بعد التحديات الجديدة
«معدل النمو» يخوض اختبارًا صعبًا فى 2026
محاولة الثبات على 4.4٪ وصعوبة تحقيق توقعات صندوق النقد
يخوض الاقتصاد المصرى اختبارًا صعبًا وأكثر تعقيدًا فى العقد الحالى فى ظل طبول الحرب فى المشرق العربي، وتتصاعد حدة المواجهة العسكرية المباشرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، ففى الوقت الذى بدأت فيه مصر جنى ثمار صفقات استثمارية كبرى مثل «رأس الحكمة»، أعادت التوترات الجيوسياسية فى مارس 2026 خلط الأوراق مرة أخرى.
وتظهر المؤشرات الاقتصادية أن الاقتصاد المصرى كان قد بدأ بالفعل مرحلة تعافٍ تدريجى قبل تصاعد التوترات، إذ ارتفع معدل نمو الناتج المحلى الإجمالى إلى نحو 4.4% خلال العام المالى 2024/2025، بينما تراجعت معدلات التضخم إلى 11.9% فى يناير 2026 بعد فترة من الارتفاعات القياسية التى بلغت ذروتها عند نحو 38% فى عام 2023، وهو ما يعكس أثر السياسات النقدية المتشددة وبرنامج الإصلاح الاقتصادى المدعوم من صندوق النقد الدولي.
وتشير تقديرات صندوق النقد الدولى إلى أن الاقتصاد المصرى مرشح لتحقيق نمو يقترب من 4.7% خلال العام المالى 2025/2026، مع إمكانية ارتفاعه إلى نحو 5.4% فى العام المالى التالى إذا استمرت الإصلاحات الاقتصادية وتحسن مناخ الاستثمار.
لكن هذه التوقعات الإيجابية تواجه تحديات جديدة مع تصاعد التوترات العسكرية فى المنطقة، إذ أدت الحرب الجارية إلى اضطرابات فى أسواق الطاقة والنقل البحرى والتجارة الإقليمية، وهى عوامل تضغط مباشرة على الاقتصاد المصري.
وأدت الحرب الأمريكية الإيرانية - الإسرائيلية إلى ارتفاع تكاليف الطاقة عالميًا، وهو ما دفع الحكومة المصرية إلى رفع أسعار الوقود محليًا بنسبة تراوحت بين 14% و17% خلال عام 2026 لمواجهة ارتفاع تكلفة الاستيراد، كما انعكست التوترات العسكرية على حركة التجارة والاستثمارات، إذ شهدت الأسواق المالية المصرية خروج استثمارات أجنبية من أدوات الدين الحكومية بقيمة تراوحت بين 5 و8 مليارات دولار خلال فترة قصيرة، وهو ما زاد الضغط على سعر صرف الجنيه المصري.
وفى نفس السياق، تجاوز سعر صرف الجنيه مستوى 52 جنيهًا مقابل الدولار فى بعض الفترات، وهو ما يزيد تكلفة الواردات خاصة الطاقة والسلع الغذائية، ويضيف ضغوطًا تضخمية على الاقتصاد المحلي.
كما تواجه مصر تحديًا إضافيًا يتمثل فى ارتفاع تكلفة النقل والتأمين على الشحنات البحرية فى منطقة الشرق الأوسط، وهى منطقة تمثل شريانًا حيويًا للتجارة العالمية عبر قناة السويس، حيث تؤثر أى اضطرابات فى البحر الأحمر أو الخليج على إيرادات القناة وحركة التجارة.
وعلى الرغم من هذه التحديات، يمتلك الاقتصاد المصرى عددًا من عوامل الصمود التى قد تساعده على تجاوز تداعيات الأزمة الإقليمية، إذ تمتلك مصر احتياطيات نقدية أجنبية تقارب 53 مليار دولار، إضافة إلى دعم مالى دولى واستثمارات خارجية كبيرة.
ومن أبرز هذه الاستثمارات الاتفاق الاستثمارى الكبير مع دولة الإمارات والذى بلغت قيمته نحو 35 مليار دولار، إلى جانب برنامج تمويلى من صندوق النقد الدولى بقيمة 8 مليارات دولار لدعم الإصلاحات الاقتصادية، وتلعب هذه التدفقات المالية دورًا مهمًا فى استقرار الاقتصاد الكلى ودعم قدرة الحكومة على تمويل مشروعات البنية التحتية والاستثمار فى قطاعات الإنتاج والتصدير.
وفيما يتعلق بالتضخم، تشير التوقعات إلى استمرار الاتجاه النزولى خلال السنوات المقبلة، إذا استقرت أسعار الطاقة العالمية، حيث يتوقع البنك المركزى المصرى أن يبلغ متوسط التضخم نحو 12% خلال العام المالى 2025/2026، مع تراجع محتمل إلى نحو 9% فى العام التالي، لكن استمرار الصراع الإقليمى قد يؤدى إلى إبطاء هذا التراجع، إذ ترتبط معدلات التضخم فى مصر بشكل مباشر بأسعار الطاقة والغذاء عالميًا، وهما من أكثر القطاعات تأثرًا بالتوترات الجيوسياسية.
أما على مستوى الاستثمارات، فقد يشهد الاقتصاد المصرى زيادة فى الاستثمارات الأجنبية المباشرة إذا استمرت الإصلاحات الاقتصادية وتحسن مناخ الأعمال، خاصة فى قطاعات السياحة والصناعة والطاقة المتجددة، حيث إنه من المتوقع أن يصل حجم الناتج المحلى الإجمالى لمصر إلى نحو 407 مليارات دولار بحلول نهاية عام 2026.
وفى هذا السياق، يبرز سيناريوهان رئيسيان لمسار الاقتصاد المصرى خلال عام 2026، الأول يقوم على احتواء الصراع الإقليمى خلال فترة قصيرة، وهو ما قد يسمح للاقتصاد المصرى بالاستفادة من تعافى السياحة وعودة الاستثمارات الأجنبية وتحقيق معدلات نمو قريبة من 5%.
أما السيناريو الثانى فيرتبط باستمرار التوترات العسكرية لفترة طويلة، وهو ما قد يؤدى إلى ارتفاع أسعار الطاقة العالمية، وتراجع حركة التجارة، وزيادة الضغوط التضخمية، وهو ما قد يبطئ وتيرة النمو الاقتصادي.
وبين هذين السيناريوهين يقف الاقتصاد المصرى عند نقطة توازن حساسة، إذ يعتمد مسار عام 2026 بدرجة كبيرة على تطورات المشهد الجيوسياسى فى المنطقة، ومدى قدرة الحكومة على إدارة الصدمات الخارجية عبر سياسات مالية ونقدية مرنة تحافظ على الاستقرار الاقتصادى وتدعم النمو.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض