رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

تأملات

أظن، وليس فى ظنى أى إثم، أن الحديث عن انهيار النظام الدولى، الذى يدور هذه الأيام ليس فيه أية مبالغة فى رصد الواقع، وإن كانت المشكلة تبقى فى توصيف الحالة التى نعيشها هل هى نظام دولى جديد، أم حالة سيولة فى رحلة التحول إلى هذا النظام. فى رأيى أننا إلى الوضع الثانى أقرب، بمعنى أننا فى مرحلة مخاض، ربما تكمن أهم ملامحها فيما يمكن وصفه باللا نظام الدولى. هى مرحلة يتم خلالها وقف العمل بقواعد النظام القديم، ولأنه لم يتم الاستقرار على جديده فإنه يتم السير بدون قواعد تمهيدًا لمرحلة التوافق على هذه القواعد.

ولأن الولايات المتحدة هى المهيمنة على مقدرات الأمور، فإنها تعيش مرحل صراع من أجل تشكيل الوضع الجديد على هواها، وفى الإطار الذى تراه مناسبًا. لا يعنى ذلك أنها تدير الأمر منفردة وإنما بسياق تنافسى أحيانًا وصراعى أحيانًا أخرى وتأمرى فى أحيان ثالثة مع باقى القوى الفاعلة فى ذلك النظام بغض النظر عن حدود تلك الفعالية.

خذ مثلًا مجلس ترامب للسلام، فرغم أن الفكرة حتى الآن تبدو هلامية وغير واضحة المعالم، إلا أنها تمثل نواة لتشكيل إطار تنظيمى جديد يدير العالم بديلًا للأمم المتحدة. الاختلاف هنا بين مجلس ترامب، والأمم المتحدة، أن الثانية تشكلت على قاعدة أن الولايات المتحدة واحدة من بين مجموعة قوى عديدة تدير النظام الدولى، فيما أن الأول- مجلس السلام- يقوم على نحو تشكل معه هى الصوت المرجح والأساسى.

من ناحية ثانية، فإنه مما يكشف طموحات واشنطن أن مثل تلك المبادرة لم تطرح للنقاش ومن خلال المنصة الدولية، بل اتخذت خطوات لتحويلها إلى واقع على الأرض على أمل أن تجذب فى نهاية الأمر الجميع. ليس ذلك فقط بل إن الأمم المتحدة ذاتها استخدمت كأداة للتخديم على الفكرة باعتبار أنها كانت فى البداية ليست سوى لجنة للسلام فى غزة أقرتها المنظمة الدولية.

فى طريقها لتشكيل قواعد جديدة للنظام الدولى على أنقاض تلك القديمة، تصوغ الولايات المتحدة سياسات تهدم جوهر الأساس الذى قامت عليه علاقات الدول وهو مفهوم السيادة، وإذا كان ذلك تجلى بشكل واضح فى حالة «اختطاف» مادورو رئيس فنزويلا الذى تقبله العالم على مضض وأصبح أمرًا واقعًا، فإن أمريكا- ترامب تسعى لأن تكرر وتكرس المبدأ من خلال سياساتها تجاه إيران. بعيدًا عن مشكلة البرنامج النووى والذى نقض ترامب خلال فترة رئاسته الأولى الاتفاق بشأنه مع إيران، فإن الجديد هذه المرة هو محاولة تقديم مبدأ مطاط يسمح بالتدخل العسكرى على خلفية قضايا ذات شأن داخلى فى دول أخرى مثل الاحتجاجات فى إيران. فى الماضى كانت المبررات تساق باعتبار أن الاضطهادات تطال أصحاب أقليات دينية أو عرقية مثلًا تنتمى للدولة المتدخلة، وهو أمر غير قائم فى حالة المواجهة الإيرانية الأمريكية الأخيرة. ثم إن ترامب الذى لم يحرك ساكنًا بشأن 70 ألف شهيد فلسطينى فى غزة إن لم يكن أسهم فى عملية القتل، آخر من يحق له الحديث عن قمع احتجاجات. ربما بالمنطق ذاته، لو صحت الفكرة من الأساس، لحق لروسيا أو الصين التدخل عسكريًا لوقف قمع نظام ترامب للمحتجين الأمريكيين فى الولايات المختلفة!

إلى أين تسير بنا التطورات؟ بقدر صعوبة التنبؤ بمآل الأمور، بقدر سهولة التأكيد أننا نعيش مرحلة أشبه بما عاشه العالم بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى أو بعد عام 45 من القرن الماضى.. وسط يقين بأن النظام الجديد لن يكون أمريكيًا كما يريد ترامب، وأن ما يقوم به ليس سوى محاولة يائسة للتمسك بالقيادة التى تفلت من بلاده.

[email protected]