رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

تأملات

هذه وجهة نظر تحتمل الصواب وتحتمل الخطأ، وإن كانت، على ما أرى، الى الصواب أقرب وإن كان الزمن وحده كفيل بالفصل فى الأمر. تتعلق المسألة بنمط سياسات ترامب أو الولايات المتحدة تجاه العالم فيما بعد تولى الرئيس الحالى الحكم فى دورته الثانية، وما إذا كانت هذه السياسات تعبر عن ترامب نفسه كفرد أم عن سياسة عامة رسمتها أجهزة الدولة العميقة هناك. وإذا كنا قد أشرنا من قبل إلى أن سياسات ترامب فى فترته الأولى تختلف كثيرًا عن فترته الثانية، فقد لا يكون من المبالغة أن نشير إلى أن فترة حكم ترامب الحالية ستعتبر فاصلة فى تاريخ السياسات الدولية المعاصر على نحو يذكر معه النظام الدولى ما قبل ترامب وما بعده.

أى مراقب لحال السياسة الدولية، لا بد أن يصاب بالذهول إذا ما حاول رصد حال العالم بعد عام من تولى ترامب الحكم فى يناير الماضى. لقد انتهج الرجل على مدى تلك الفترة القليلة فى عمر الدول أنماط من السياسات لم تعهدها بلاده أو العالم من قبل، إنه يقود ثورة على النظام الدولى تدكه دكًا وتحوله الى أنقاض. الغريب أو المثير للتساؤل أن ترامب لا يهدف الى بناء نظام جديد، على الأقل فى حدود تقييم سياساته الحالية، وإنما يهدم القديم عابرًا بالعالم الى مرحلة يمكن وصفها باللا نظام الدولى ربما وصولًا إلى نظام دولى جديد يتفق أو يقوم على المعايير الأمريكية.

إذا كان الأمر على هذا النحو، فإن ذلك، وهنا محل فرضيتنا، يشكك فى أن ترامب يعبر بذلك عن شخصه وإنما يعبر عن سياسة ربما تأتى فى إطار رؤية استراتيجية أمريكية أشمل لشكل العالم فى المرحلة المقبلة. ليس دفاعًا عن النظام الأمريكى وإنما محاولة للفهم والتعقل أن نشير الى أنه من الصعب على هذا النظام الذى استقر على مدار أكثر من ثلاثة قرون أن يغيره شخص واحد بمفرده وبهذا الشكل الجذرى.

ربما تأتى سياسات ترامب، محاولة للتكيف مع متغيرات النظام الدولى ومحاولة الحفاظ على الهيمنة واستعادة ما تآكل من القدرة على هذه الهيمنة. ومن المتصور، وهذه فرضية أخرى تمثل استكمالًا لسابقتها، أن هذه السياسة تنطلق من محاولة صياغة عالم ثلاثى الأقطاب تمثل الصين وروسيا ضلعين رئيسيين فيه فيما تمثل الولايات المتحدة الضلع الثالث.

مؤدى ذلك أن ترامب ليس ذلك المبدع فى تقديم شكل وصيغة جديدة للأداء الرئاسى الأمريكى وإنما قد لا يعدو سوى أن يكون منفذ أو واجهة لسياسات يراد لها أن تتم على أرض الواقع، سياسات تتطلب نوعًا مختلفًا من الأداء الذى يلتزم قمة الفجاجة والتخلى عن قواعد الدبلوماسية الدولية ويصل إلى حد لا تفصله سوى شعرة بسيطة عن التهور أو الجنون.

طبعا هذه الرؤية، قد تحمل، فى منظور البعض، قدرًا من الشطط، وهو كذلك، ولكن فهم أو محاولة استيعاب ما نشهده على مسرح السياسة العالمية يتطلب نوعًا من الخيال يتجاوز الرؤى التى تحاول أن تتسم بالرصانة والتى لم تدع لها سياسات ترامب مجالا، حيث أصبحت تتجاوز قدرة الآخرين على تخيلها أو وضع سقف لها. ولعل فى انقلاب الرئيس الأمريكى على حلفائه الأوروبيين مثالًا بارزًا على ذلك، حيث من المتصور أن أى مسئول أوروبى لم يذهب فى أكثر كوابيسه إزعاجًا لحد تصور أن تنقلب واشنطن على بلاده على نحو ما شهدته على يد ترامب.

أيًا كان فإن الفترة المقبلة حبلى بالكثير من التغيرات التى تؤكد انتهاء نظام دولى والدخول فى مخاض نظام آخر جديد.

[email protected]