تشعلها الدول الكبرى والدول النامية تدفع الثمن
كيف تواجه مصر حرب الطاقة?
أسعار النفط تمارس ضغوطها على الموازنة العامة
خبراء: الأزمات العالمية فرصة للتوسع فى مصادر الطاقة البديلة
تعيش أسواق الطاقة العالمية حالة من الاضطراب فى ظل تصاعد التوترات السياسية بين الدول الكبرى، الأمر الذى أعاد طرح مفهوم حرب الطاقة من جديد بعدما تحولت الطاقة من مجرد مورد اقتصادى إلى أداة نفوذ تستخدمها الدول لتعزيز قوتها السياسية والاقتصادية، ولم تعد الطاقة تقتصر على كونها مصدر لتلبية احتياجات التشغيل، بل أصبحت عنصرا مؤثرا فى موازين القوة العالمية، حيث تسعى الدول الكبرى إلى تأمين مصادرها من النفط والغاز وضمان السيطرة على مسارات الإمدادات.
ومع كل أزمة دولية أو توتر سياسى تتأثر أسعار النفط والغاز بشكل مباشر، وهو ما ينعكس بدوره على اقتصادات العديد من الدول، خاصة تلك التى تعتمد على استيراد جزء من احتياجاتها من الطاقة. ولا تقتصر تداعيات هذه الصراعات على الدول المنتجة فقط، بل تمتد آثارها إلى دول أخرى ليست طرفًا مباشرًا فى النزاع، لكنها تتأثر بتقلبات الأسعار وتغيرات سوق الطاقة العالمى.
وتأتى مصر ضمن الدول التى تتابع هذه التطورات باهتمام، فى ظل ارتباط اقتصادها بحركة الأسواق العالمية للطاقة، سواء من خلال تأثيرها على تكلفة الإنتاج والنقل أو على أسعار السلع والخدمات داخل السوق المحلى. وفى الوقت نفسه، تطرح هذه التحولات تساؤلات حول مستقبل الصراع على الطاقة عالميًا، وما إذا كانت المنافسة على مصادر النفط والغاز قد تقود إلى إعادة تشكيل خريطة النفوذ السياسى والاقتصادى بين الدول خلال السنوات المقبلة.
وفى هذا السياق قال الخبير الاقتصادى الدكتور على الإدريسى، إن مصر تستورد نحو 30% من احتياجاتها من المنتجات البترولية، ما يجعلها تتأثر بأى ارتفاع فى أسعار النفط عالميا، موضحا أن زيادة سعر برميل النفط يضع ضغوطًا إضافية على الموازنة العامة للدولة، خاصة أن الحكومة تضع سعر تقديرى للنفط عند إعداد الموازنة، وإذا تجاوز السعر العالمى هذا التقدير تضطر الدولة إلى تغطية الفارق من بنود أخرى.
وأضاف أن ارتفاع أسعار النفط لا ينعكس فقط على الموازنة، بل يمتد تأثيره إلى السوق المحلى، حيث يؤدى إلى زيادة تكلفة النقل والإنتاج، وهو ما قد ينعكس بدوره على أسعار السلع والخدمات التى يتحملها المستهلك فى النهاية.
وأشار «الإدريسى» إلى أن قطاع النقل والخدمات اللوجستية يعد من أكثر القطاعات تأثرا بارتفاع أسعار الوقود، نظرا لاعتماده المباشر على المشتقات البترولية، إلى جانب القطاع الزراعى بسبب زيادة تكلفة تشغيل المعدات الزراعية ونقل المحاصيل، فضلا عن بعض الصناعات التى تعتمد بشكل كبير على الطاقة فى عمليات الإنتاج.
وأكد أن الدولة تمتلك بعض الأدوات للتعامل مع تقلبات أسعار النفط، من بينها آلية التسعير التلقائى للوقود التى تربط الأسعار المحلية بالأسعار العالمية، إضافة إلى التوسع فى زيادة الإنتاج المحلى من النفط والغاز الطبيعى لتقليل فاتورة الاستيراد.
ولفت إلى أن الأزمات العالمية فى سوق الطاقة قد تمثل فى الوقت نفسه فرصة للتوسع فى مصادر الطاقة البديلة، مثل الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، خاصة فى ظل توجه الدولة خلال السنوات الأخيرة إلى تعزيز الاعتماد على الطاقة النظيفة وتقليل الاعتماد على الوقود التقليدى.
تقلبات أسعار النفط
واستكملت الحديث الدكتورة مروة لاشين، الخبيرة الاقتصادية، مؤكدة أن تقلبات أسعار النفط العالمية أصبحت من العوامل المؤثرة بشكل واضح على الاقتصاد المصرى، فى ظل ارتباط الطاقة بمعظم القطاعات الإنتاجية والخدمية، مشيرة إلى أن أى تغير فى أسعار النفط ينعكس بشكل مباشر على تكلفة الطاقة داخل السوق المحلى.
وقالت «لاشين» إن أسعار النفط شهدت خلال السنوات الأخيرة تذبذبا ملحوظا، إذ تراوح سعر البرميل عالميًا بين نحو 70 و90 دولارًا فى فترات مختلفة، لافتة إلى أن ارتفاع الأسعار فوق هذه المستويات يؤدى إلى زيادة تكلفة استيراد المنتجات البترولية، وهو ما يمثل ضغطا إضافيا على الموازنة العامة للدولة.
وأكدت أن ارتفاع أسعار الوقود يعد من العوامل المؤثرة فى معدلات التضخم، موضحة أن زيادة تكلفة الطاقة تؤدى إلى ارتفاع تكاليف النقل والإنتاج، وهو ما ينعكس فى النهاية على أسعار العديد من السلع والخدمات داخل السوق.
وأضافت أن تكاليف النقل والطاقة تدخل بشكل مباشر فى تسعير نسبة كبيرة من السلع الأساسية، الأمر الذى يجعل أى زيادة فى أسعار الوقود تنتقل تدريجيًا إلى أسعار الغذاء والمنتجات الصناعية والخدمات المختلفة.
وأوضحت أن بعض القطاعات الاقتصادية تعد الأكثر تأثرًا بارتفاع أسعار الطاقة، من بينها قطاع النقل والمواصلات الذى يعتمد بشكل شبه كامل على الوقود، إضافة إلى قطاع الصناعة، خاصة الصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة مثل الأسمنت والحديد والأسمدة، إلى جانب القطاع الزراعى الذى يعتمد على الوقود فى تشغيل المعدات الزراعية ونقل المحاصيل.
وأكدت «لاشين» أن الصراعات الجيوسياسية تلعب دورًا مهمًا فى تحديد اتجاهات أسعار النفط العالمية، مشيرة إلى أن التوترات فى مناطق إنتاج الطاقة أو على طرق الإمداد الدولية قد تؤدى إلى اضطرابات فى الأسواق وارتفاع الأسعار.
وقالت إن العالم شهد خلال السنوات الأخيرة عدة أزمات طاقة أدت إلى زيادة أسعار الوقود عالميًا، وهو ما ساهم فى ارتفاع معدلات التضخم فى العديد من الدول وتباطؤ النمو الاقتصادى العالمى.
وأشارت إلى أن مصر اتخذت خلال السنوات الأخيرة عدة خطوات لتقليل تأثير تقلبات أسعار النفط، من بينها التوسع فى مشروعات الطاقة المتجددة مثل الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، خاصة فى مشروع مجمع بنبان للطاقة الشمسية، إلى جانب زيادة إنتاج الغاز الطبيعى بعد الاكتشافات التى شهدها البحر المتوسط.
واختتمت حديثها بالتأكيد على أن تقلبات أسعار النفط ستظل أحد العوامل المؤثرة على الاقتصاد المصرى، سواء من خلال تأثيرها على الموازنة العامة أو على مستويات التضخم وأسعار السلع، مشيرة إلى أهمية التوسع فى مصادر الطاقة البديلة وتحسين كفاءة استخدام الطاقة لمواجهة هذه التحديات.
حروب قديمة جديدة
ومن جانبه اعتبر الدكتور محمد صادق إسماعيل، أستاذ العلوم السياسية مدير المركز العربى للدراسات السياسية والاستراتيجية، أن الحروب القادمة ستكون حروب تعتمد بشكل كبير على الطاقة، وليست حروب جديدة بالمعنى الكامل بل يمكن وصفها بأنها «حروب قديمة جديدة».
وأوضح أن الصراعات بين الدول الكبرى، مثل الولايات المتحدة الأمريكية وعدد من الدول الأخرى، ترتبط بشكل أساسى بمسألة مصادر الطاقة، خاصة أن بعض الدول تمتلك موارد وفيرة فيما تعانى أخرى من نقص هذه المصادر.
وقال «إسماعيل» إن الأزمة فى أمريكا الجنوبية تعتبر مثالًا واضحًا على ذلك، حيث تحاول الولايات المتحدة تحت قيادة دونالد ترامب، فرض النفوذ على دول مثل فنزويلا والمكسيك وغيرها، بهدف السيطرة على موارد الطاقة.
وأضاف أن الشرق الأوسط يشكل أيضًا محورًا رئيسيًا فى هذا الصراع باعتباره مصدرًا مهمًا للطاقة العالمية. وأكد أن الصين بدورها تراهن على تأمين إمدادات الطاقة، سواء من الخليج أو من مصادر أخرى، بينما تحرص الولايات المتحدة على تأمين موارد الطاقة لديها بشكل استراتيجى، اعتقادًا منها بأن من يسيطر على الطاقة يسيطر على العالم.
وأوضح «إسماعيل» أن الحروب المستقبلية ستعتمد بدرجة كبيرة على إمدادات الطاقة ومصادرها، مما يعطى أهمية استراتيجية للدول التى تمتلك مخزونات كبيرة سواء من الاحتياطيات أو من الإنتاج العالمى القوى. وأضاف أن جزءً كبيرًا من الصراع الحالى بين الولايات المتحدة والصين يرتبط أيضًا بالطاقة وسبل تأمينها.
وأشار «إسماعيل» إلى أن الحرب الروسية الأوكرانية أكدت هذا النموذج، بعد أن كانت روسيا توفر إمدادات الطاقة والنفط لدول أوروبا، إلا أن هذه الإمدادات توقفت بعد فبراير 2022 نتيجة موقف دول أوروبا الداعم لأوكرانيا ضمن حلف الناتو، ما تسبب فى أزمة كبيرة فى الطاقة. وقال إن بعض الدول لجأت لتعويض النقص عبر الطاقة الخليجية وغيرها، لكن مشكلة الاعتماد على مصادر الطاقة التقليدية لا تزال قائمة، ما دفع البعض للتركيز على مصادر الطاقة المتجددة والبديلة، بما فى ذلك الطاقة الخضراء والاقتصاد الأخضر، كخيار طويل المدى لتقليل النزاع المستقبلى على الموارد التقليدية.
وأكد «إسماعيل» أن الطاقة لم تعد مجرد مورد اقتصادى، بل أصبحت أداة استراتيجية للنفوذ والسيطرة على السياسات الدولية، وأن السيطرة على مصادرها ستظل محورًا أساسيًا للصراعات المستقبلية بين القوى الكبرى.

تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض