تأملات
لعل التطور الأخير الخاص بخطوات إسرائيل لفرض واقع جديد فى مسعاها لضم الضفة الغربية يكشف عن حقيقة أساسية تتعلق بطبيعة المشروع الصهيونى والذى يقوم على ابتلاع كافة أراضى فلسطين التاريخية دون أن يأبه أو يبالى بقانون دولى أو غيره فى مسيرته لتحقيق تلك الغاية. فوسط انشغال العالم بالعديد من القضايا المهمة والتى ربما لعبت تل أبيب دورا فى اثارتها لتحقيق ذلك الانشغال ومنها الأزمة الإيرانية مثلا، فإن الدولة العبرية تعمل على استغلال ذلك وتحقيق هدفها بابتلاع الضفة استكمالا لما قامت به فى غزة من عمليات إبادة بما يحقق فى النهاية توسيع أرض إسرائيل والقضاء بشكل فعلى على فكرة إمكان قيام دولة فلسطينية.
ربما ليس هناك جديد فى هذا الحديث، فالأهداف الإسرائيلية معروفة ويعلمها القاصى والدانى، غير أن المهم هو دلالات ذلك التطور من منظور المرحلة التى نعيشها ودحض الأوهام التى يحاول البعض أن يزرعها فى عقولنا. مرة ثانية وثالثة فإن هذه الخطوة تؤكد البديهية التى ينكرها فريق منا وتتمثل فى ان القوة هى اللغة التى يفهمها العالم. دعك من الحديث عن قانون دولى أو غير دولى فذلك ليس سوى لغة الضعفاء، ولعل فيما يقوم به ترامب نموذج واضح على ذلك وتسير على هديه وفى إثره إسرائيل. يتضح ذلك بجلاء ليس فقط من زاوية ادانة 85 دولة فى بيان خاص لها الخطوات الإسرائيلية وإنما فى أن الحكومة الإسرائيلية لم يرف لها جفن جراء تلك الإدانة، بل التعامل معها كأنها لم تكن. ليس ذلك فقط بل إنها مررت مرور الكرام تلك الإدانة الشكلية التى عبرت عنها إدارة ترامب والتى حاولت من خلالها واشنطن أن تغسل يدها من مساعى تل أبيب لضم الضفة.
الجانب الثانى المتعلق بذلك التطور هو كشف زيف دعاوى السلام ليس التى كانت ترددها الدولة العبرية وإنما التى راح يسوقها لنا بعض الأطراف العربية، وعلى ذلك فما يسمى بثقافة السلام لم تكن سوى خطوة فى تلك المسيرة، وما السلام الإبراهيمى سوى وجه زائف من وجوه تسويق السياسات الإسرائيلية. ورغم أن حرب غزة ربما تكون أبطأت مسيرة ذلك الزيف، إلا أن المحاولات الأمريكية والإسرائيلية لم تتوقف لجذب المتمنعين الى حديقة «السلام» الإسرائيلى.
والنتيجة التى وصلنا إليها بعد مماطلات وتسويف من قبل إسرائيل وقبول وتجاوب من قبل الأطراف العربية بما فيها السلطة التى تقوم على الشأن الفلسطينى أن الضفة الغربية والتى كانت تمثل نواة الدولة الفلسطينية المستقلة الى جانب غزة أصبح يعيش فيها الآن اكثر من 500 ألف إسرائيلى وسط نحو ثلاثة ملايين فلسطينى فى الضفة الغربية، فى مستوطنات تعتبرها الأمم المتحدة غير قانونية بموجب القانون الدولى. ولو أنك تتبعت مسار القضم الإسرائيلى للأراضى الفلسطينية منذ النكبة فى عام 1948 لأدركت أن الأمر لن يتطلب أكثر من عقود معدودة على أصابع اليد الواحدة لكى يتحقق الحلم الإسرائيلى فى السيطرة على كل فلسطين.
للأسف يأتى كل ذلك فى وقت يعتبر العرب فيه فى أضعف حالاتهم تاريخيا لا حول لهم ولا قوة، وقد تشرذموا على نحو تفرقت معه كلمتهم. ربما تمثل كلمات الأمين العام للأمم المتحدة جوتيريش صوت الضمير الإنسانى يتمثل فيما ذهب اليه من اعتبار أن اجراءات اسرائيل الجديدة لا تزعزع الاستقرار فحسب بل إنها أيضا حسب تأكيدات محكمة العدل الدولية غير قانونية.. ولكن للأسف لا حياة لمن تنادى.. على نحو ربما يدعو البعض الى الميل لمقولة أن لفلسطين ربًّا يحميها!
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض