غياب الدراما الدينية عن الماراثون الرمضانى ٢٠٢٦ يثير التساؤلات
٤٢ مسلسلاً تتنافس بموضوعات مختلفة دون عمل يحكى سيرة ذاتية لقدوة دينية
النقاد: غياب الرؤية الإنتاجية وقيود الرقابة وصعوبة اللغة أسباب التراجع
سميرة عبد العزيز: حزينة لغياب الدراما الدينية عن الساحة الفنية فى السنوات الأخيرة
مديحة حمدى: لدىّ سيناريوهات دينية ولا أجد من ينتجها
يُعرض خلال الماراثون الرمضانى ٢٠٢٦ أكثر من ٤٢ مسلسلاً بموضوعات متنوعة ورغم هذا التنوع، يشهد الموسم غياب الدراما الدينية.
وهو ما يفتح باب التساؤلات حول عزوف شركات الإنتاج عن تقديم عمل دينى فى رمضان، رغم حالة التفاؤل التى جاءت مصاحبة لاجتماع اﻟﺪﻛﺘﻮر أﺳﺎﻣﺔ اﻷزﻫﺮى، وزﻳﺮ اﻷوﻗﺎف، مع اﻟﺪﻛﺘﻮر أﺷﺮف زﻛﻰ ﻧﻘﻴﺐ المهن اﻟﺘﻤﺜﻴﻠﻴﺔ، ﻟﺒﺤﺚ أوﺟﻪ اﻟﺘﻌﺎون المشترك ﻓﻰ دﻋﻢ اﻟﺪراﻣﺎ اﻟﺪﻳﻨﻴﺔ واﻷﻧﺸﻄﺔ اﻟﻔﻨﻴﺔ واﻟﺜﻘﺎﻓﻴﺔ اﻟﺘﻰ ﺗﺨﺪم ﻗﻀﺎﻳﺎ اﻟﻮﻋﻰ وﺑﻨﺎء اﻹﻧﺴﺎن، ﻻ ﺳﻴﻤﺎ ﻓﻰ إﻃﺎر ﻣﺒﺎدرة «ﺻﺤﺢ ﻣﻔﺎﻫﻴﻤﻚ» اﻟﺘﻰ أﻃﻠﻘﻬﺎ اﻟﻮزﻳﺮ ﻣﻦ ﻣﺠﻠﺲ اﻟﻮزراء، وذلك خلال شهر أغسطس الماضى، ومناقشة سبل تقديم أعمال دينية خلال الموسم الرمضانى.
ويثير غياب هذا النوع من الأعمال تساؤلات خاصة أن برنامج مثل «دولة التلاوة» حقق نجاحا منقطع النظير ما يؤكد أن الجمهور فى حاجة ماسة إلى الأعمال الدينية فى وقت تزداد فيه الحاجة إلى محتوى درامى دينى تنويرى يواكب التحديات الفكرية ويعزز القيم المجتمعية خلال الشهر الكريم، حيث ﺗﻠﻌﺐ اﻟﺪراﻣا دورا ﻓﻰ ﺗﺸﻜﻴﻞ اﻟﻮﻋﻰ اﻟﺜﻘﺎﻓﻰ واﻻﺟﺘﻤﺎﻋﻰ، وﺗﻌﺰز اﻟﻘﻴﻢ اﻹﻳﺠﺎﺑﻴﺔ والمبادئ اﻷﺧﻼﻗﻴﺔ، ﻟﻠﻤﻮاﻃﻨين ﺧﺎﺻﺔ اﻟﺸﺒﺎب، ﻛﻤﺎ أن الأعمال الدينية والتاريخية ﺗهدف أيضا إﻟﻰ ﻣﺤﺎرﺑﺔ اﻷﻋﻤﺎل اﻟﺘﻰ ﺗﺴﺎﻫﻢ ﻓﻰ ﻧﺸﺮ اﻟﻌﻨﻒ واﻟﺒﻠﻄﺠﺔ وﺗﺸﺠﻴﻊ اﻟﺴﻠﻮﻛﻴﺎت ﻏﻴﺮ اﻷﺧﻼﻗﻴﺔ. خاصة أن هناك أعمالا دينية مثل مسلسلات «لا إله إلا الله، ومحمد رسول الله، وعمر بن عبدالعزيز، والإمام المراغى»، وآخرهم «رسالة الإمام» جميعها أعمال حققت مشاهدة خلال عرضها وبعد عرضها، لماذا لا يفكر المنتجون فى تقديم أعمال تسعى لإرساء القيم والدين فى مواجهة أعمال تنشر العنف والبلطجة.
«الوفد» حاورت نقاد الفن حول أسباب عدم تقديم أعمال دينية خلال الموسم الرمضانى 2026.
وقال الناقد الفنى طارق الشناوى، إن اختفاء الدراما الدينية، وقبلها الفوازير، لم يأتِ بشكل مفاجئ، بل سبقه تراجع تدريجى فى الاهتمام والإنتاج، نتيجة تقديم العديد من المسلسلات الدينية، التى معظمها لم يحقق النجاح المرجو منه، ما أدى فى النهاية إلى إغلاق هذا الملف، وهو ما تكرر أيضًا مع الفوازير، حيث جرت محاولات لإحيائها، لكنها لم تُكلل بالنجاح، ليتم صرف النظر عنها بشكل كامل.
وأكد أن رد الفعل السائد داخل الوسط الدرامى غالبًا ما يكون التوقف الكامل عن نوعية معينة من الأعمال فور تعرضها لتعثر جماهيرى، بدلًا من محاولة تطويرها أو إعادة تقديمها برؤية فنية أكثر نضجًا وابتكارًا، مؤكدا أن هذا النهج تكرر فى أكثر من تجربة، من بينها مسلسلات السيرة الذاتية، التى شهدت فى فترات سابقة إنتاج أعمال تناولت سير عدد من رموز الفن المصرى والعربى مثل ليلى مراد، وأسمهان، وسعاد حسنى، وعبد الحليم حافظ، وتحية كاريوكا، إلا أن هذا النوعية من الأعمال توقف لاحقًا بعدما لم يحقق بعضه النجاح الجماهيرى المتوقع، ليصبح معيار الجماهيرية هو الفيصل الوحيد فى الاستمرار أو التوقف.
ويؤكد «الشناوى» أن هذا المنطق يفتقر إلى الرؤية الاستراتيجية طويلة المدى، لأن فشل تجربة أو تجربتين لا يعنى بالضرورة فشل النوع الفنى بأكمله، بل قد يكون مؤشرًا على وجود خلل فى طريقة التناول أو فى المستوى التقنى والدرامى للعمل.
وأوضح أنه إذا تم تقديم مسلسل دينى بمعالجة فنية متطورة، وبناء درامى مشوق، ومستوى تقنى يواكب تطورات الصناعة، فإن هذا النوع من الدراما سيستعيد مكانة الدراما الدينية إلى سابق عهدها.
وقالت الناقدة الفنية حنان أبوالضياء، إن أزمة غياب الأعمال الدينية والتاريخية عن الخريطة الدرامية فى شهر رمضان من الإشكاليات المتكررة، والتى تعود فى جوهرها إلى صعوبة إنتاج هذا النوع من الأعمال، نظرًا لتعقيداته الفنية والدينية والإنتاجية.
فالمسلسل الدينى لا يُمكن التعامل معه بوصفه عملًا تقليديًا، بل يتطلب كتابة دقيقة ومحكمة، تراعى جميع الجوانب الدينية والتاريخية، إلى جانب تقديم عنصر التشويق الدرامى، بما يضمن جذب الجمهور ومتابعته للأحداث دون الإخلال بالرسالة الأساسية للعمل.
كما أن هذه الأعمال تحتاج إلى مراجعات متعددة من جهات متخصصة، لتلافى أى أخطاء، خاصة أن الخطأ فى تناول الشخصيات الدينية يُعد أمرًا غير مقبول على الإطلاق، لما لهذه الشخصيات من مكانة وقدسية فى وجدان الجمهور، كما أن هناك قرارات من الأزهر الشريف، تمنع تجسيد عدد من الشخصيات، ومن بينها بعض الصحابة والعشرة المبشرون بالجنة، وهو ما يُقيد حركة الكُتّاب وصُنّاع الدراما، ويحد من خياراتهم الدرامية.
ومن أبرز التحديات بالمسلسل الدينى، أنه يتطلب استخدام اللغة العربية الفصحى أو لغة عربية سليمة، ولا يمكن تقديمه باللهجة العامية، لما لذلك من تأثير سلبى على مصداقية العمل وقيمته التاريخية، إلا أن الواقع الحالى يشير إلى تراجع عدد الممثلين الذين يستطيعون تقديم الأداء المتقن باللغة العربية الفصحى، مقارنة بالأجيال السابقة، وهو ما يمثل عائقًا إضافيًا أمام تنفيذ هذه النوعية من الأعمال بالشكل اللائق.
كما أن الإعداد للمسلسل الدينى يستغرق فترات زمنية طويلة، وقد يحتاج إلى عام كامل أو أكثر من التحضير، مضيفة أن الاجتماع الذى عُقد بين وزير الأوقاف ونقيب المهن التمثيلية فى أغسطس الماضى، لا يمكن أن ينتج عنه عمل دينى خلال هذه الفترة القصيرة، وذلك لما يحتاجه العمل الدينى من التخطيط المبكر لتجنب أى أخطاء قد تُسىء للعمل أو تضعه محل جدل، ولكن يجب أن يكون وجود عمل دينى على المائدة الرمضانية أمرًا ثابتًا، يتم الإعداد له بشكل دائم، وبجودة عالية، حتى لا يخرج العمل بشكل متعجل، فيفقد قيمته وقدرته على المنافسة وسط الزخم الكبير من المسلسلات المعروضة.
وأكدت أن المسلسل الدينى يحتاج إلى منتج قوى يمتلك الخبرة والقدرة المالية والفنية، لأن هذا النوع من الأعمال لا يحتمل المغامرة أو المعالجة السطحية، وتجربة بعض الأعمال السابقة، مثل مسلسل «الإمام الشافعى»، الذى كشف عن إشكالية استخدام اللغة العامية، والتى تم التغاضى عنها لأسباب تاريخية منها أن مصر وقت الفتح الإسلامى كانت تتحدث باللغة القبطية التى أغلب كلماتها من اللغة العامية، إلا أن تعميم هذه التجربة على أعمال أخرى، خاصة التى تتناول فترات الفتوحات الإسلامية، يُعد نقطة ضعف جوهرية لا يمكن القبول بها، ومن هنا تظل الأعمال الدينية مشروعًا فنيًا وثقافيًا بالغ الحساسية، يحتاج إلى رؤية متكاملة، وإعداد طويل المدى، وإرادة حقيقية لإعادة هذا اللون المهم إلى مكانته الطبيعية فى الدراما الرمضانية.
وقالت الفنانة مديحة حمدى إن الأعمال الدينية بشكل خاص، والتاريخية بشكل عام، اختفت إلى حد كبير من الساحة الفنية فى السنوات الأخيرة، على الرغم من الدور المهم الذى كانت تلعبه فى الماضى فى تعزيز القيم، وربط الجمهور بدينه وتاريخه وهويته الثقافية، مؤكدة أن هذه الأعمال كانت تسهم فى ترسيخ المبادئ الأخلاقية، وتدفع المشاهد إلى التأمل والتفكير، بعكس ما يشهده الواقع الحالى من هيمنة بعض أشكال المحتوى السطحى.
وأكدت على ضرورة مقاومة انتشار الابتذال من خلال تقديم أعمال دينية وتاريخية قوية وهادفة، تُعيد إحياء القيم، وتُذكّر الناس بدينهم وربهم، مؤكدة أن دور الفن الحقيقى يجب أن يكون داعمًا للأخلاق والوعى، لا أن يسير فى الاتجاه المعاكس، لافتة إلى أن الأعمال الدينية تتطلب إتقان اللغة العربية الفصحى، وهو ما يستدعى وجود ممثلين متمكنين لغويًا، مشيرة إلى أن الساحة الفنية كانت تزخر سابقًا بعمالقة فى هذا المجال، مثل عبد الله غيث، وسعد أردش، ومحسنة توفيق، وفردوس عبد الحميد، وأحمد ماهر، وخالد زكى، الذين كانوا أساتذة فى إتقان اللغة العربية الفصحى، وهو ما نفتقده حاليًا، الأمر الذى يزيد من أهمية العودة إلى هذا النوع من الأعمال الجادة والمهمة.
وأكدت أن لديها عملًا دينيًا جاهزًا ومتكامل العناصر، وصفته بأنه من الأعمال المتميزة جدًا، حيث تدور أحداثه حول أهل الوفاء فى البيعة، ويتناول حقبة مهمة من حياة الرسول صلى الله عليه وسلم بعد الهجرة إلى المدينة المنورة، موضحة أن العمل يضم قصصًا درامية ثرية وجميلة لم تتناولها الدراما من قبل، وتحمل أبعادًا إنسانية وروحية عميقة، من شأنها أن تُثرى المحتوى الدينى والتاريخى على الشاشة، مؤكدة أن المشروع متوقف حاليًا فى انتظار توفير التمويل اللازم لبدء التصوير، نظرًا لأن الأعمال الدينية والتاريخية تُعد من أكثر أنواع الإنتاج تكلفة، بسبب احتياجاتها الخاصة من ملابس تاريخية وديكورات ضخمة، بالإضافة إلى متطلبات التصوير التى تفرض معايير إنتاج مرتفعة لضمان المصداقية والدقة التاريخية.
وقالت الفنانة سميرة عبد العزيز، إنها حزينة لغياب الدراما الدينية عن الساحة الفنية فى السنوات الأخيرة، مؤكدة أن هذه النوعية من الأعمال كانت تمثل جزءًا أصيلًا من وجدان المشاهد المصرى والعربى، لما تحمله من قيم دينية وأخلاقية وتاريخية تسهم فى بناء الوعى وتعزيز الهوية الثقافية.
وأضافت أن الدراما الدينية والتاريخية لا تقتصر فقط على الترفيه، بل تلعب دورًا مهمًا فى تقديم نماذج وشخصيات مؤثرة من التاريخ الإسلامى والعربى، بما يساعد الأجيال الجديدة على التعرف على سير العظماء والاقتداء بقيمهم ومبادئهم، مطالبة بضرورة عودة المؤسسات الرسمية والمنتجين إلى الاهتمام بإنتاج أعمال دينية تُكتب بعناية وتُنفذها بمستوى فنى راقٍ، بما يليق بقيمة هذه الأعمال ورسالتها التنويرية، مؤكدة أن الجمهور لا يزال متعطشًا لمثل هذا المحتوى الهادف.

تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض