رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

بعد دهس عاملتين فى أكتوبر:

عمال النظافة.. شقاء حتى آخر العمر

بوابة الوفد الإلكترونية

أم حسن: الشغل أرحم من مد الإيد.. وعبدالسلام: لجأت لجمع القمامة بعد أن أقعدنى المرض

عم رمضان: أعمل قبل الفجر حتى لا يرانى أحد.. وزينب ربت أبناءها اليتامى وتعمل للتخفيف عنهم

الفقر والأمراض تحاصرهم.. وفى النهاية يروحون ضحايا للقمة العيش

 

على الأرصفة وفى الشوارع الجانبية، سيدات تجاوز بعضهن سن الستين، ورجال شابت رؤوسهم وانهكتهم الأمراض، يعملون فى كنس الشوارع وجمع القمامة مقابل عشرات الجنيهات يوميًا، أغلبهم خارج أى إطار رسمى، بلا عقود بلا تأمين اجتماعى أوصحى، وبلا أدوات أمان، فلم يعد الشيب علامة الراحة، حيث تحولت سنوات العمر الأخيرة إلى سباق قاسٍ مع الفقر، ولم يعد عنوانًا للوقار أو الطمأنينة، بل صار فى كثير من الأحيان بطاقة عبور إجبارية إلى الشارع، حيث العمل الشاق والخطر الدائم.

فى ساعات الفجر الأولى، يعلو صوت السيارات المسرعة على الطرق، يظهر رجال ونساء تجاوزوا الستين والسبعين من أعمارهم، يحملون مكانس، أو يجرون أكياس قمامة، يمشون بخطوات متعبة بحثًا عن رزق يومهم، هؤلاء لا يطلبون صدقة، ولا يمدون أيديهم، بل يعملون حتى آخر نفس.

مشهد كبار السن وهم ينظفون الشوارع لم يعد استثناءً، بل صار جزءًا من الحياة اليومية فى المدن والقرى، عجوز منحنية الظهر تكنس الأسفلت، ورجل سبعينى يتكئ على عصا، بينما يحمل جوالًا أثقل من جسده، وامرأة تحمل نعناع لبيعه حتى توفر قوت يومها وأخرى مسنة تراقب السيارات بعين مرتعشة وهى تحاول أن تنهى عملها قبل أن يبتلعها الطريق، كل واحد منهم يحمل قصة طويلة من العمل والعطاء، انتهت بمعاش هزيل لا يكفى ثمن الدواء، أو بلا معاش من الأساس.

والأمر لا يتوقف على هذه المعاناة إنما قد يصل لحد الموت فى الشوارع بسبب سيارة مسرعة يقودها شاب متهور، أو سائق أرعن ليروح هؤلاء العمال البسطاء ضحية للقمة عيش لا تسمن ولا تغنى من جوع.

فمنذ أيام قليلة شهدت منطقة سكن مصر بمدينة زهراء أكتوبر الجديدة حادثًا مأساويًا أسفر عن مصرع سيدتين من عاملات النظافة، بعدما دهستهما سيارة كان يقودها طفل داخل أحد شوارع المنطقة.

وكشفت تفاصيل الواقعة عن أن الطفل فقد السيطرة على عجلة القيادة بسبب السرعة الزائدة، ما أدى إلى انحراف السيارة بشكل مفاجئ وصعودها فوق الرصيف الذى كانت تجلس عليه العاملتان، لتصطدم بهما بقوة وتسفر عن وفاتهما فى الحال متأثرتين بإصابات بالغة.

وأظهرت التحريات الأولية أن السيارة الخاصة التى كان يقودها الطفل كانت تسير بسرعة كبيرة داخل نطاق المشروع السكنى، وكان برفقته أحد أصدقائه وقت وقوع الحادث.

وبحسب التحريات، فقد انحرفت السيارة فجأة تجاه الرصيف الذى كانت تجلس عليه عاملات النظافة أثناء أدائهن عملهن اليومى، ما أسفر عن دهس سيدتين منهن مباشرة.

وتم نقل جثمانى الضحيتين إلى المستشفى تحت تصرف الجهات المختصة، فيما تحفظت الأجهزة الأمنية على الطفل قائد السيارة وعلى المركبة المستخدمة فى الحادث، وجرى تحرير محضر بالواقعة تمهيدًا لعرضه على النيابة العامة التى باشرت التحقيقات للوقوف على ملابسات الحادث كاملة.

هذا الحادث أثار حالة من الحزن والأسى بين سكان المنطقة، خاصة أن الضحيتين كانتا من الوجوه المعروفة لدى الأهالى بحرصهما اليومى على نظافة الشوارع.

 

واقع أشد قسوة

هذا الحادث لم يكن مجرد خبر عابر فى صفحات الحوادث، بل لحظة كاشفة لواقع أشد قسوة، لحظة أظهرت كيف يمكن أن تتحول لقمة العيش إلى شهادة وفاة، وكيف يصبح الشارع ساحة مفتوحة للموت، خاصة لمن أنهكهم العمر ولم يعد لديهم القدرة على الهروب أو المقاومة، الحادث أعاد طرح سؤال موجع: لماذا يعمل كبار السن فى أخطر المهن ولماذا يُتركون وحدهم فى مواجهة الفقر والموت؟

كبار السن الذين يعملون فى الشوارع ليسوا هواة شقاء، ولا أبطالًا أسطوريين يتحدون العمر، بل ضحايا منظومة اجتماعية واقتصادية دفعتهم دفعًا إلى هذا المصير، أغلبهم عمل طوال حياته، ودفع ما عليه من ضرائب وجهد وعرق، لكنه حين وصل إلى سن الشيخوخة لم يجد مصدر أمان يحميه من الانزلاق إلى الفقر، معاشات لا تواكب الغلاء، وبرامج حماية لا تشمل الجميع، وواقع اقتصادى يزداد قسوة عامًا بعد عام.

هذا التحقيق لا يتوقف عند حادث الدهس، ولا يكتفى برصد الأرقام، بل يحاول الاقتراب من الحكايات الإنسانية المختبئة خلف المكانس وأكياس القمامة، حكايات رجال ونساء لم يطلبوا الكثير من الحياة، لكن الحياة طلبت منهم كل شيء، حتى أعمارهم، حكايات تكشف كيف يتحول العمل فى الشيخوخة من حق فى الكرامة إلى معركة يومية من أجل البقاء، وكيف يصبح كبار السن بالفعل ضحايا لقمة العيش.

 

بنشتغل علشان ما نمدش إيدنا

أم حسن، 68 عامًا، تعمل فى تنظيف الشوارع منذ سنوات تقول وهى تمسح العرق عن جبينها جوزى مات من عشر سنين، والمعاش 900 جنيه بتخلص على أدوية السكر والضغط، لو قعدت فى البيت هموت من القهر ومش بحب امد أيدى لحد، فبنزل أشتغل.

تتحرك أم حسن ببطء، ظهرها مقوس وركبتاها تؤلمانها، لكنها تصر على النزول كل يوم.

الحاجة أم محمد قاربت على السبعين من عمرها، وما زالت تعمل بحثًا عن لقمة العيش، زوجت ابنها ولكن إمكاناته محدودة، فاختارت ألا تثقل كاهله، وتعمل كعاملة نظافة بإحدى المؤسسات الخاصة مقابل أجر هزيل، ورغم حاجتها الشديدة للرعاية بسبب حالتها الصحية، تسير متكئة على قدم تؤلمها، وظهرٍ أنهكه الوجع، ومع ذلك تؤدى عملها فى تنظيف دورات المياه كما ينبغى، بصبرٍ وصمت.

الغلابة ملهمش راحة

الحاج عبدالسلام، 73 عامًا، كان يعمل صنايعى طوال عمره، ولكنه اليوم يجمع القمامة مقابل أجر يومي «قالولى خلاص كبرت طيب أعمل إيه؟».

 

نساء الشيخوخة.. شقاء مضاعف

النساء المسنات يتحملن عبئًا مضاعفًا؛ الفقر من جهة، ونظرة المجتمع من جهة أخرى كثيرات يعملن فى الخفاء، خشية أن يعرف الأبناء أو الأقارب.

إحدى السيدات تقول وهى تخفى وجهها خلف الكمامة، ولادى على قد حالهم لو عرفوا إنى بشتغل فى الشارع هيزعلوا فبقولهم بخرج أتمشى.

عم رمضان من عامل بناء إلى كناس شارع

عم رمضان، 71 عامًا، كان يعمل عامل بناء منذ أن كان صبيًا، بنى بيوتًا لا يعرف أصحابها، وحمل طوبًا أكثر مما حمل ذكرياته، حين سقط من فوق سقالة قبل عدة سنوات، انتهت قدرته على العمل فى المهنة، ولم يجد أمامه سوى العمل فى تنظيف الشوارع قبل ثلاث سنوات، فى الفجر، حتى لا يراه أحد من معارفه.

وأضاف الشغل مش عيب، العيب إن الواحد يمد إيده بس وجع الظهر فى السن ده مشكلة كبيرة، الصحة مش زى زمان، ومفيش معاش ولا علاج، وربنا هو اللى بيقوى.

 

الموت قريب أوي

الحاجة زينب، 74 عامًا، توفى زوجها، وربت أبناءها وحدها، واليوم بعد أن تزوجوا جميعًا أصبحت تعيش وحيدة، وتعتمد على نفسها فى كل شيء، وتقول «ولادى ظروفهم صعبة ومش عايزة أتقل عليهم الحمل»كنت بخاف أنزل الشارع الأول، بس لما احتجت الدوا، الخوف راح.

تحكى أن يومها يبدأ قبل أذان الفجر أنزل اشتغل شوية وأرجع أطبخ لنفسى وأنام، وهو ده اليوم كله بالنسبة لى.

وعن حادث دهس السيدتين، تقول بصوت منخفض، كلنا ممكن نكون مكانهم إحنا ماشيين جنب الموت، واللى بييجى أوانه هيموت، كلنا عارفين إن الموت قريب أوى، ولما ييجى أكيد هيكون أرحم من الحياة.

 

مرض القلب لم يمنعه

عم فؤاد، 69 عامًا، يعانى من مرض بالقلب، لكنه يصر على العمل.

الدكتور قال لى ريح، بس هصرف منين؟

يعمل عم فؤاد فى جمع القمامة من الشوارع الجانبية، ويتوقف كل فترة ليلتقط أنفاسه، ورغم ذلك يرفض الجلوس فى البيت.

 

لو ولادى عرفوا هيموتوا من الزعل

إحدى السيدات المسنات، فى أوائل السبعينيات، ترفض ذكر اسمها أو تصويرها، ولادى عايشين بعيد، وكل واحد مشغول بحاله. ما ينفعش أقولهم إنى بشتغل فى الشارع.

تحكى أنها تقول لأبنائها إنها تساعد جارة مريضة، بينما فى الحقيقة تعمل يوميًا فى تنظيف الشوارع، مش عايزة أشيلهم همى، بس أنا كمان تعبت من الحمل لوحدى.

 

بائعة النعناع فى المترو

فى إحدى عربات مترو الانفاق صعدت العجوز التى تجاوزت السبعين من عمرها وهى تستند على الركاب وتطلب منهم شراء النعناع الأخضر لتوفير قوت يومها ترفض التسول وتحاول كسب قوت يومها وعلاجها بالعمل.

العواجيز الرحالة

فى بعض الشوارع، يوجد كبار سن لا ينتمون إلى مكان ثابت لا شركة، ولا مقاول، ولا جهة يعملون يومًا ويتعطلون أيامًا.

عم حسين، 76 عامًا، واحد منهم «اللى يلاقينى يشغلنى يوم آه ويوم لأ لو تعبت محدش يعرف».

يحمل عم حسين كيسه ويتنقل، لا يملك سوى بطاقته الشخصية وبعض الأدوية «أنا عايش بالستر».

 

تحت الأرض الشقاء واحد

الحاجة سعاد، تعمل فى تنظيف إحدى محطات مترو الأنفاق منذ خمس سنوات، يومها يبدأ قبل شروق الشمس، وتنزل السلم ببطء شديد. وتقول: الشغل تحت الأرض أصعب من الشارع مفيش هوا، ومفيش نور شمس بس المرتب ثابت شوية.

تؤكد أن أكثر ما يؤلمها ليس التعب الجسدى، بل نظرات بعض الركاب فى ناس بتعدى ولا كأننا موجودين، وفى ناس تبص لنا كأننا مش بنى آدمين.

عم محمود، يعمل فى نظافة الأرصفة داخل محطة المترو كان يعمل موظفًا بسيطًا قبل المعاش، لكن المعاش لم يكفِ، قالولى المترو شغل خفيف بس الوقفة الطويلة تكسر الضهر يقول وهو يستند على المكنسة.

بعض كبار السن لا يعملون فى مكان ثابت، بل يتنقلون من شارع لآخر، بلا هوية ولا حماية يعملون يومًا ويتعطلون أيامًا، ينامون وهم لا يعرفون هل سيجدون رزق الغد أم لا.

قصص هؤلاء ليست حالات فردية، بل مرآة لواقع أوسع واقع يكشف أن الشيخوخة فى مصر قد تعنى العمل حتى الموت، وأن من أفنوا أعمارهم فى البناء، انتهى بهم الحال يكنسون الشوارع ليبقوا على قيد الحياة.