رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

شائعات معاش الضمان الاجتماعي احيث الامل في قلوبهم

ﺿﺤﺎﻳﺎ اﻷﻣﺮاض المﺰﻣﻨﺔ »ﻣﻮﺗﻰ« ﻋﻠﻰ ﻗﻴﺪ الحياة

بوابة الوفد الإلكترونية

محمد أقعده المرض ولا يملك ثمن العلاج.. وسعاد: أبدو سليمة أمام الناس والروماتويد يأكل عظامي

آلاف المرضى يعيشون فى منطقة رمادية: لا عاجزون ولا قادرون على العمل

 

 

ليس كل من ينهكه المرض يصنف عاجزًا وليس كل من يستطيع الوقوف على قدميه قادرًا على العمل، فى المسافة الفاصلة بين الحالتين تعيش فئة كبيرة من أصحاب الأمراض المزمنة واقعًا صعبًا لا تلتقطه القوانين ولا تعترف به منظومة الحماية الاجتماعية، أجساد تعمل يومًا وتتوقف أيامًا، دخول تتاكل ونفقات علاج لا تتوقف، بينما يبقى المرض غير مرئى فى الأوراق الرسمية هؤلاء لا يحملون صفة «إعاقة» واضحة ولا ينتمون إلى الفئات المشمولة بمعاش ثابت، لكنهم يخوضون معركة يومية مع الجسد والمال معًا، كل يوم هو اختبار للصبر بعد أن أصبح العمل مغامرة غير مضمونة، والدخل مجرد احتمال مؤقت.

المرض ليس أزمة صحية بحتة، بل تجربة معيشية كاملة يوميات المرضى مليئة بالتحديات: نوبات تعب مفاجئة تعرقل العمل، أدوية باهظة تستنزف كل مدخراتهم، وفحوصات طبية متواصلة لا تتوقف، بعضهم يعمل حين تسمح صحته، ويتوقف حين يخونه الجسد، وسط دعم رسمى محدود أو غائب، ومع ذلك فالتحدى لا يقف عند الألم وحده، بل يمتد إلى القدرة على الكسب، وتأمين الاحتياجات الأساسية للأسرة، فى وقت ترتفع فيه أسعار الأدوية باستمرار وتقل فيه فرص العمل.

ورغم أن هذه المعاناة لا تقل عن معاناة الفئات المشمولة قانونيًا، مثل أصحاب الإعاقات الواضحة أو كبار السن أو من خضعوا لعمليات زراعة أعضاء، لكنها أكثر هشاشة وأقل اعترافًا، آلاف المرضى يعيشون فى منطقة رمادية، بلا معاش، بلا أمان مالى، وبلا شبكة حماية اجتماعية تلتقط تذبذب قدرتهم على العمل، هنا يصبح المرض بوابة صامتة للفقر، وصراعهم اليومى درسًا صامتًا فى الصبر والكرامة الإنسانية، رغم غياب الاعتراف القانونى والدعم الكافى من الدولة. لذلك ينتظر هؤلاء وغيرهم قانون الضمان الاجتماعى الجديد الذى من المفترض أن ينظر أمام البرلمان القادم والذى ينص على منح هذه الفئة معاش يعينهم على مواجهة متطلبات الحياة.

 

شهادات من قلب المعاناة

شهاداتهم تكشف كيف يتحول كل يوم إلى تحد جديد للبقاء، بين العلاج المكلف، والأيام التى يفرض فيها المرض توقف الجسد عن العمل، والدخل الذى لا يستقر، وسط واقع لا يلتقطه القانون ولا تتجاوب معه مظلة الحماية الاجتماعية.

عمرو 48 عامًا مريض قلب يقول: أنا مش عاجز رسميًا بس عمليًا تعبان طول الوقت، باشتغل يوم وأقعد عشرة، القلب ما يسمحش أكمل، والدواء بقى أغلى من قدرتى، مشيرًا إلى أن دخله لم يعد ثابتًا منذ سنوات وأن أى محاولة للالتزام بوظيفة تنتهى بانتكاسة صحية جديدة وفى الآخر لا شغل مستقر ولا معاش أعيش منه.

سعاد 55 عامًا مريضة روماتويد مزمن تحكى بحسرة: مرضى مش باين، بس جسمى كله بيوجعنى فيه أيام ماقدرش أقف على رجلى، ومع ذلك الورق بيقول إنى سليمة، وتؤكد أن عدم الاعتراف الرسمى بعجزها حرمها من أى دعم مضيفة: «كأنى بعانى فى الخفاء من غير حق حتى إنى أشتكي».

محمد 39 عامًا مريض كبد مزمن يتذكر محاولاته المتكررة للعمل: أدخل شغل جديد أتحامل على نفسى وبعد شهر أقع المرض بيغلبنى، ويضيف أن حالته لا تصنف كإعاقة رغم أنها تمنعه من الاستمرار فى العمل، قائلًا: « لا أنا قادر أشتغل زى الناس ولا داخل مظلة المعاش، والعلاج بياخد اللى معايا».

أم هبة 60 عامًا مريضة ضغط وسكر ومضاعفات أعصاب تقول بنبرة صادقة: مشكلتى مش مرض واحد دى سلسلة أمراض كل دواء محتاج ثروة، مشيرة إلى أن معاش زوجها المتوفى لا يكفى العلاج، والدولة شايفة إنى مش من الفئات الأولى بالرعاية.

سعيد.ح 45 عامًا مريض انزلاق غضروفى حاد يحكى يومياته مع الألم قائلًا: الشغل محتاج مجهود وأنا ضهرى بيقفش عليّ فجأة

مؤكدًا «إصابتى أنهت مصدر رزقى، بس على الورق أنا لسه قادر».

 

بارقة أمل

مشروع قانون الضمان الاجتماعى الجديد، الذى من المفترض أن يناقشه البرلمان القادم يحمل بارقة أمل لهؤلاء المرضى، فهو يعد خطوة تشريعية هامة تهدف إلى توسيع مظلة الحماية الاجتماعية وضمان حياة كريمة للمستحقين

فهذا القانون لا يقتصر على تقديم دعم نقدى مؤقت للفئات المستحقة، بل يسعى إلى تحويل منظومة الدعم إلى أداة رسمية للتمكين الاجتماعى، تجمع بين الدعم النقدى غير المشروط للفئات الأكثر ضعفًا، والدعم المشروط المرتبط بالاستثمار فى صحة الأطفال وتعليمهم.

ويشمل القانون الجديد ثماني فئات مستهدفة هي: الأشخاص ذوو الإعاقة، المرضى بأمراض مزمنة شديدة، كبار السن، النساء غير المعيلات، الأيتام، أبناء الرعاية اللاحقة، قدامى الفنانين والرياضيين والأدباء، وأخيرًا الأنثى غير المتزوجة.

ويضع القانون آليات دقيقة لضمان الإنصاف واستمرارية الدعم، حيث يتم صرف الدعم للفئة الأعلى استحقاقًا إذا انطبق على الفرد أكثر من معيار، كما ينص على تحديث بيانات المستفيدين بشكل دورى، وحماية حقوقهم، وتحديد قيمة الدعم ومقدمته بطريقة واضحة، لتكون شبكة الأمان الاجتماعى فعالة ومستقرة.

والهدف الأسمى للقانون، كما أعلنت وزارة التضامن الاجتماعى، هو تعزيز العدالة الاجتماعية وتمكين المواطنين من العيش بكرامة، وإتاحة شبكة أمان حقيقية للفئات الأولى بالرعاية، وتحويل الدعم من مجرد مساعدة للبقاء إلى أداة لتحقيق التمكين الاقتصادى والاجتماعى، بما يضمن استدامة حياة هؤلاء المواطنين رغم التحديات الاقتصادية والصحية والاجتماعية التى تواجههم يوميًا.

 

شائعة أم حقيقة

وتزامن مع الحديث عن هذا القانون انتشار شائعات تفيد بحصول مرضى الأمراض المزمنة على معاش شهرى ثابت، وهو ما أحيا الأمل فى قلوب كثير منهم، ولكن المستشارة نهى الجندى، المحامية بالنقض، أكدت لنا أن هذه الأنباء لا تستند إلى نص قانونى صريح، وأن هناك خلطًا واضحًا بين مفهوم المعاش التأمينى وبرامج الدعم النقدى المشروط.

وأوضحت "الجندى" أن قانون الضمان الاجتماعى رقم 148 لسنة 2019 ينظم حالات العجز والشيخوخة والوفاة، ويشمل فئات متعددة من بينها العمالة غير المنتظمة، ولكنه لا يتضمن نصًا يُقر صرف معاش شهرى ثابت لمجرد الإصابة بمرض مزمن، مشددة على أن الاستحقاق القانونى لا يقوم على التشخيص الطبى وحده، وإنما على مدى تأثير المرض على القدرة الفعلية على العمل والكسب.

وأكدت المحامية بالنقض أن الأمراض المزمنة، مثل الضغط والسكر، لا تُعد فى جميع الأحوال سببًا مباشرًا للاستحقاق، لافتة إلى أن بعض الحالات تستطيع الاستمرار فى العمل، بينما تتحول حالات أخرى إلى عجز شبه كامل أو كلى، وهو ما يفتح الباب أمام الدعم النقدى المشروط وليس المعاش التأمينى.

وأضافت أن برنامج «كرامة» يُعد الإطار القانونى الحالى لدعم المصابين بأمراض مزمنة شديدة أو إعاقات تمنعهم من العمل، بشرط ثبوت العجز وعدم القدرة على الكسب عبر لجان طبية مختصة، موضحة أن القانون لم يضع تعريفًا جامدًا لمفهوم «المرض المزمن الشديد»، وإنما ترك التقدير للواقع الطبى والوظيفى للحالة.

واختتمت الجندى حديثها لـ«الوفد» بالتأكيد على ضرورة التمييز بين المعاش التأمينى بوصفه حقًا مكتسبًا قائمًا على الاشتراكات، وبين الدعم الاجتماعى المشروط الذى يُمنح للفئات الأشد احتياجًا، مشددة على أن الخلط بين المفهومين يُسهم فى تضليل المرضى وإثارة توقعات غير قائمة على أساس تشريعى.

 

واقع المعاشات والدعم

من ناحية أخرى أكد إبراهيم أبوالعطا، أمين عام نقابة أصحاب المعاشات لـ«الوفد»، أن ما يتم تداوله مؤخرًا بشأن إدراج أصحاب الأمراض المزمنة ضمن منظومة المعاشات الحكومية أثار حالة واسعة من الجدل والالتباس لدى المواطنين، مشيرًا إلى أهمية التعامل مع هذا الملف بقدر من الهدوء والوضوح، نظرًا لحساسيته وارتباطه المباشر بمعيشة فئات واسعة تعانى بالفعل من أعباء صحية واقتصادية متراكمة.

وأوضح أبوالعطا أن الفئات الأكثر احتياجًا لأى مظلة حماية اجتماعية هم كبار السن، إلى جانب شباب يعانون من أمراض مزمنة تتطلب علاجًا مستمرًا مدى الحياة، والحالات التى لا تحتمل التوقف عن العلاج أو الانتظام فى العمل لفترات طويلة، مشيرًا إلى أن المرض فى كثير من الأحيان يفرض واقعًا قاسيًا يجعل الاستمرار فى العمل أمرًا صعبًا أو شبه مستحيل.

ولفت إلى أن التحدى الحقيقى لا يكمن فقط فى الاعتراف بالمرض، وإنما فى كيفية إثباته دون إرهاق المريض بإجراءات معقدة، مقترحًا الاعتماد على التاريخ المرضى المسجل بالمستشفيات الحكومية، باعتباره دليلًا واضحًا على طبيعة الحالة واستمراريتها. وأكد أن المريض الذى لا يحصل على علاجه بانتظام يفقد قدرته على ممارسة حياته اليومية بشكل طبيعى، وهو ما ينعكس مباشرة على قدرته على العمل والإنتاج.

وأشار أمين عام نقابة أصحاب المعاشات إلى أن تكلفة العلاج أصبحت عبئًا ثقيلًا على الأسر، فى ظل الارتفاع المستمر لأسعار الأدوية، موضحًا أن أى توجه لدعم أصحاب الأمراض المزمنة، سواء عبر العلاج أو الدعم النقدى، يمثل عبئًا ماليًا على الدولة، لكنه عبء اجتماعى لا يمكن تجاهله إذا كان الهدف هو حماية الفئات الأضعف.

وفيما يتعلق بدور النقابة، أكد أبوالعطا أن دورها الأساسى يتركز على الدفاع عن حقوق أصحاب المعاشات والتأمينات، مشيرًا إلى أن منظومة التأمين الصحى قائمة بالفعل وتقدم خدمات مهمة، لكنها لا تزال تعانى من مشكلات تتطلب تطويرًا جادًا فى آليات التنفيذ والمتابعة.

ووجّه أبوالعطا رسالة واقعية لأصحاب الأمراض المزمنة، مؤكدًا أن أى تغييرات محتملة لن تحدث بصورة فورية، وأن التركيز الحالى ينصب بالأساس على توفير العلاج والدعم، وليس بالضرورة صرف معاش شهرى مباشر، إلا فى الحالات التى يصل فيها المريض إلى درجة العجز الكامل عن العمل، وهى الحالات التى يمكن إدراجها ضمن برامج الدعم الاجتماعى مثل «تكافل وكرامة».

وانتقد أداء منظومة العلاج الحالية، معتبرًا أنها تعانى من ضغط شديد وسوء تنظيم، خاصة فى أماكن صرف الدواء، مع غياب أماكن مناسبة لانتظار المرضى، إضافة إلى صرف أدوية غير فعالة فى بعض الأحيان، ما يؤدى إلى إهدار الموارد دون تحقيق الفائدة المرجوة.

واقترح إعادة النظر فى آلية صرف العلاج لمرضى الأمراض المزمنة، بحيث لا يُجبر المريض على التردد الدورى المتكرر لتجديد نفس الروشتة، مؤكدًا أن «المريض المزمن يظل مريضًا طوال عمره»، ولا منطق فى تحميله أعباء إدارية متكررة لا تضيف قيمة حقيقية لعلاجه.

واختتم حديثه بالتأكيد أن تطوير المنظومة الصحية يجب أن ينطلق من الواقع العملى وإمكاناته، مع إشراك المرضى وأصحاب الشأن فى وضع الحلول، مشددًا على أن ضم أى فئات جديدة إلى منظومة تعانى من مشكلات مزمنة، دون إصلاح جذرى، يعنى إعادة إنتاج الأزمات نفسها، بدلًا من حلها.