معدلات النمو.. حبر علي ورق
ثمار الإصلاح الاقتصادى «محرمة» على المصريين
مواطنون: نسمع عن المشروعات القومية.. لكن أين أثرها على حياتنا اليومية؟
أرملة: المعاش لا يكفى وأسعار الدواء والطعام نار
شاب: نريد فرص عمل حقيقية لا أرقام على الورق
خبراء: النمو وحده لا يكفى دون عدالة التوزيع
الرقابة على الأسواق كلمة السر فى تخفيف المعاناة
فى ظل التحديات الاقتصادية والاجتماعية التى تواجه المصريين، تصاعدت أصوات المواطنين مطالبين بتحسين حياتهم اليومية، حيث لا يشعر الكثيرون بثمار الإصلاح التى يتحدث عنها رئيس الحكومة كل يوم، ففى الوقت الذى يشهد فيه الاقتصاد معدلات نمو على الورق، يعيش المواطن تحت ضغط ارتفاع الأسعار وارتفاع مستوى التضخم، بينما ركزت توجيهات الرئيس عبدالفتاح السيسى للحكومة على إعطاء المواطن أولوية قصوى، معتبرًا أن تحسين حياة المواطن هو المقياس الحقيقى لنجاح أى خطة اقتصادية. ومع ذلك، يرى العديد من المصريين أن ما يتم الإعلان عنه من مؤشرات نمو لا تنعكس بشكل ملموس على مستوى المعيشة، خاصة بالنسبة للفئات الأقل دخلًا.
«الوفد» تستعرض واقع المواطن المصرى بعد توجيهات القيادة السياسية، ويرصد آراء الخبراء حول أثر السياسات الاقتصادية والاجتماعية.
إحباط
فى شوارع حى بولاق الدكروربالجيزة، حيث تلتقى أصوات الباعة المتجولين مع ضجيج السيارات، يعيش محمد سمير، موظف حكومى يبلغ من العمر ثمانية وثلاثين عامًا، حياته مليئة بالضغوط المالية. يقول محمد بصوت يحمل مزيجًا من الإحباط والأمل: «راتبى بالكاد يغطى المصاريف الشهرية.. الإيجار وحده يلتهم نصف الدخل، كل شيء غالٍ، الخضار، الفواكه وحتى اللحوم.. نسمع عن زيادة الرواتب وارتفاع النمو، لكن على أرض الواقع لا نشعر بأى فرق.. نأمل أن يكون هناك دعم فعلى للأسعار أو زيادة حقيقية فى الأجور».
محمد ليس وحده فى مواجهة هذه الأزمة، قصته تتشابك مع حياة ملايين المصريين الذين يرون أرقام النمو الاقتصادى على الورق دون أن يلمسوا أثرها فى حياتهم اليومية، تحكى منى عبدالعزيز، ربة منزل تبلغ الخامسة والأربعين من عمرها، عن تأثير الغلاء على الأسرة، خصوصًا على صحة أبنائها قائلة: «الغلاء أثر على كل شيء، حتى على صحة أولادى. كل زيارة للطبيب تكلفنا كثيرًا، والدعم الحكومى محدود ولا يغطى كل الأسر. نحتاج مستشفيات جيدة لجميع المواطنين وليس فقط لفئة محددة».
صوت منى يعكس شعور الكثير من الأسر بالضيق أمام تكاليف الخدمات الأساسية، بينما المؤشرات الرسمية عن الصحة والتضخم والنمو تبدو بعيدة عن واقعهم.
فى الإسكندرية، مثل باقى محافظات مصر تواجه الأسر تحديات تعليمية إضافية. تتحدث عنها سارة حلمى، أم لطفلين، مؤكدة أن المدارس الحكومية لم تعد تلبى احتياجات أبنائها، ما دفعها إلى اللجوء إلى المدارس الخاصة، وتقول سارة: «هذا عبء كبير علينا، نريد أن تتحسن المدارس الحكومية وتصبح منافسة للمدارس الخاصة، حتى لا يبقى التعليم حكرًا على الأغنياء».
فرص عمل
أما الشباب، فيواجهون مأزقًا مزدوجًا، بين الارتفاع المتواصل للأسعار وغياب فرص العمل. أحمد فاروق، شاب يبلغ من العمر سبعة وعشرين عامًا ويبحث عن وظيفة، يصف إحباطه من واقع سوق العمل قائلا: «بالرغم من حصولى على مؤهل عالٍ، فرص العمل محدودة، نسمع عن مشاريع قومية واستثمارات، لكن الشباب فى المدن الصغيرة والقرى لا يشعرون بأى أثر، نحتاج برامج تدريبية وتوظيف حقيقى للشباب»، بخلاف مطالب أخرى أهمها الحصول على شقة والتى أصبحت حلم صعب المنال.
وأشار «فاروق» إلى أن هذا الواقع يعكس فجوة بين ما يتم الإعلان عنه من مشاريع تنموية وما يصل إلى المواطن العادى فى المدن والمحافظات الأقل حظًا.
تكافل وكرامة
وفى صعيد مصر، تتضاعف صعوبات الحياة. فاطمة على، أرملة من محافظة قنا، تعيش حياة صعبة تحكمها معادلة صعبة بين دخل محدود وارتفاع أسعار السلع الأساسية، تقول: «الغلاء يقتلنا، خاصة أسعار الغاز والكهرباء، معاشى صغير جدًا ولا يكفى لمصاريف الطعام والأدوية، نأمل تدخل الحكومة لمساعدتنا بشكل مباشر، وليس فقط عن طريق التصريحات، فأرقام الدعم من حياة كريمة وتكافل وكرامة لا تكفينا أيضًا».. قصتها تعكس حجم التحديات التى تواجه الأسر محدودة الدخل فى الريف، حيث الأسعار ترتفع أسرع من الدعم أو الرواتب.
حسن محمود، فلاح من قنا، يقدم مثالًا آخر عن معاناة صغار المزارعين: «أسعار الأسمدة والوقود مرتفعة جدًا، وحتى أسعار الحاصلات الزراعية لا تعكس التكاليف التى ندفعها. يجب أن يكون هناك دعم حقيقى للفلاحين، لأنه إذا انهار الفلاح لن يكون هناك غذاء». تعكس هذه الكلمات الحاجة الماسة إلى سياسات دعم شاملة تراعى العاملين فى قطاعات الإنتاج الزراعى والصناعى، لضمان استقرار الأسواق والحفاظ على القدرة الشرائية للمواطنين.
مطالب عامة
من خلال رصد يوميات المواطنين فى مختلف المحافظات، تظهر مجموعة من المطالب المتكررة أهمها: زيادة الدعم النقدى والعينى، تخفيض أسعار السلع الأساسية ووضع سقوف واضحة للأسعار، تحسين الخدمات الصحية، ورفع جودة التعليم من خلال تطوير المناهج وتوفير معلمين مدربين، مع التأكيد على خلق فرص عمل حقيقية للشباب وربط التدريب بسوق العمل، وتحسين وسائل النقل والبنية التحتية لتخفيف تكاليف الحياة اليومية خاصة فى المناطق الريفية.
القصص الحياتية اليومية تكشف حجم المعاناة، أم حسين فى القاهرة، على سبيل المثال، تضطر لدفع نصف دخلها يوميًا للطعام، ما يجعلها تقلل وجبات أطفالها، خوفًا من نفاد المال قبل نهاية الشهر.
نمو على الورق
خبراء الاقتصاد والاجتماع يشيرون إلى أن النمو لا ينعكس بالضرورة على حياة المواطنين اليومية، فمعدلات النمو قد تكون مرتفعة، لكنها غالبًا مركزة فى قطاعات معينة مثل البنوك والعقارات والطاقة.
وأوضح الدكتور مصطفى أبو زيد، الخبير الاقتصادى، أن التحولات والمتغيرات الاقتصادية العالمية خلال السنوات الأخيرة ألقت بظلالها السلبية على الاقتصاد المصرى، شأن العديد من اقتصادات الدول الناشئة، مشيرًا إلى أن هذه التداعيات انعكست بشكل مباشر على المواطن، خاصة فيما يتعلق بارتفاع معدلات التضخم وزيادة الأسعار وتراجع القوة الشرائية.
وأوضح «أبو زيد» فى حديثه لـ«الوفد»، أن الاقتصاد المصرى واجه موجة تضخمية حادة خلال عامى 2022 و2023، حيث بلغ معدل التضخم 38% فى سبتمبر 2023، متأثرًا باضطرابات سلاسل الإمداد العالمية، وارتفاع أسعار الطاقة والغذاء، إلى جانب أزمة نقص العملة الأجنبية وعدم استقرار سعر الصرف.
وأضاف أن هذه العوامل مجتمعة أدت إلى ضغوط معيشية كبيرة على المواطنين، وأسهمت فى تآكل دخولهم الحقيقية.
وأشار إلى أنه منذ مارس 2024 بدأت مؤشرات الاقتصاد الكلى فى التحسن التدريجى، حيث تراجع معدل التضخم إلى 11.2% فى يناير الماضى، بالتوازى مع استقرار سوق الصرف وتحسن التدفقات الدولارية، ما انعكس على ارتفاع حجم الاحتياطى النقدى ليتجاوز 52 مليار دولار. واعتبر أن هذه المؤشرات تعكس نجاح الإجراءات الإصلاحية التى تم اتخاذها، وأسهمت فى استعادة قدر من الاستقرار والثقة فى الاقتصاد.
ولفت الخبير الاقتصادى إلى أن حزم التيسيرات والتحفيز التى أطلقتها وزارتا المالية والاستثمار خلال العامين الماضيين لعبت دورًا مهمًا فى زيادة النشاط الاقتصادى وزيادة الإيرادات العامة، موضحًا أن الحصيلة الضريبية سجلت نموًا بنسبة 35%، لتصل إلى 2.2 تريليون جنيه فى العام المالى 2024/2025، مقارنة بـ1.6 تريليون جنيه فى العام المالى 2023/2024. وأكد أن هذا النمو وفر للموازنة العامة مساحة أكبر للتحرك نحو تعزيز الإنفاق على قطاعات حيوية مثل الصحة والتعليم، فضلًا عن توسيع مظلة الحماية الاجتماعية.
وشدد أبو زيد على أن النمو الاقتصادى، رغم أهميته، لا يكفى بمفرده، بل يتطلب سياسات توزيعية عادلة تضمن وصول ثماره إلى مختلف فئات المجتمع، خاصة محدودى ومتوسطى الدخل. مشيرًا إلى أن خطاب تكليف الرئيس عبدالفتاح السيسى للحكومة بعد إعادة تشكيلها ركز على تحقيق «التنمية الاقتصادية» بمفهومها الشامل، وليس مجرد تحقيق معدلات نمو رقمية، بما يعنى تحسين جودة حياة المواطنين وتعزيز قدرتهم الشرائية.
وأوضح أن الحزمة الجديدة للحماية الاجتماعية جاءت ترجمة عملية لهذا التوجه، حيث راعت تنوع الفئات المستفيدة، وشملت زيادات إضافية للبطاقات التموينية، وبرنامجى «تكافل وكرامة»، إلى جانب تخصيص 3 مليارات جنيه لإنهاء قوائم الانتظار فى القطاع الصحى والعلاج على نفقة الدولة، كما تضمنت دعمًا مباشرًا للفلاح المصرى، من خلال رفع سعر توريد القمح من 2200 جنيه إلى 2350 جنيهًا، بما يعزز الأمن الغذائى ويحفز زيادة الإنتاج المحلى وتقليل فاتورة الاستيراد، وهو ما ينعكس إيجابًا على عجز الميزان التجارى.
واختتم أبو زيد حديثه بالتأكيد أن المرحلة المقبلة تستهدف تخفيف الأعباء عن المواطنين وتعزيز شعورهم بثمار الإصلاح، مشددًا على ضرورة أن تتواكب سياسات تحفيز الاستثمار والإنتاج مع منظومة رقابية أكثر فاعلية لضبط الأسواق ومنع الممارسات الاحتكارية، حتى يلمس المواطن الأثر الحقيقى للإجراءات الاقتصادية على أرض الواقع.
تفاوت اجتماعى
فيما يرى الدكتور حسن الخولى، أستاذ علم الاجتماع بجامعة جامعة عين شمس، إن قضية التفاوت الاجتماعى فى مصر أصبحت أكثر وضوحًا فى ظل التحديات الاقتصادية الراهنة، مشيرًا إلى أن اتساع الفجوة بين الفئات يرتبط بدرجة كبيرة بضعف وصول الخدمات الأساسية إلى قطاعات واسعة من المواطنين، لا سيما محدودى ومتوسطى الدخل.
وأوضح الخولى، فى حديثه لـ«الوفد»، أن معالجة هذه الفجوة تتطلب تبنى سياسات أكثر شمولية وعدالة، تضع المواطن البسيط فى صدارة الأولويات، وتربط بين معدلات النمو الاقتصادى وتحسين جودة الحياة الفعلية للناس، وليس الاكتفاء بالمؤشرات الكلية فقط. وأضاف أن التنمية الحقيقية يجب أن تنعكس على مستوى المعيشة، والخدمات الصحية والتعليمية، وفرص العمل، بما يعزز الشعور بالاستقرار والأمان الاجتماعى.
وأشار أستاذ علم الاجتماع إلى أن المشهد الاقتصادى فى مصر يثير تباينًا فى الآراء؛ فهناك من يرى أن الأوضاع المعيشية أصبحت أكثر صعوبة نتيجة الضغوط الاقتصادية وارتفاع الأسعار، فى حين يؤكد آخرون أن الدولة تبذل جهودًا كبيرة لتوفير حياة كريمة للمواطنين، خاصة فى ظل الزيادة السكانية المتسارعة التى تمثل تحديًا هيكليًا يتطلب موازنات ضخمة لتلبية احتياجات الإسكان والتعليم والصحة والبنية التحتية.
وأكد أن حجم الميزانية المتاحة يظل محدودًا مقارنة بطموحات التنمية الشاملة ومتطلبات المشروعات القومية الكبرى التى تنفذها الدولة، موضحًا أن أى نهضة اقتصادية تحتاج إلى استثمارات ضخمة وصبر مجتمعى، وأن نتائج هذه الجهود قد لا تظهر بشكل فورى، وإنما تتطلب وقتًا حتى تنعكس على حياة المواطنين بصورة مباشرة.
وشدد على أن دعم جهود الإصلاح والتنمية يمثل مسئولية وطنية، وأن تجاوز المراحل الصعبة قد يكون ضرورة للوصول إلى وضع اقتصادى أفضل وأكثر استقرارًا فى المستقبل.
وتطرق الخولى إلى أهمية التكافل والتضامن الاجتماعى كركيزة أساسية فى المجتمع، مشيرًا إلى أن الدولة أطلقت عددًا من المبادرات والبرامج الداعمة للفئات الأولى بالرعاية، فى محاولة لتخفيف الأعباء الاقتصادية.
واختتم أستاذ علم الاجتماع حديثه بالتأكيد أن الدولة تعمل فى حدود إمكاناتها المتاحة لتحقيق تطلعات المواطنين، موضحًا أن الدخل القومى وحجم الموارد يحددان سقف الإنفاق العام، ومع ذلك يتم تخصيص جزء كبير من الموازنة لدعم الفئات الأكثر احتياجًا وتحسين مستوى الخدمات، مؤكدًا أن تحقيق التوازن بين متطلبات الإصلاح الاقتصادى والحفاظ على العدالة الاجتماعية يظل التحدى الأكبر، لكنه فى الوقت ذاته السبيل لبناء مجتمع أكثر استقرارًا وتماسكًا على المدى الطويل.
وفى النهاية، يبدو واضحًا أن المواطن المصرى اليوم يعيش فى منطقة رمادية بين وعود النمو الاقتصادى والواقع الصعب للغلاء وقلة الخدمات. التجارب اليومية التى رصدناها تعكس معاناة حقيقية، وأصوات هؤلاء المواطنين تحمل رسالة قوية: أن التنمية الاقتصادية لا تكون حقيقية إلا إذا وصل أثرها إلى حياة الناس اليومية، ورفعت من جودة حياتهم، ومنحتهم شعورًا بالأمان المالى والاجتماعى والصحى.

تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض