تأملات
بعيداً عن تقييم ما يجرى على صعيد جبهة الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، فى إطارها الأشمل، فإن تطورا أساسيا فى مسار هذه الحرب يكشف عن عزلة الولايات المتحدة وكيف أن الرئيس الأمريكى ترامب يقف وحيدا فى خوضها ما ينزع عنها أية شرعية أو حتى حصولها على الدعم المباشر أو غير المباشر من حلفائه. يتمثل ذلك فى طلب ترامب المساندة الدولية من مجموعة الدول الرئيسية المستفيدة من حرية الملاحة فى مضيق هرمز من أجل ضمان فتحه لتدفق النفط فى ضوء قيام إيران باغلاقه كجزء من ردها على الإعتداء عليها.
وإذا كان من المفهوم أن تقف الصين موقف اللامبالاة باعتبار أنها لم تتأثر كثيرا حيث تسمح طهران بمرور السفن التى تنتمى للدول الصديقة، وكذا ما قد يكون وقوفاً ضمنياً من بكين إلى جانب صديقتها إيران، فإن الموقف الأكثر غرابة ومدعاة للدهشة هو موقف الدول الغربية الأعضاء فى حلف الناتو.
لقد راحت هذه الدول تعلن وبدون مواربة رفضها التدخل مهما كان حجم تأثرها من غلق المضيق. ورغم تباين مواقف العواصم الأوروبية فى حدة الرفض للدعوة الأمريكية إلا أنها تكاد وبالإجماع أن تكون على ذات الموقف وربما كان موقف ألمانيا الأكثر دلالة فى ضوء تماهيها مع الموقف الأمريكى الإسرائيلى ضد إيران، حيث راحت تعلن أن حرب إيران لا علاقة لها بحلف شمال الأطلنطى وأنها لن تشارك فى الحرب ولن تساهم فى إبقاء هرمز مفتوحا بالوسائل العسكرية. كما يشير موقف بريطانيا إلى حجم التصدع فى العلاقات داخل الناتو ووضع الولايات المتحدة فيه، حيث اعلن رئيس الوزراء البريطانى تحفظه على الفكرة، مشيراً إلى حرصه على عدم الانجرار وراء مواقف الولايات المتحدة بالشكل الذى ربما يجعل بلاده تبدو وكأنها تابعة لواشنطن.
فى الحقيقة فإن دلالة هذا التطور تتعدد ليس فقط على صعيد موقف القوى الغربية من الحرب الإيرانية فقط وإنما على صعيد علاقاتها مع الولايات المتحدة ووضع هذه الأخيرة فى النظام الدولى. صحيح أن العواصم الغربية تتخذ موقفا مناوئا لطهران يرتقى لحد العداء تحت دعاوى مختلفة الكثير منها لا تستند إلى أسس موضوعية، لكنها ترى فى حرب ترامب ما يمكن وصفه بحرب اختيار وليس حرب ضرورة، وهو ما يضعف من وجاهة الأسباب والوضع الذى تخوض واشنطن على اساسه الحرب ضد إيران، ويفقدها ليس فقط التأييد الدولى وإنما أيضا تأييد الحلفاء على عكس النمط الذى ساد فى علاقات دول الأطلنطى من قبل الذى ربما قام على ما يمكن وصفه بـنصرة الأخ (الولايات المتحدة) ظالماً أم مظلوماً، وهو ما بدا على أفضل ما يكون كما أشرنا فى مقال سابق فى تأييد الحرب الأمريكية على العراق خلال حكم نظام صدام حسين.
من بين دلالات ذلك التطور أن الولايات المتحدة لم تعد تلك القوة التى تأمر فتطاع، وهو ما ينزع عنها صفة القوة المهيمنة على مقدرات النظام الدولى، وتأكل هذه الهيمنة، فضلا عما يكشف عنه من تصدع حلف الناتو بشكل ربما يجعله على المستوى الواقعى وكأنه شئ من الماضى، وهو أمر قادت اليه مواقف ترامب سواء تلك الخاصة بمساعى ضم جرينلاند أو تلك الخاصة بالتخلى عن دعم أوكرانيا واعتبار أن ذلك الدعم من أخطاء إدارة بايدن.
فى النهاية، فإنه بغض النظر عن نهايات الحرب على إيران، فإن كل المؤشرات تشير إلى تداعى القوة الأمريكية، وأن العالم مقبل على شكل جديد لتوزيع القوى قد تكون الولايات المتحدة أحد أكبر الخاسرين فيه.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض