزيادة الإيرادات الحكومية، إلى جانب تحرير أسعار بعض السلع والخدمات.
وفى الوقت الذى تؤكد فيه الحكومة أن هذه الإجراءات ضرورية للحفاظ على استقرار الاقتصاد وتحقيق التوازن المالى، يرى منتقدون أن نجاح أى برنامج إصلاح اقتصادى لا يقاس فقط بقدرته على خفض العجز أو تحسين المؤشرات المالية، بل بمدى تحقيقه لتوازن عادل بين متطلبات الإصلاح الاقتصادى وحماية الفئات الأكثر تأثراً بالتضخم وارتفاع الأسعار.

وفى ذات السياق، أكد الدكتور عبدالنبى عبدالمطلب، الخبير الاقتصادى، أن الحديث عن ترشيد الإنفاق الحكومى ليس جديداً فى السياسات المالية للدولة، بل يعود إلى أوائل التسعينيات، حين بدأت الحكومة تنفيذ برامج لضبط المصروفات داخل المؤسسات والوزارات التابعة لها، فى محاولة للحد من الهدر وتحسين إدارة الموارد العامة.
وأوضح «عبدالمطلب»، فى حديثه لـ«الوفد»، أن الحكومة منذ عام 1990 وضعت برامج واضحة لترشيد النفقات، حتى أنها وزعت آنذاك دليلاً إرشادياً أو كتيباً خاصاً بترشيد الإنفاق الحكومى داخل الجهات الإدارية، يتضمن قواعد محددة لضبط المصروفات، خاصة فيما يتعلق باستخدام السيارات الحكومية، وتنظيم السفر والانتدابات الخارجية، إلى جانب ضوابط الإنفاق على البرامج التى تتطلب عملة أجنبية. والاعتماد على الشراء المركزى عبر هيئة الشراء الموحد لتقليل تكلفة المشتريات الحكومية وضمان كفاءة الإنفاق.
وأضاف الخبير الاقتصادى أن تصريحات رئيس مجلس الوزراء مصطفى مدبولى الأخيرة بشأن توجيه الحكومة نحو مزيد من ترشيد النفقات، والتى جاءت عقب قرار رفع أسعار الوقود، يمكن قراءتها فى إطار محاولة الحكومة توجيه رسالة للرأى العام مفادها أن الدولة أيضاً تتحمل جزءاً من أعباء الإصلاح الاقتصادى، فيما يشبه تطبيق مبدأ «لنبدأ بأنفسنا»، وهو ما قد يسهم فى تهدئة الغضب الشعبى الناتج عن القرارات الاقتصادية الصعبة.
وأشار «عبدالمطلب» إلى أن الواقع المالى للدولة يفرض ضغوطاً كبيرة على الحكومة، فى ظل وجود عجز واضح فى الموارد المالية مقارنة بحجم الالتزامات المتزايدة، موضحاً أن التحدى الأكبر الذى تواجهه المالية العامة يتمثل فى أعباء الدين العام. إذ إن الفوائد وأقساط الديون تلتهم الجزء الأكبر من إيرادات الدولة، ما يقلص من قدرة الحكومة على توجيه موارد أكبر إلى مجالات التنمية والخدمات العامة.
وتابع أن الظروف الاقتصادية الحالية تضع الحكومة أمام تحديات معقدة فيما يتعلق بالوفاء بالتزاماتها المالية الخارجية، خاصة أقساط الديون المستحقة. موضحا أن بعض الالتزامات المرتبطة بالربع الثانى من العام الجارى تمثل ضغطاً إضافياً على المالية العامة، فى ظل احتياجات الدولة المستمرة لتوفير العملة الأجنبية لتغطية هذه المدفوعات، وهو ما يفسر جزئياً تشدد الحكومة فى تطبيق إجراءات الإصلاح المالى.
وفيما يتعلق بمبررات رفع أسعار الوقود خلال الفترة الأخيرة، خاصة فى ظل التوترات الجيوسياسية فى المنطقة واحتمالات ارتفاع أسعار النفط عالمياً، يرى عبدالمطلب أن هذه العوامل قد تكون ساهمت فى تهيئة المناخ لاتخاذ القرار، لكنها ليست السبب الوحيد. وأكد أن مصر ملتزمة ببرنامج إصلاح اقتصادى متفق عليه مع صندوق النقد الدولى، يتضمن مجموعة من الالتزامات والإجراءات التى يجب تنفيذها، من بينها تحرير سعر الصرف، وإعادة هيكلة دعم الطاقة، وتحرير أسعار الوقود تدريجياً، إضافة إلى تنفيذ برنامج الطروحات الحكومية.
وأشار الخبير الاقتصادى إلى أن الحكومة ربما استفادت من الظروف الإقليمية الراهنة، مثل التوترات المرتبطة بالأوضاع فى المنطقة واحتمالات ارتفاع أسعار النفط، لتمرير بعض إجراءات البرنامج الاقتصادى المتفق عليه مع صندوق النقد، بما فى ذلك رفع أسعار الطاقة.
واختتم الخبير الاقتصادى تصريحاته بالتأكيد على أن القرارات الاقتصادية الحالية تعكس مزيجاً من الضغوط الداخلية المرتبطة بعجز الموارد وارتفاع الدين العام، والالتزامات الخارجية الناتجة عن برامج الإصلاح الاقتصادى، وهو ما يجعل الحكومة تتحرك فى مساحة ضيقة بين ضرورة ضبط المالية العامة من جهة، ومحاولة تخفيف الأعباء عن المواطنين من جهة أخرى.

أعباء إضافية.
من ناحية أخرى أكد الدكتور مصطفى أبو زيد، الخبير الاقتصادى، أن ما تشهده مصر فى السنوات الأخيرة من إجراءات اقتصادية لا يمكن فصله عن برنامج الإصلاح الاقتصادى الشامل الذى تبنته الحكومة، مشيراً إلى أن الدولة بذلت جهوداً كبيرة على مستوى السياسات المالية والنقدية لتحسين مناخ الاستثمار وتعزيز قدرة الاقتصاد على تحقيق معدلات نمو مستدامة.
وأوضح: «أبوزيد»، أن الحكومة المصرية عملت خلال الفترة الماضية على تنفيذ حزمة من الإجراءات الإصلاحية وسياسات التحفيز والتيسير بهدف جذب الاستثمارات الخاصة، سواء المحلية أو الأجنبية، إلى جانب التركيز على دعم القطاعات الإنتاجية القادرة على دفع النمو الاقتصادى، وفى مقدمتها قطاعات الصناعة والزراعة وتكنولوجيا المعلومات، لما لها من دور محورى فى زيادة الإنتاج وتعزيز القدرة التنافسية للاقتصاد المصرى.
وأشار إلى أن هذه الجهود انعكست بالفعل على عدد من المؤشرات الاقتصادية الكلية التى شهدت تحسناً ملحوظاً خلال الفترة الأخيرة. ومن أبرز هذه المؤشرات ارتفاع الاحتياطى النقدى من العملات الأجنبية لدى البنك المركزى المصرى ليصل إلى نحو 52.7 مليار دولار، وهو مستوى يعكس قدرة الاقتصاد على مواجهة التقلبات الخارجية وتأمين الاحتياجات الأساسية من السلع الاستراتيجية.
وأضاف أن القطاع المصرفى المصرى حقق أيضاً تطوراً لافتاً، حيث سجل فائض الأصول الأجنبية للقطاع المصرفى نحو 29.5 مليار دولار فى يناير الماضى، وهو ما يعد مؤشراً مهماً على تحسن مركز السيولة الدولارية داخل الجهاز المصرفى.
ورغم هذه المؤشرات الإيجابية، لفت أبوزيد إلى أن الاقتصاد المصرى لا يزال يتأثر بدرجة كبيرة بالتطورات الإقليمية والعالمية، خاصة تلك التى تؤثر على مصادر التدفقات الدولارية الرئيسية للاقتصاد. وتشمل هذه المصادر إيرادات قناة السويس، وقطاع السياحة، والاستثمار الأجنبى المباشر، إضافة إلى استثمارات الأجانب فى أدوات الدين الحكومية مثل أذون الخزانة، والتى يطلق عليها اقتصادياً «الأموال الساخنة».
وأوضح أن أى اضطرابات سياسية أو اقتصادية على المستوى الدولى تنعكس سريعاً على هذه التدفقات، كما تؤثر كذلك على قدرة الدولة فى تأمين احتياجاتها الاستيرادية من السلع الاستراتيجية مثل الطاقة والقمح، وهو ما يجعل الاقتصاد المصرى أكثر حساسية تجاه الأزمات العالمية.
وأشار الخبير الاقتصادى إلى أن هذه الضغوط دفعت الحكومة إلى اتخاذ عددا من الإجراءات الاحترازية بهدف تقليل الآثار التضخمية للتقلبات العالمية، ومن بين هذه الإجراءات ترشيد الإنفاق الحكومى من خلال تقليص بعض المصروفات غير الضرورية مثل إلغاء بعض الفعاليات والمؤتمرات وبرامج التدريب، إلى جانب تأجيل تنفيذ بعض المشروعات الجديدة مؤقتاً حتى تتضح الرؤية الاقتصادية العالمية.
وأضاف أن الدولة تتحمل بالفعل جزءاً كبيراً من تكلفة استيراد المواد البترولية فى ظل الارتفاعات الحادة فى أسعار الطاقة عالمياً، بينما يتم تمرير جزء آخر من هذه الزيادة إلى السوق المحلية عبر تعديل أسعار المواد البترولية، وهو ما حدث بالفعل خلال الأيام الماضية.
وأوضح «أبوزيد» أن هذه الزيادات فى أسعار الطاقة لا ترتبط فقط ببرنامج الإصلاح الاقتصادى أو توصيات صندوق النقد الدولى، بل ترتبط بشكل أساسى بالتغيرات الحادة فى أسعار الطاقة عالمياً. حيث ارتفع سعر برميل النفط من نحو 65 دولاراً قبل اندلاع التوترات والحرب فى المنطقة إلى ما يقرب من 93 دولاراً للبرميل خلال أيام قليلة، كما ارتفع سعر الغاز الطبيعى من نحو 13 دولاراً للمليون وحدة حرارية إلى حوالى 23 دولاراً.
وأكد أن هذه الفروق الكبيرة فى الأسعار تعنى عملياً مليارات الجنيهات من الأعباء الإضافية على الموازنة العامة للدولة، خاصة فى ظل استمرار احتياجات مصر لاستيراد جزء من احتياجاتها من الطاقة، وهو ما يزيد من الضغوط على المالية العامة التى تعانى بالفعل من مستويات مرتفعة من العجز.
وأنهى «أبوزيد» حديثه بالتأكيد على أن مواجهة هذه التحديات تتطلب استنهاضاً اقتصادياً واسعاً يقوم بالأساس على زيادة مساهمة القطاعات الإنتاجية، وعلى رأسها الصناعة والزراعة، باعتبارهما العمود الفقرى لقوة الاقتصاد وصلابته، فتعزيز الإنتاج المحلى يسهم فى زيادة المعروض من السلع داخل السوق، ويعزز الأمن الغذائى للدولة، كما يقلل من درجة انكشاف الاقتصاد على الأسواق الخارجية، خاصة من خلال زيادة الصادرات وتقليص الفجوة بين الواردات والصادرات، وهو ما يمثل المسار الأكثر استدامة لدعم الاقتصاد المصرى فى مواجهة الأزمات العالمية.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض