رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

خارج السرب

الزمن مخلوق مثله مثل سائر مخلوقات الخالق يأتمر بأمره، وحاله فى هذا حال موجودات الكون بمن وما فيه. ولعل عند قراءتك لسورة الكهف تطالعك آية من آيات الله يتوقف فيها الزمن بأمر الخالق داخل الكهف الذى آوى الفتية المؤمنين فى مشهد لافت وآية معجزة تستحق التأمل والتوقف كثيرًا عندها، ففتية الكهف قد آمنوا بالله ورفضوا الانصياع كما القطيع بالكفر به، فأراد الله أن ينصفهم، فجعلهم آية للبشر بأن أخضع الزمن، هذا المخلوق العاتى الذى يمر حكمه على الخلائق أجمعين، فلا يستطيع جبابرة البشر وأعتاهم وملوكهم فعل شيئًا إزاءه، فيهزمهم شر هزيمة ولكن الله أخضعه، فكانت رسالة للبشر أن آمنوا بخالقكم، خالق الزمان والمكان وخالق كل شىء «إنما أمره إذا أراد شيئًا أن يقول له كن فيكون»، فتوقف الزمن داخل الكهف، أما خارج جدرانه فقد كان يسير سيرته الطبيعية فراحوا فى سبات عميق تجاوز ثلاثة قرون، تغير فيها ما تغير واختلف المكان والبشر وكل شىء من حولهم، ثم بعثهم ثانية ليكونوا آية لمن حولهم وليثبتوا بالدليل المادى الذى لا يقبل الشك أن لا شىء يُعجز الخالق وأن الإيمان به هو الجوهر الثابت الخالد الذى لا يتغير.

ولعل من الآيات اللافتة فى هذه السورة الكريمة ما يتعلق بقصة سيدنا موسى عليه السلام وسيدنا الخضر فرغم ما بلغه سيدنا موسى من علم باعتباره من أنبياء الله وكليم رب العالمين، فإن إصراره على ملاقاة الخضر كان ليقينه بأن ثمة علمًا يجهله ولا يدرى عنه شيئًا يجب أن يتعلمه وهو علم مختلف عن علم الأرضين والأنبياء، إنه علم غيبى فتح الله به عليه فكان رمزًا للقدر الذى لا تحجب أسراره عن البشر كافة سوى من خصه الله بحكمته وقدرته وما كان لموسى أو لغيره من الأنبياء أن يصل إليه.

ورغم يقين «الخضر» أن «موسى» لن يطيق ما سيشاهده فى تلك الرحلة وأن صفة التعجل الملازمة للإنسان ستغلبه ولن يطيق صبرًا إزاءها وأن ثمة أشياء وأحداث تبدو فى ظاهرها متناقضة تمامًا مع باطنها، وتلك شيمة القدر مع البشر، فثمة ما يحدث للإنسان يبدو فى ظاهره الشر ولكنه يحمل الخير كل الخير فيتيقن بحكمة الله مثل ما حدث فى خرق السفينة التى أحدثت هلعًا بين روادها ولكن عندما علموا أن ذلك الحادث أنقذ تلك السفينة من السلب من قبل الملك الظالم حمدوا ربهم وشكروه كثيرًا.

وهناك من القدر ما يقف أمامه المرء عاجزًا عن فهم الحكمة منه وقد يتألم من حدوثه كحادث قتل الغلام الذى يبدو جريمة نكراء فى نظر الوالدين إذ قتل غلامهما على يد رجل غريب فلن يدروا ما حيوا لماذا قتل وتظل الإجابة لصيقة ذهنيهما ولم يدريا أن الله تعالى جنب بقتله الكثير من الويلات، وكان قتله بمثابة اختبار عظيم للوالدين الذين آلمهما ذلك الحادث ولكن الله الذى يعلم خبيئة ذلك الغلام الخبيث قد علم ما تنطوى عليه نفسه من شر كبير أحدثه وسيحدثه فكان أن قتله الخضر فكان قتله لدرء شر عظيم.

أما بناء الجدار بالنسبة للغلامين اليتيمين فهو مثال واضح للقدر الذى لا يدرى به المخلوق فلا الغلامان علما من بنى الجدار ولن يعلما وقد قدره الله لحماية حقهما فى المستقبل وهو قدر ضمن أقدار كثيرة تحدث ولا يدرى عنها الإنسان شيئًا تنطوى عليها حكمة الخالق فى تصريف الكون دون أن تدرى مخلوقاته عنها أجمعين.

فكثير ما يقابلنا مثل هذه المواقف إذ تتعرض لمحنة شديدة تجردك من شخص عزيز لديك أو شىء ثمين على قلبك فتمر بأسوأ الأوقات ولكن حينما يمر الزمن تجد أنك اكتسبت درسًا لا يقدر بثمن أو أن هذا الموقف جنبك الله فيه موقفًا أشد سوءًا، وثمة أمور قد لا تفقه لماذا حدثت وهنا يأتى دور الإيمان والتسليم بالقدر وبحكمة الله التى تترسخ فى قلبك بأن الأمور كلها تحمل الخير للإنسان وذلك مناط الإيمان فقدر الله تعالى كله خير، فلا تأخذ بظواهر الأمور، إذ إن حكمة الخالق تتجاوز حدود العقل، والكون يسير بمشيئة العلى القدير.