تاريخ نشأة الصرح العلمي والديني الأزهر الشريف
أسس الصرح العلمي والديني الأزهر الشريف على يد الفاطميون في القاهرة؛ ليكون مركزًا رئيسًا للدراسة الدينية والعلمية في العالم الإسلامي؛ مرَّ الأزهر بتطورات كبيرة عبر العصور حيث تعرض للإغلاق، والتجديد، وظل دائمًا منارة للعلم والعلماء.
نشأة الأزهر الشريف
نشأ الأزهر في العصر بعد جهود مضنية استطاع الفاطميون- الذين ينسبون أنفسهم إلى السيدة فاطمة الزهراء بنت الرسول صلى الله عليه وسلم- أن يقيموا لهم دولة في شمال إفريقيا سنة؛ ولكن هدفهم الرئيسي كان حكم مصر، والشرق الإسلامي، وقد تحقق لهم هذا الهدف في عهد خليفتهم الرابع المعز لدين الله، الذي أرسل قائده الشهير جوهر الصقلي على رأس جيش كثيف إلى مصر، فاستولى عليها، وفي نفس اليوم الذي دخل فيه جوهر مصر، شرع في تأسيس عاصمة للدولة الجديدة، هي مدينة القاهرة، التي أطلق عليها جوهر في البداية المنصورية نسبة إلى الخليفة المنصور والد الخليفة المعز، ولكن المعز نفسه عندما حضر إلى مصر، غير اسمها إلى مدينة القاهرة، تفاؤلاً بأنها ستقهر غيرها، حسب ما يروي بعض المؤرخين في سبب تلك التسمية. [انظر: محمد عبد الله عنان، تاريخ الجامع الأزهر، الطبعة الثانية، مؤسسة الخانجي. القاهرة ص ١٦].
إنشاء الجامع الأزهر: من التقاليد الإسلامية الثابتة أن كل مدينة جديدة لا بد أن يقام بها مسجد جامع، وتمشيا مع هذه التقاليد شرع جوهر الصقلي في بناء الجامع الأزهر في الرابع والعشرين من جمادى الأولى سنة ٣٥٩هـ الموافق للسابع من مايو ٩٧٠م، واستغرق البناء نحو عامين، وفي السابع من شهر رمضان سنة ٣٦١هـ الموافق للثالث والعشرين من يونيو سنة ٩٧٢م، أقيمت فيه أول صلاة جمعة. [المرجع السابق ص١٨].
وأطلق عليه في البداية جامع القاهرة، ثم غلب عليه الاسم الذي أعطاه شهرة عالمية، قلما حظي بها مسجد آخر في العالم الإسلامي وهو: الجامع الأزهر، وأرجح أقوال المؤرخين أن هذه التسمية جاءت تيمناً باسم السيدة فاطمة الزهراء رضي الله عنها. [المرجع السابق ص١٩].
من السمات الرئيسية للإسلام أن المساجد فيه لم تكن مقصورة على أداء الصلوات، بل كانت تقوم بوظائف أخرى كثيرة ولا زالت؛ من أهمها: التعليم. ولما كانت الدولة الفاطمية دولة مذهبية تعتمد المذهب الشيعي الإسماعيلي في نظامها كله، وفي نظامها السياسي، فقد جعلت الجامع الأزهر منبرًا لنشر وترويج ذلك المذهب في مصر، وفي الوقت نفسه كانت تدرك صعوبة ذلك؛ لأنها تعلم مدى تمسك المصريين بمذهب أهل السُّنة والجماعة، فلم تلجأ إلى العنف في نشر مذهبها؛ ولكنها مضت قدمًا في نشره بوسائل سلمية، وتحقق لها غرضها على المدى البعيد، فبدأت بتغيير صيغة الأذان السُّني إلى صيغة الأذان الشيعي المعروفة.
وشيئاً فشيئاً أدخلت كل الطقوس، والمراسم الشيعية في الاحتفالات، والأعياد، والجامع الأزهر منذ تأسيسه أصبح معروفاً بأنه المسجد الرسمي للدولة الفاطمية، فهو مقر لقاضي القضاة، وداعي الدعاة، والمحتسب الذي كان يتبعه جهاز كبير من الموظفين في كل الاختصاصات، وكان له نواب في أنحاء البلاد، وهذا كله أضفى على الجامع الأزهر الطابع الرسمي. [انظر: د/عبد العزيز محمد الشناوي. الأزهر جامعا وجامعة، الطبعة الأولى، مكتبة الأنجلو المصرية-القاهرة ١٩٨٣ ج ١، ص٤٦. ٤٧].
الدراسة في الجامع الأزهر
بدأت الدراسة في الجامع الأزهر بعد مضي نحو ثلاث سنوات ونصف على إنشائه على شكل حلقات على النحو الذي كان مُتبعًا في كل المساجد في العالم الإسلامي في ذلك الزمان، وكان أول شيخ جلس للتدريس في الجامع الأزهر هو قاضي القضاة أبو الحسن علي بن محمد النعمان القيرواني، وأول الدروس التي ألقاها كانت من كتاب "الاختصار في الفقه الشيعي"، وهو من تأليف والده، وظل بنو النعمان يتصدرون الحلقات الدراسية في الجامع الأزهر، ثم انضم إليهم غيرهم من شيوخ المذهب.
دور الوزير يعقوب بن كِلِّس في تطوير الدراسة في الجامع الأزهر: يعقوب بن يوسف الملقب بابن كِلِّس، وكنيته أبو الفرج، يقال: إنه يهودي من أصل عراقي، ثم هاجر إلى الشام، ثم إلى مصر، ثم إلى المغرب؛ ليلتحق بخدمة الدولة الفاطمية، وقد اعتنق الإسلام، وتفقه في المذهب الشيعي الإسماعيلي، وبدأ يلقي الدروس بنفسه في ذلك المذهب، وكان يحضر دروسه حشد كبير من القضاة، والفقهاء، ورجال الحكومة، مما يدل على أهمية الرجل التي لم تقتصر على إلقاء الدروس في الجامع الأزهر، بل خطا به خطوات هائلة؛ لتحويله إلى جامعة إسلامية؛ لنشر المذهب الشيعي الإسماعيلي.
ولما كان الخليفة العزيز بالله الفاطمي ٣٦٥/٣٨٦هـ- ٩٧٥/٩٩٦م قد اختار ابن كِلِّس؛ ليكون وزيره الأول، والمنفذ في دولته، فقد أعد الرجل للأزهر ما عرف بمشروع ابن كِلِّس [د / عبد العزيز محمد الشناوي مرجع سابق ج ١، ص ٥٣] الذي عرضه على الخليفة، ووافقه عليه، وملخصه: "أن يختار الشيوخ الذين يُدَرِّسون، والطلبة الذين يَدْرُسون؛ لترسيخ المذهب، وأن تشملهم الدولة برعايتها، فترتب لهم مرتبات شهرية، وسكنًا لائقًا بالقرب من الأزهر"، وكان هذا كله أعطى دفعة هائلة للجامع الأزهر بفضل يعقوب بن كِلِّس.
العلوم التي كانت تدرس في الجامع الأزهر في العصر الفاطمي: إضافة إلى علوم أصول المذهب الشيعي التي كان يقوم بتدريسها بنو النعمان، والوزير ابن كلس نشأت علوم أخرى لغوية، وأدبية، بل إن بعض المتخصصين في تاريخ الجامع الأزهر [محمد عبد الله عنان. مرجع سابق ص ٩٠] يذكرون أن الدراسة فيه تجاوزت العلوم الدينية واللغوية، وشملت علومًا أخرى كثيرة، مثل: المنطق والطب والفلسفة والرياضيات، ولكن على نطاق ضيق.
تخصيص دروس للنساء في الجامع الأزهر: لم تقتصر الدراسة في الجامع الأزهر على الذكور، بل شملت النساء؛ فطلب العلم في الإسلام فريضة على كل مسلم ومسلمة، وكان تعليم النساء في الجامع الأزهر لنساء عامة الشعب، أما نساء القَصْر، وكبار رجال الدولة، فكن يتلقين الدروس في قصر الخليفة. [د/ عبد العزيز محمد الشناوي. مرجع سابق ج١ ص ٦٨].
أبرز العلماء الذين درسوا في الأزهر في العصر الفاطمي: إن عدد العلماء الذين تولوا التدريس في الجامع الأزهر في العصر الفاطمي يفوق الحصر، بالإضافة إلى المؤسسين، وهم: بنو النعمان والوزير ابن كِلِّس، فقد اضطلع بمهنة التدريس علماء كبار، مثل: عز الملك بن عبد الله المشهور بالمسبحي، وهو من كبار المؤرخين، ومثل: أبي الحسن على بن إبراهيم المعروف بالنحوي ت ٤٣٠هـ - ١٠٣٩م ومنهم: أبو العباس أحمد بن هاشم المصري ت ٤٤٥ هـ - ١٠٥٤م، ومحمد بن سلامة بن جعفر القضاعي المتوفي ٤٥٤هـ- ١٠٦٣م، وغيرهم كثيرون يطول الحديث بذكرهم. [انظر: محمد عبد الله عنان. مرجع سابق ص ٨٦ وما بعدها].
الموارد المالية للأزهر: كانت الدولة الفاطمية التي أنشأت الجامع الأزهر دولة غنية جدًا، ولذلك أنفقت على الجامع الأزهر، وشيوخه، وطلابه الكثير من الأموال؛ ليقوم بالدور الذي أناطته به، وهو نشر المذهب الشيعي الإسماعيلي، بالإضافة إلى الأوقاف الكثيرة التي أوقفتها الدولة كانت هناك أموال يدفعها بعض الدارسين طواعية، ثم هبات، وتبرعات الأغنياء. كل هذا جعل الأزهر يتمتع بقدرة مالية كبيرة؛ للنهوض بمسئوليته العلمية.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض