رغم تراجع البطالة إلى %6.2
الحرب الإقليمية تهدد الإنتاج والوظائف
تراجع معدل البطالة فى مصر إلى 6.2% خلال الربع الرابع من عام 2025 مقابل 6.4% فى الربع الثالث، وفق بيانات الجهاز المركزى للتعبئة العامة والإحصاء، فى مؤشر يعكس تحسنًا تدريجيًا فى سوق العمل بعد مرحلة من الضغوط الاقتصادية التى شهدها عامى 2023 و2024 نتيجة أزمة العملة وارتفاع معدلات التضخم.
ويرى خبراء اقتصاد أن هذا الانخفاض جاء مدعومًا بعودة النشاط الاستثمارى خلال العامين الماضيين، سواء من خلال التوسع فى المشروعات الصناعية داخل المناطق الاقتصادية، أو النشاط المتزايد فى القطاع العقاري، إلى جانب جهود الدولة فى جذب الاستثمار الأجنبى المباشر وتوطين الصناعة. وقد ساهمت هذه القطاعات فى خلق فرص عمل مباشرة وغير مباشرة، ما انعكس على تراجع أعداد المتعطلين وارتفاع حجم قوة العمل.
لكن الخبراء يشيرون فى الوقت نفسه إلى أن استمرار التوترات الجيوسياسية فى المنطقة، خاصة فى ظل الحرب الإيرانية–الإسرائيلية الأمريكية، قد يضع سوق العمل أمام اختبار جديد خلال الفترة المقبلة، نظرًا لارتباط النشاط الإنتاجى المحلى بسلاسل الإمداد العالمية ومدخلات الإنتاج المستوردة.
وفى هذا السياق، أكد الدكتور مصطفى أبو زيد، مدير مركز مصر للدراسات الاقتصادية، أن تراجع معدل البطالة خلال الفترة الأخيرة يرتبط بشكل مباشر بعودة النشاط الاستثمارى بعد تجاوز تداعيات أزمة شح الدولار وارتفاع التضخم خلال عامى 2023 و2024، موضحًا أن استقرار سعر الصرف وتحسن مناخ الاستثمار أعادا الزخم إلى قطاعات إنتاجية قادرة على خلق فرص عمل حقيقية.
وأوضح أن الدولة ركزت خلال العامين الماضيين على جذب استثمارات أجنبية مباشرة موجهة لقطاعات ذات قيمة مضافة، وعلى رأسها الصناعة داخل المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، حيث تم التوسع فى إنشاء مشروعات صناعية ولوجستية تستهدف توطين التكنولوجيا وتعميق التصنيع المحلي. وأشار إلى أن هذه المشروعات لا توفر فقط فرص عمل مباشرة داخل المصانع، بل تخلق وظائف غير مباشرة عبر الصناعات المغذية وسلاسل الإمداد والخدمات المرتبطة.
وأضاف أن القطاع العقارى كان أيضًا من القطاعات الداعمة لانخفاض البطالة، خاصة مع التوسع فى تنفيذ مشروعات عمرانية وسياحية كبرى، وهو قطاع يتميز بكثافة عمالية مرتفعة، وقدرته على تحريك أكثر من نشاط اقتصادى فى الوقت نفسه، من مواد البناء إلى النقل والخدمات.
فى المقابل، حذر الدكتور مصطفى أبو اليزيد، الخبير الاقتصادي، من أن استمرار التوترات الإقليمية والحرب فى المنطقة لفترة طويلة قد ينعكس سلبًا على سوق العمل، موضحًا أن التأثير المحتمل يرتبط بالمدة الزمنية لاستمرار العمليات العسكرية.
وأوضح أبو اليزيد أن التأثير لن يظهر بصورة فورية على المدى القصير، لكنه قد يتزايد إذا استمرت الحرب لأكثر من شهر، نظرًا لارتباط النشاط الصناعى فى مصر بدرجة كبيرة بمدخلات إنتاج مستوردة من الخارج. وأشار إلى أن أى اضطرابات فى سلاسل الإمداد العالمية أو ارتفاع تكاليف الشحن والطاقة قد تؤدى إلى زيادة تكلفة الإنتاج المحلي.
وأضاف أن ارتفاع تكلفة الاستيراد نتيجة زيادة أسعار الطاقة واضطراب سلاسل الإمداد قد يدفع بعض الشركات إلى تقليص حجم الإنتاج أو تأجيل خطط التوسع، وهو ما قد ينعكس بدوره على مستويات التشغيل داخل المصانع، خاصة فى القطاعات كثيفة العمالة.
وأشار إلى أن بعض المنتجين قد يلجأون فى هذه الحالة إلى خفض التكاليف التشغيلية لمواجهة الضغوط التضخمية، وهو ما قد يشمل تقليل العمالة أو تأجيل التعيينات الجديدة، ما يعنى أن استمرار التوترات لفترة طويلة قد يبطئ وتيرة تحسن سوق العمل.
وأوضح أن الحرب تؤثر على الإنتاج من عدة زوايا اقتصادية فى الوقت نفسه، إذ تؤدى إلى ارتفاع أسعار الطاقة عالميًا، وهو ما يزيد من تكلفة تشغيل المصانع والنقل والشحن، كما قد تتسبب فى تعطّل بعض خطوط الإمداد أو تأخر وصول مستلزمات الإنتاج، الأمر الذى يؤثر على استقرار العملية الإنتاجية داخل الشركات.
وأضاف أن اضطراب سلاسل الإمداد العالمية ينعكس كذلك على معدلات التضخم، سواء من خلال ما يُعرف بـ«التضخم المستورد» الناتج عن ارتفاع أسعار السلع المستوردة، أو التضخم المحلى الناتج عن ارتفاع تكلفة الإنتاج والنقل داخل السوق، وهو ما قد يدفع الشركات إلى إعادة تقييم خططها الإنتاجية خلال فترات عدم اليقين.
من جانبه، أكد الدكتور سيد خضر، الخبير الاقتصادى، أن تراجع معدل البطالة إلى 6.2% يمثل مؤشرًا إيجابيًا ينعكس بشكل مباشر على تحسين مستوى المعيشة وخفض معدلات الفقر، مشيرًا إلى أن خلق فرص العمل يظل الأداة الأكثر فاعلية فى تعزيز الاستقرار الاجتماعى ودعم القوة الشرائية للأسر.
وأوضح خضر أن قطاع الاستثمار العقارى كان من أبرز القطاعات التى ساهمت فى خفض معدلات البطالة خلال الفترة الأخيرة، لا سيما مع التوسع فى تنفيذ مشروعات عمرانية وسياحية كبرى، خاصة فى مناطق الساحل المصري، والتى تعتمد على كثافة عمالية مرتفعة وتوفر فرص عمل مباشرة وغير مباشرة فى مجالات التشييد ومواد البناء والنقل والخدمات المرتبطة.
وأشار إلى أن توجه الدولة نحو توطين الصناعة من خلال إنشاء المجمعات الصناعية وتعميق التصنيع المحلى لعب دورًا مهمًا فى تنشيط سوق العمل، موضحًا أن هذه السياسة تستهدف خلق وظائف مستدامة وتقليل الاعتماد على الاستيراد، بما يدعم الاستقرار الاقتصادى على المديين المتوسط والطويل.
وتوقع خضر أن يشهد معدل البطالة مزيدًا من الانخفاض خلال الفترة المقبلة مع استمرار تنفيذ المشروعات القومية وزيادة الاستثمارات الخاصة وتحسن مناخ الأعمال، لكنه شدد على أن استدامة هذا الاتجاه تتطلب الحفاظ على معدلات نمو مرتفعة وتوسيع قاعدة الإنتاج المحلي، بما يقلل من تأثير أى اضطرابات خارجية على النشاط الاقتصادى وسوق العمل.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض