رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

في الظاهر، تبدو أفريقيا قارة تحكمها الشعوب عبر صناديق الاقتراع، ودساتير حديثة، وخطاب ديمقراطي لا يهدأ. لكن في العمق، تتشابك خيوط السلطة بين السلاح والموارد والنفوذ الخارجي، لتصبح مسألة “من يحكم أفريقيا” سؤالًا أكثر إزعاجًا من كونه نظريًا، خاصة حين تتحول الدولة نفسها إلى طرف ضعيف داخل حدودها.
خلال السنوات الخمس الأخيرة، شهدت القارة أكثر من 25 عملية انتخابية رئاسية وبرلمانية، إلا أن أكثر من 40٪ منها جاءت محل نزاع سياسي وشعبي. في بعض الدول، مثل أوغندا وتنزانيا وزيمبابوي، لم تكن المشكلة في يوم التصويت ذاته، بل في ما سبقه وما تلاه: تضييق على المعارضة، سيطرة الحزب الحاكم على الإعلام، وقطع أو تقييد الإنترنت كأداة سياسية. وهنا تصبح الانتخابات إجراءً شكليًا يمنح شرعية قانونية لسلطة محسومة سلفًا، لا تعبيرًا حقيقيًا عن إرادة الشعوب.
هذا الفراغ في الثقة مهّد الطريق لعودة السلاح كلاعب سياسي مباشر. فمنذ عام 2020، شهدت دول مثل مالي، بوركينا فاسو، النيجر، وغينيا سلسلة انقلابات عسكرية متتابعة، لم تأتِ فقط نتيجة طموح عسكري، بل نتيجة فشل مدني واضح في إدارة الأمن والاقتصاد. الأخطر أن بعض هذه الانقلابات حظي بدعم شعبي نسبي، في مشهد يعكس تحوّلًا خطيرًا: شعوب تُفضّل الحكم العسكري المؤقت على الديمقراطية الدائمة العاجزة.
في السودان، يتجسد هذا الصراع بأقسى صوره. فالدولة لا تُدار عبر مؤسسات مدنية أو عسكرية تقليدية، بل عبر مراكز قوة مسلحة متنافسة، لكل منها مصادر تمويله وتحالفاته الخارجية. وتشير تقديرات اقتصادية إلى أن الاقتصاد المرتبط بالسلاح والتهريب والذهب خارج سيطرة الدولة تجاوز عدة مليارات من الدولارات سنويًا، ما جعل استمرار الصراع أكثر ربحية من السلام نفسه.
وهنا يظهر البعد الأخطر: السلاح في أفريقيا لم يعد مجرد أداة انقلاب، بل اقتصادًا كاملًا. في شرق الكونغو الديمقراطية، على سبيل المثال، تسيطر ميليشيات مسلحة على مناجم الألماس والذهب، وتُقدَّر عائدات التعدين غير الشرعي بأكثر من 1.5 مليار دولار سنويًا. هذه الأموال لا تمر عبر خزائن الدولة، ولا تُستخدم في التنمية، بل تُعاد تدويرها في شراء السلاح وإطالة أمد النزاع، في حلقة مغلقة تُقصي الدولة والشعب معًا.
أما الموارد الطبيعية، فهي الحكم الصامت الذي لا يظهر في الواجهة، لكنه يحدد من يملك القرار الحقيقي. أفريقيا تمتلك نحو 30٪ من الاحتياطي العالمي للمعادن الاستراتيجية اللازمة لصناعة البطاريات والسيارات الكهربائية، وعلى رأسها الكوبالت والليثيوم والمنغنيز. ومع ذلك، لا تتجاوز مساهمة القارة في سلاسل التصنيع العالمية أقل من 3٪. دول مثل الكونغو وزامبيا وموزمبيق تُصدّر الموارد خامًا، بينما تُستورد المنتجات النهائية بأسعار مضاعفة، في إعادة إنتاج حديثة لعلاقة استعمارية قديمة.
هذا الخلل البنيوي فتح الباب واسعًا أمام صراع النفوذ الدولي. الصين أصبحت الشريك التجاري الأول لأكثر من 25 دولة أفريقية، بحجم تبادل تجاري تجاوز 280 مليار دولار سنويًا، مقابل قروض وبنية تحتية غالبًا ما تُدار بشروط تُقيّد القرار السيادي طويل الأمد. في المقابل، عادت روسيا إلى القارة عبر بوابة الأمن، حيث تشير بيانات دولية إلى أن أكثر من 40٪ من واردات السلاح الأفريقية تأتي من روسيا، مع حضور متزايد لشركات أمنية خاصة في دول تعاني من هشاشة الدولة. أما القوى الغربية، فتبدو مترددة، ترفع شعارات الديمقراطية بينما تخسر نفوذها الفعلي على الأرض.
وسط هذا كله، تقف الشعوب الأفريقية في موقع المتفرج القَلِق. فالقارة هي الأصغر سنًا عالميًا، إذ يشكّل الشباب تحت سن 25 عامًا أكثر من 60٪ من السكان، لكن هذه الكتلة السكانية الهائلة تُواجه بطالة تتجاوز 30٪ في بعض الدول، وانسدادًا سياسيًا يدفعها إما للهجرة، أو للاحتجاج، أو للانخراط في جماعات مسلحة ترى في السلاح طريقًا أسرع من السياسة.
الخلاصة القاسية أن أفريقيا اليوم لا يحكمها طرف واحد، بل تحكمها معادلة قوة. الشعوب تملك الشرعية لكنها محرومة من الأدوات. السلاح يملك السيطرة لكنه بلا رؤية دولة. والموارد تملك القيمة لكنها تُدار غالبًا لصالح الخارج أو النخب المسلحة. وفي هذا الفراغ، تُدار القارة لا وفق الدساتير، بل وفق من يسيطر على المناجم، ومن يحمي طرق التجارة، ومن يملك مفاتيح الأمن.
ويبقى السؤال الأكثر جرأة: هل ما يحدث في أفريقيا فشل داخلي فقط، أم نتيجة نظام دولي لا يرى في القارة سوى مخزن موارد وسوق نفوذ؟ وهل تستطيع الدول الأفريقية كسر هذه المعادلة، أم أن من يحكم أفريقيا سيظل هو من يملك السلاح والموارد، لا من يملك أصوات الشعوب؟