القضاء أنصف طلاب التعليم المفتوح والحكومة تصر على عقابهم:
فخ التعليم المدمج
عبير: «كان عندى حلم وراح مع الروتين»
منى: 4 سنوات دراسة وفى النهاية شهادة لا تؤهل لعمل
مستشار قانونى: عدم تنفيذ الحكم يعنى عزل الوزير وحبسه 6 أشهر
حضرتُ المحاضرات منذ اللحظة الأولى وكأننى أخشى أن يفوتنى شيء قد يؤخرنى عن الحلم الذى انتظرته طويلاً،كنت أدخل المدرج بقلب يرتجف، لا من الخوف، بل من رهبة اللحظة.. هكذا استهلت عبير محمود عبدالحليم، الحاصلة على بكالوريوس تربية من جامعة القاهرة حديثها، فهى واحدة من كثير من ضحايا التعليم المفتوح والمعروف بـ«التعليم المدمج».
القصة تتلخص فى عدم قدرة خريجى هذا النوع من التعليم على الحصول على درجتى الماجستير أو الدكتوراه أو توصيف المهنة فى البطاقة الشخصية، أو الإشراف على دورات تدريبية معتمدة أو التدريس فى أى جامعة حكومية.
اشتريت الملازم واحدة تلو الأخرى، وكنت أتأمل أغلفتها طويلاً قبل أن أفتحها، كأننى أتحقق من حقيقة ما أعيشه.. تستكمل «عبير» حديثها، وقالت أن هذه ليست مجرد أوراق، هذا طريق جديد بدأ أخيراً بعد سنوات من التأجيل والانشغال والمسئوليات. كنت أعود إلى المنزل محملة بالتعب، لكن التعب كان جميلاً، يشبه التعب الذى يشعر به الإنسان وهو يقترب من هدف طال انتظاره.
داخل منزلها وجدت «عبير» دعماً لم تكن تتخيله. وتصفه قائلة: «أولادى كانوا أكبر مشجع لي، بل كانوا طاقتى الحقيقية للاستمرار. هم من أصحاب المؤهلات العليا، ومن المتفوقين دراسياً، ومع ذلك لم يشعرونى يوماً بأننى متأخرة أو أقل شأناً، على العكس، كانوا ينظرون إليبفخر، ويكررون أمام الجميع بابتسامة لا تخلو من المزاح: «الدكتورة ماما»، كانوا ينادوننى بهذا اللقب وكأنه حقيقة قادمة لا شك فيها، ومع كل مرة أسمعها، كنت أشعر بثقل المسئولية على كتفي، فأنا لا أدرس من أجل نفسى فقط، بل من أجل صورة أريد أن أرسخها فى أذهانهم: أن الحلم لا يسقط بالتقادم، كنت أذاكر ليلاً ونهاراً.
تصمت قليلاً وتعود «عبير» لحديثها بعدما تتذكر بعض السيناريوهات القديمة قائلة: أذاكر والبيت هادئ، والناس نيام، والوقت ينسحب ببطء من بين أصابعي. كنت أكرر بينى وبين نفسى: لازم أنجح. والنجاح هنا ليس مجرد عبور سنة دراسية، بل إثبات ذات، كنت أؤمن أننى لو دخلت هذا الطريق، فلا بد أن أقطعه حتى النهاية، وبأقصى ما أملك من قوة. لم أسمح للتعب أن يكون عذراً، ولا للسن أن يكون حجة. كنت أريد أن أكون قدّ الحلم الذى أيقظته بنفسى.
مرت السنة الأولى، ونجحت.. فرحت، نعم، لكن داخلى لم يهدأ.. تستكمل عبير قائلة: «قلت لنفسى بوضوح: هذا لا يكفى. لماذا تكتفين بالنجاح فقط؟ لماذا لا يكون التفوق؟ لماذا لا تكون التقديرات العالية؟ ومنذ تلك اللحظة، تغير كل شىء،أصبحت أذاكر أكثر، وأبحث وأكتب وألخص، وكأننى فى سباق مع نفسى»
جاءت جائحة كورونا، وقلبت موازين الحياة، توقفت الدراسة الحضورية، وأصبحت المحاضرات عن بُعد، وتوقفت عن العمل لفترة، فجأة، وجدت نفسى أمام وقت طويل، بلا أعذار، لم يعد هناك ما أعلل به التقصير، ولم يعد هناك ما يمنعنى من بذل أقصى جهد، شعرت وكأن السماء منحتنى فرصة إضافية، اختباراً حقيقياً: ماذا ستفعلين بالوقت؟ هل ستستسلمين للظروف أم ستحولينها إلى نقطة قوة؟.
تستكمل عبير روايتها الطموحة: ضاعفت المذاكرة، أصبحت ساعات الدراسة أطول، والتركيز أعمق. كنت أذاكر وكأن كل مادة معركة صغيرة يجب أن أخرج منها منتصرة، لم أكن أريد مجرد النجاح، كنت أريد أن أنظر فى المرآة وأقول: نعم، فعلتها كما ينبغي. ومع اقتراب الامتحانات، كنت مرهقة جسدياً، لكن روحى كانت ثابتة، مطمئنة، لأنها تعلم أننى لم أبخل على الحلم بشيء.
وعندما ظهرت النتيجة توقفت أمام الشاشة للحظات لا أتنفس. امتياز فى كل المواد. امتياز… الكلمة التى حلمت بها طويلاً. شعرت بأن قلبى يكبر فجأة، وأن سنوات التعب كلها تجمعت فى تلك اللحظة. بكيت، وضحكت، وابتسمت لنفسى بفخر. نعم، أنا لست أقل من أى أحد، الله منحنى الفرصة، وأنا لم أفرط فيها، كان امتيازاً صادقاً، مستحقاً. دليلاً على أن من يصدق حلمه، ويجرى وراءه بإصرار، يصل فى النهاية، مهما تأخر الطريق.
وكان يوم التخرج. يوم لا يشبه أى يوم آخر، كان يوم ولادتى الحقيقية، خروجى للحياة من جديد. حفلة مدفوعة، كل طالب وطالبة يدفع ألف جنيه، لكن ما حصلت عليه كان أثمن من أى رقم، وقفت بين الخريجين، اسمى يُنادى، وقلبى يسبق خطواتي، فى تلك اللحظة، لم أكن فقط خريجة جامعة، كنت إنسانة انتصرت على الزمن، وصدقت حلمها، ووصلت. كان أجمل يوم فى حياتي، لأنه أعلن رسمياً أن الحلم، مهما تأخر، حين يتحقق، يولد صاحبه من جديد.
صدمة منى
منى عباس عبدالرحيم، لم تدخل الدراسة لرعاية ذوى الاحتياجات الخاصة بحثاً عن لقب، ولا سعياً وراء شهادة تُعلَّق على الحائط، كانت تؤمن أن ذوى الاحتياجات الخاصة يستحقون من يفهمهم، ويصبر عليهم، ويدافع عن حقهم فى التعليم والحياة الكريمة، كانت تعمل فى مجال الخدمة الاجتماعية، تدرّس وتتعلم وتطوّر نفسها، إلى أن قيل لها أن الطريق الصحيح هو «التعليم المفتوح».
عام 2019، التحقت «منى» بكلية التربية – طفولة، ضمن نظام التعليم المفتوح، دفعت ما طُلب منها، درست واجتهدت، وحضرت التدريب، وكانت المادة الواحدة تكلفها 400 جنيه، وفى التيرم الواحد نحو 8 مواد، 4 سنوات كاملة من الدراسة، بين بيت ومسئوليات وزواج، وبين حلم كبير بأن تصبح أخصائية تربية خاصة معترفاً بها.
لم يعد «تعليماً مفتوحاً»، بل أصبح «تعليماً مدمجاً».. كانت هنا بداية الفخ لـ«منى» اعتقدت أن الشهادة معتمدة، وإن المستقبل آمن، وإن هذا النظام هو التطوير الطبيعى للتعليم،لم تعترض بل استمرت هى وزملائها لأنهم كانوا قد قطعوا نصف الطريق، ولأن الرجوع لم يعد خياراً.
لكن الصدمة جاءت متأخرة… وقاسية وقالت «منى» أن جامعة القاهرة رفعت قضية على وزارة التعليم العالي، للمطالبة بأن تكون شهادة التعليم المدمج شهادة أكاديمية لا مهنية، وبين أروقة القضايا والقرارات، سقط الخريجون فى المنتصف، خرجت الشهادة «مهنية» فقط، لا تؤهل لتعيين رسمي، لا تسمح بالسفر للعمل خارج مصر، لا تتيح تقديم كورسات معتمدة، ولا تفتح باب الماجستير أو الدكتوراه.
«أربع سنوات من التفوق، انتهت بورقة… لا تعترف بها الدولة كما يجب.» تقول الأخصائية: «إحنا ما فشلناش، إحنا اتعاقبنا. اتقال لنا ذاكروا واجتهدوا، ولما نجحنا اكتشفنا أن شهادتنا حرمتنا من كل حاجة»، لم يكن الألم فى ضياع فرصة عمل فقط، بل فى الإحساس بالخذلان. خذلان مؤسسة قالت أن الطريق آمن، ثم تركتهم فى منطقة رمادية لا هم طلاب، ولا هم أكاديميون، ولا هم معترف بهم مهنياً بشكل كامل.
أصل الحكاية
هذه الحال التى وصل إليها خريجو التعليم المدمج يرجع إلى قرار مجلس الوزراء بتعديل اللائحة التنفيذية لقانون تنظيم الجامعات والذى نص على أن تضاف مادة جديدة برقم «248 مكرراً 134» إلى اللائحة التنفيذية للقانون تنص على أن تمنح مجالس الجامعات بناءً على طلب مجلس الكلية أو المعهد التابع لها الدرجات المهنية والدبلومات المهنية الآتية:
1- درجة البكالوريوس أو الليسانس المهنى – بحسب الأحوال – فى أحد التخصصات التى تحدد فى اللائحة الداخلية للكلية أو المعهد.
2- الدبلوم المهنى فى أحد التخصصات التى تحدد فى اللائحة الداخلية للكلية أو المعهد.
3- درجة الماجستير المهنى فى أحد التخصصات التى تحددها اللائحة الداخلية للكلية أو المعهد.
4- درجة الدكتوراه المهنية فى أحد التخصصات التى تحدد فى اللائحة الداخلية للكلية أو المعهد.
وقد أثارت هذه التعديلات جدلاً واسعاً حول شرعية الشهادات المهنية ومبدأ تكافؤ الفرص بين طلاب التعليم المفتوح والنظامي، وأوضح الدكتور عامر حسن، رئيس رابطة التعليم المفتوح، أن التعديلات الأخيرة لن تؤثر على الوضع القانونى للطلاب القدامى أو الحاصلين على أحكام قضائية بشأن أكاديمية شهادات التعليم المفتوح السابقة، مشدداً على أن هذه المراكز القانونية المستقرة ستظل محفوظة.
وأضاف أن التعديلات أثارت مخاوف بشأن الطلاب الجدد، إذ تواجه إضافة مسار البكالوريوس المهنى عقبات قانونية ودستورية، خصوصاً بعد أن سبق للمحكمة الإدارية العليا أن ألغت استحداث الشهادات المهنية (بكالوريوس وليسانس مهني)، ما يضع الطلاب فى حالة من القلق حول مدى الاعتراف بهذه الشهادات مستقبلاً.
كما أعرب «حسن» عن اعتراضه على حصر طلاب التعليم المفتوح فى المسار المهنى فقط، فى حين تتيح الجامعات والمعاهد النظامية الجمع بين المسارين الأكاديمى والمهني، معتبراً هذا التمييز غير مبرر. وأشار إلى أن الدستور وأحكام المحكمة الدستورية تمنع التفرقة بين طالب التعليم المفتوح والطالب النظامي، داعياً إلى فتح المسارين أمام طلاب التعليم المفتوح ليتمكن كل طالب من اختيار المسار المناسب لتطلعاته.
كما انتقد مقترح الدراسة لمدة أربع سنوات فى المسار المهنى ثم إضافة سنة خامسة للتحويل إلى المسار الأكاديمي، واصفاً هذا الإجراء بأنه غير ضرورى إذا كان بالإمكان توفير المسار الأكاديمى منذ البداية.
وختم حديثه بأن وجود الشهادات المهنية ليس محل اعتراض، بشرط أن يتم تصميمها وتنفيذها بشكل يتيح للطالب اختيارها طواعية لقوتها فى سوق العمل، وليس لإجباره عليها كخيار وحيد يُعتبر أدنى درجة من المسار الأكاديمي.

العدالة تنصف خريجى الشهادات المهنية
وتعليقا على ذلك قال المستشار القانونى عبدالنبى ثابت، المحامى بالنقض والإدارية العُليا، أن الدائرة السادسة بالمحكمة الإدارية العليا- مجلس الدولة أنصفت خريجى الشهادات المهنية ليتمتعوا بما كفله لهم القانون بإضافة المسمى الوظيفى فى بطاقاتهم الشخصية فضلاً عن السماح لهم بالحصول على درجتى الماجستير والدكتوراه.
وأضاف «عبدالنبى»، أن الحكم الصادر واجب النفاذ على وزارة التعليم العالي، وقد أفاد الحكم نصاً «بقبول الطعنين شكلاً وموضوعاً.. بتعديل الحكم المطعون فيه ليكون بإلغاء قرار المجلس الأعلى للجامعات والمطعون فيه، فيما تضمنه من استحداث شهادات الدبلوم المهنى والبكالوريوس والليسانس المهني، وما يترتب عليه من آثار.
وأشار إلى أنّه فى حالة استمرار تقاعس وزارة التعليم العالى عن تفيذ الحكم، على المتضررين أن يأخدوا الصيغة التنفيذية من الحكم لينفذ بـ«القوة الجبرية» وتابع: فى حالة امتناع الوزارة عن تنفيذ الحكم يمكن رفع جنحة مباشرة بعدم التنفيذ، وعقوبتها عزل من الوظيفة وحبس 6 أشهر، على أن توجه المخاطبة على محل سكن الوزير وليس محل عمله.
ى" width="735" height="552">حرمان
الآثار المترتبة على عدم تنفيذ الوزارة للحكم ليست قاصرة على الناحية القانونية وإنما تمتد لتشمل آثارا نفسية على ضحايا هذا التعليم، وهو ما أكدته الدكتورة عبير عبدالله، خبير نفسى وتربوى، مشيرة إلى أن هؤلاء الخريجين سيكون لديهم شعور بالحرمان النفسى مرتبط بعدم الاعتراف الرسمى والكفاءة المهنية، حيث يواجه خريجو بعض البرامج التعليمية قيوداً واضحة على إكمال الدراسات العليا، أو الحصول على توصيف وظيفى رسمي، أو حتى التدريس فى الجامعات الحكومية. وهذا الحرمان لا يؤثر فقط على المسار المهنى للفرد، بل يمس هويته الذاتية، إذ يشعر بأن جهوده وطموحاته غير معترف بها، ما قد يؤدى إلى انخفاض تقدير الذات وزيادة مستويات القلق المستمر.»
وأضافت: «كما يظهر الضغط النفسى الناتج عن محاولة إثبات الذات، فمثلاً بعض الأفراد يدفعون أنفسهم إلى مستويات تفوق استثنائية لتجاوز شعور النقص الداخلي، وهو ما يفرض ضغوطاً مستمرة على الصحة النفسية والجسدية
وأوضحت الدكتورة عبير: «هناك أيضاً آثار اجتماعية وأسرية ملحوظة، إذ قد يشعر الأفراد بأنهم متأخرون عن أقرانهم أو عبء على أسرهم، ما يثير شعوراً بالوحدة أو العزلة النفسية، حتى مع وجود دعم أسري. وفى النهاية، هذا المسار الطويل والمليء بالعقبات يولد ضرراً نفسياً مزدوجاً: القلق المستمر بشأن المستقبل، والضغط لتحقيق التفوق كتعويض عن فقدان الاعتراف القانونى والمجتمعي.»
واختمت حديثها بالقول: «من منظور نفسي، يحتاج هؤلاء الأفراد إلى دعم معنوى مستمر، وإعادة تقييم اجتماعى لمكانة التعليم المدمج، ووضع سياسات تعترف بمؤهلاتهم، لتخفيف العبء النفسى المستمر وتحقيق شعور حقيقى بالقيمة والإنجاز».
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض