فوانيس وزينة وبلح وياميش
أسواق رمضان.. روحانيات وتجارة «حتى مطلع الفجر»
فى رمضان، تتحول شوارع القاهرة إلى لوحة نابضة بالألوان والأنوار، حيث تتلألأ الفوانيس فى كل زاوية، وتنتشر الزينة فى كل مكان، وتصبح الأسواق مسرحًا للبهجة والتراث، أسواق متخصصة تزدهر فى هذا الشهر الكريم، ينتظر أصحابها قدوم الشهر الذى تروج فيه بضائعهم، فوانيس، بلح، ياميش وأشياء أخرى لا تزدهر إلا فى هذا الشهر، ومن ثم تكون الاستعدادات فى تلك الأسواق على قدم وساق، باعة يعرضون بضاعتهم بطرق مبهرة، ومستهلكون يقبلون على الشراء رغم ارتفاع الأسعار وقلة الكميات، ولكن المهم أن تستمر مظاهر الاحتفال.
فى جولة بين الورش والأكشاك، رصدت «الوفد» كيف تتحول صفائح الصاج والنحاس إلى فوانيس تقليدية تنبض بالحياة، وكيف تمتزج الحرفية المصرية بالتصاميم الحديثة لتلبى أذواق الكبار والصغار، من فوانيس الزيت الدوارة إلى المجسمات الملونة التى تزين المنازل، يظهر الفانوس كرمز للفرح والاحتفال، ولتبقى البهجة جزءًا من كل منزل، ويستمر الفانوس فى دوره كجسر بين الماضى والحاضر، بين التراث والابتكار، وبين بساطة الأيام الخوالى وروح الحداثة.
السيدة زينب.. بهجة تخطف القلوب
فى شهر رمضان، ترتدى منطقة السيدة زينب ثوبًا مختلفًا، يفيض بالبهجة والروحانية، كأن الشوارع تحفظ طقوس الاستقبال عامًا بعد عام ولا تنساها أبدًا، فى محيط المسجد العتيق، تتغير ملامح المكان تدريجيًا، فالفوانيس الملوّنة تتدلّى من الحبال بين البيوت والمحال، تلمع مع ضوء الغروب، وتنعكس على وجوه المارة بابتسامة تلقائية لا تحتاج إلى تفسير.
مسجد السيدة زينب، قلب المنطقة النابض، بدا وكأنه يستعد لاستقبال ضيف عزيز. الزينة عُلّقت بعناية على الأسوار والمداخل، والأنوار البيضاء والخضراء أحاطت بالقبة والمآذن، بينما يمر الزائرون فى خشوع ممزوج بفرح خاص، فهنا تتلاقى الروحانيات مع العادات الشعبية فى مشهد لا يتكرر إلا فى رمضان، أصوات الدعاء تختلط بأحاديث الناس، وكل خطوة داخل الساحة تحمل إحساسًا بالسكينة والطمأنينة.
على الجانبين، تزينت المحلات بصور شخصيات رمضانية محببة، أبرزها «بكار» الذى أعاد للكبار ذكريات الطفولة، وجذب الصغار بألوانه المبهجة. الفوانيس بأحجامها المختلفة، من الصفيح التقليدى إلى البلاستيك المضىء، اصطفت أمام المحلات وكأنها فى عرض احتفالى، وكل فانوس يحكى حكاية من زمن قديم، الباعة ينادون بأصوات مليئة بالحيوية، يعرضون بضاعتهم بابتسامة لا تخلو من روح الشهر الكريم.
ولا تكتمل الأجواء دون صوت أغانى رمضان التى تملأ المكان. من داخل المحلات تنبعث أنغام «رمضان جانا» و«وحوى يا وحوى»، فتتوقف الأقدام أحيانًا دون قصد، وتتمايل الرؤوس مع اللحن، وكأن الموسيقى تعيد ترتيب الذاكرة الجماعية للناس. هذه الأغانى لا تُسمع فقط، بل تُشعر، فتمنح الشوارع نبضًا خاصًا يميز ليالى ما قبل الشهر الفضيل.
فى السيدة زينب، لا يُستقبل رمضان فقط بالزينة أو البضائع، بل بالمشاعر. دفء العلاقات، تبادل التهانى المبكرة، ونظرات الأمل فى وجوه الجميع، كلها تفاصيل صغيرة تصنع صورة كبيرة. هنا، يتحول الشارع إلى مساحة للفرح الجماعى، ويصبح رمضان أكثر من شهر.. يصبح حالة تعيشها القلوب قبل البيوت.
الدرب الأحمر.. الفانوس المصرى يكسب
فى زوايا حى الدرب الأحمر التاريخى، حيث تختلط رائحة النحاس بالحنين لأيام مضت، قامت «الوفد» بجولة لرصد أجواء صناعة وبيع فوانيس رمضان، التى ظلت رمزًا للبهجة والاحتفال عبر القرون منذ العصر الفاطمى، داخل الورش الصغيرة والمزدحمة، تتراقص الألوان الزاهية للفوانيس الصاج التقليدى جنبًا إلى جنب مع أحدث الابتكارات من فوانيس الزيت المتحركة والمزخرفة بالبرونز، بينما يتابع الزبائن باهتمام اختيار الفانوس الذى سيضىء منازلهم فى الشهر الكريم.
خلال الجولة، تحدثنا مع الحرفيين الذين يواصلون صناعة الفوانيس بأيدٍ مصرية ماهرة، ورصدنا إقبال المواطنين على كل حجم وشكل، من الفانوس البسيط إلى الفانوس الفخم، إضافة إلى الطلب المتزايد من الأجانب الباحثين عن لمسة شرقية أصيلة لمنازلهم، مشهد الألوان، والحركة، والبهجة، والأصوات، جعلنا ندرك كيف تمكن هذا التراث الرمضانى من الصمود والتجدد، ليبقى الفانوس جزءًا لا يتجزأ من احتفالات الشهر الكريم، يجمع بين بساطة الماضى وروح الحداثة فى آن واحد.
تقول الأسطورة إن حائكًا ماهرًا اسمه «حسن»، كان يعيش فى حى الحسين، أراد أن يصنع شيئًا يبهج الأطفال فى رمضان ويضىء دروبهم بعد المغرب، أخذ لوحًا من الصاج الرفيع، وبدأ بقصّه وتشكيله بعناية، ثم صنع من داخله مكانًا صغيرًا للشمعة، وزيّنه بألوان زاهية ونقوش هندسية متقنة.
ولم تمضِ أيام حتى انتشر خبر هذا الفانوس فى كل الأزقة، وبدأ الأطفال يجرون خلفه فى الموكب الليلى، يغنون ويمرحون، وأصبح لكل بيت واحد على الأقل من تلك الفوانيس الصاجية، ومع مرور السنوات، أصبح فانوس رمضان الصاج رمزًا للبهجة والاحتفال، وعادة متوارثة، يصنعها الحرفيون بعناية فائقة، كل منهم يحاول ابتكار تصميم جديد يحكى جزءًا من روح رمضان.
ويقال إن سر بقاء هذا التقليد هو أن الفانوس لم يكن مجرد أداة للضوء، بل كان رمزًا للفرح والوحدة، يجمع العائلات والجيران فى ليالى رمضان، ويعلّم الأطفال معنى المشاركة والبهجة البسيطة، وهكذا، بقى فانوس رمضان الصاج، رغم مرور مئات السنين، شاهدًا على ليالى رمضان السحرية فى القاهرة والمناطق العربية، حاملًا عبق الماضى وألوان الطفولة المشرقة.
وقال البائع خليل محفوظ، إن الطلب على الفانوس الصاج لا يزال كبيرًا، وهو من أبرز ملامح شهر رمضان منذ العصر الفاطمى. وأضاف: «نبدأ تصنيع فوانيس الصفيح منذ بداية شهر ربيع الأول، ثم نعرضها للبيع فى أول شهر رجب، ونصدر أغلبها إلى الدول العربية مثل السعودية، بالإضافة إلى بعض الدول الأوروبية».
وأشار «محفوظ» إلى تعدد أشكال الفانوس الصاج، التى تحمل أسماءً مثل: الفانوس الإسلامى، والمصحف، وأبو الولاد، والشمامة، والنجمة، والبطيخة، مضيفًا: «يحرص الأجانب على شراء الفوانيس لتزيين منازلهم».
وتتفاوت أسعار الفانوس الصاج بحسب الحجم، إذ تبدأ من 75 جنيهًا وقد تصل إلى 10 آلاف جنيه. وأوضح مجدى فهمى أبو العتب لـ«الوفد» أن الفانوس الفاطمى يكتسح سوق الجملة بأسعار زهيدة، ففانوس الصفيح «أبو شمعة» يبدأ من 35 جنيهًا ويصل إلى 150 جنيهًا، وكلما كبر الفانوس ارتفع سعره ليصل إلى ألف جنيه.
وعلى الرغم من تنوع الفوانيس الحديثة، يظل الفانوس الصفيح محافظًا على مكانته لدى الزبائن الذين يفضلون أجواء الماضى ببساطته وبهجته المستوحاة من ألوانه الزاهية.
وأكد البائع على السيد أن تنوع التصاميم ومنح الزبائن حرية الاختيار جعل الأسعار متفاوته ومناسبة لجميع الفئات، بينما تعتبر فوانيس الزيت أحدث صيحات رمضان 2026، حيث تبدأ أسعارها من 550 جنيهًا وتصل إلى 2000 جنيه، وتتميز بمجسمات صغيرة تدور داخل الفانوس مع الزيت المزخرف بالبرونز، مستقطبة بذلك الطبقة الأعلى دخلاً أو العرسان الجدد.
وأضاف أن صناعة الفوانيس لا تقتصر على الصاج فقط، بل تشمل النحاس، والصفيح الأصفر، والصفيح المحفور بالليزر، والحديد الخفيف، وأقمشة الخيامية، والأكريليك المزخرف، بالإضافة إلى مجسمات شخصيات كرتونية مثل بوجى وطمطم وبسنت ودياسطى.
وأشار إلى أن الفوانيس المخصصة للأطفال تبدأ أسعارها من 200 جنيه وتصل إلى 500 جنيه حسب جودة الصنعة، مؤكّدًا أن الإقبال على الشراء يبلغ ذروته فى منتصف شهر شعبان، مع اقتراب رمضان، لتصبح الفوانيس ضرورة لكل منزل ومحلات المولات الكبرى.
البيع بالجرام.. الياميش ينافس الذهب
سوق البلح والياميش والمكسرات من أهم الأسواق التى تزدهر فى شهر رمضان، ولكن الأسعار المرتفعة لهذه السلع وضعت الأسر أمام تحديات جديدة، فالعديد من الأسر ما زالت حريصة على الشراء حتى لا يشعر أبناؤها بتدنى المستوى الاجتماعى، ولذلك أصبح سوق الياميش فى مصر مثل سوق الذهب يتم التعامل فيه بالجرام، حيث يشترى الكثيرون ثمن كيلو أى ما يساوى 125 جراما، كما قامت العديد من «الهايبر ماركت» بتوفير عبوات 100 و150 جراما من أنواع الياميش المختلفة.
وخلال جولة ميدانية شملت أسواق باب البحر، وسوق الساحل فى روض الفرج، وعين شمس، المرج، المطرية، الوراق، إمبابة، والعمرانية، تحدثنا مع عدد من المواطنين، فأقر الجميع بصعوبة شراء الكميات المعتادة من ياميش رمضان، مؤكدين أنهم اضطروا هذا العام إلى الاكتفاء بربع احتياجاتهم فقط، فى ظل ارتفاع الأسعار وضغط المصروفات.
ورصدت عدسة «الوفد» أسعار هذه السلع، وتبين أن أسعار التين المجفف وزن 300 جرام تتراوح بين 100 و150 جنيهًا حسب المحل، فيما بلغ سعر الفول السودانى المقشر وزن 250 جراما نحو 30 جنيهًا، وعين الجمل المقشر وزن 200 جرام نحو 140 جنيهًا، كما سجل الزبيب الإيرانى وزن 250 جراما نحو 60 جنيهًا، وقمر الدين الطاهر وزن 90 جرامًا نحو 110 جنيهات، والمشمشية وزن 200 جرام سجلت 135 جنيهًا، والسوبيا العمانى نحو 110 جنيهات، والتمر الهندى كيلوجرام واحد 80 جنيهًا.
واقتربنا من «أم أحمد»، ربة منزل وأم لثلاثة أطفال، فقالت: «كنا بنشترى كل سنة ياميش يكفينا الشهر كله.. السنة دى اشتريت ربع الكمية بالعافية، والأسعار بقت نار. لازم أوفر لباقى احتياجات البيت».
وأضافت أن تزامن رمضان هذا العام مع الفصل الدراسى الثانى زاد الأعباء على الأسرة: «لسه دافعين مصاريف ودروس وكتب، ومش عايزين الميزانية تخلص من نص الشهر. بقينا نحسبها بالورقة والقلم».
أما الحاج محمود، موظف بالمعاش، فيؤكد أن أولوياته تغيرت: «الأهم عندى الأكل الأساسى وفواتير الكهرباء والمياه. الياميش بقى حاجة تكميلية، حتى لو كان من عادات رمضان».
ويشير إلى أنه كان يشترى أصنافًا متعددة من المكسرات وقمر الدين وجوز الهند، بينما اكتفى هذا العام بصنف فقط وأضاف: «زمان كنت بجيب كل حاجة لأولادى وأحفادى، دلوقتى بنمشيها على قدنا».
وتتفق معه منى، موظفة بإحدى الشركات الخاصة، قائلة: «حتى لو اشترينا، بنجيب كميات صغيرة جدًا. الميزانية لازم تكفى الشهر كله، خصوصًا مع مصاريف المدارس والدروس».
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض