ﻏﻮص فى ﺣﻴﺎة اﻟﻨﺠﻢ اﻟﻬﻮﻟﻴﻮود
اﻟﺴﻴﺮ أﻧﺘﻮﻧﻰ ﻫﻮﺑﻜﻨﺰ .. إﺑﺪاع ﻳﺘﺨﻄﻰ اﻟﺰﻣﺎن
صدر عن دار كنوز كتاب السير أنتونى هوبكنز للكاتبة الصحفية حنان أبوالضياء، ويرصد الكتاب مسيرة أحد أكثر نجوم السينما تفرّدًا وتأثيرًا فى تاريخ الفن السابع، ليس فقط من خلال أدواره الخالدة، بل عبر مشواره الملئ بالتناقضات.
يأتى هذا الكتاب كقراءة مختلفة لسيرة فنية وإنسانية معقّدة، لا تسعى إلى التمجيد الأجوف، بقدر ما تحاول الاقتراب من جوهر شخصية استثنائية صنعت مجدها من الصمت، والانضباط، والشك الدائم فى النفس. فالسير أنتونى هوبكنز، ومنذ فترة طويلة، يعد واحدًا من أكثر نجوم السينما تميزًا، ممثلًا لا يشبه سواه، أنهى علاقات فنية، وتجاهل أسماء كبرى، واختار دائمًا أن يسير فى طريقه الخاص، حتى وإن بدا ذلك الطريق موحشًا.
ترصد حنان أبو الضياء فى كتابها (السير أنتونى هوبكنز: قطة – بيانو – كتاب – وفنجان الشاي) ملامح هذا التفرد، بدءًا من صوته المهدئ الذى يحمل مزيجًا غريبًا من الحزن المتراجع والعزيمة المتحدية، ذلك الصوت الذى أصبح علامة مسجلة عبر أكثر من خمسين عامًا من العمل المتواصل. حضور هوبكنز، كما تصفه الكاتبة، دافئ وإنسانى، رغم أن موجات الكآبة لا تزال تتسلل إلى كلماته وحديثه، لكنه اعتاد أن يبددها بجمل قصيرة، حاسمة، كأنها وصايا لنفسه: «فقط استمر فى الأمر، توقف عن الكذب».
لا يكتفى الكتاب بسرد النجاحات، بل يغوص فى الحياة الخاصة لهذا الفنان، كاشفًا عن طبقات من العزلة، والانضباط القاسى، والإبداع المتعدد. فهوبكنز ليس مجرد ممثل، بل رسام، ومؤلف موسيقى كلاسيكى، ورجل وجد فى الفن خلاصًا من صراعاته الداخلية. وتكشف الكاتبة عن دور زوجته ستيلا فى تهدئة تلك النار، وتشجيعه على الحفاظ على لياقته، والانفتاح على الرسم والتأليف الموسيقى فى سنواته المتقدمة.يؤكد الكتاب أن شعبية أنتونى هوبكنز تتجاوز العمر نظرًا لجاذبيته الفريدة على الشاشة. لقد جسد الرؤساء، وأباطرة الأعمال، والعلماء، والفنانين، والمحاربين، لكنه سيظل فى الذاكرة الجمعية بوصفه الدكتور هانيبال ليكتر، القاتل المتسلسل المختل عقليًا وآكل لحوم البشر، فى صمت الحملان وهانيبال. غير أن الكاتبة تذهب أبعد من هذا الدور الشهير، معتبرة أن جاذبية هوبكنز الحقيقية تكمن فى قدرته الاستثنائية على تجسيد “الآباء الرمزيين” و”الوحوش الأرستقراطية”.
من أفلام الإثارة النفسية إلى الدراما التاريخية، ومن سينما هوليوود التجارية إلى التعديلات الأدبية الرفيعة، يكشف هوبكنز عن فهم عميق للطبيعة الأسطورية للأبوة، عن ذلك الخليط الغامض من الإغواء والخوف، من الحماية والتهديد. أدواره تكتسب طابعًا أسطوريًا، مدعومة بقوة كلاسيكية ومرضية فى آن واحد، تجعلها عالقة فى الذاكرة. الرجولة المهيمنة والمتطرفة، موضوعات القوة والعنف والجنون والرومانسية، كلها عناصر متكررة فى اختياراته الفنية.
وتتوقف الكاتبة عند مظهره الجسدى وأسلوبه الذكورى الواضح: بنية قوية، قوام عضلى، صوت عميق ذكى، وعينان بليغتان قادرتان على نقل الذكاء والعنف معًا. لقد صور رجالًا قبيحين وجذابين فى الوقت نفسه، أو مزيجًا معقدًا من الاثنين، وغالبًا ما أضفى على شخصياته سحرًا أبويًا كلاسيكيًا رغم غرابتها ولا تقليديتها.فى جانب إنسانى مؤثر، يشير الكتاب إلى صورة يحتفظ بها هوبكنز على هاتفه تجمعه بوالده على شاطئ أبيرافون. والده يبتسم، وهوبكنز طفل بملامح ملائكية وتجعيدات ذهبية، عالق بين الضحك والبكاء. يحتفظ بالصورة لأنها تذكره بالمسافة الهائلة التى قطعها فى حياته، من العزلة والارتباك إلى المجد العالمى.
وعلى عكس ما قد يتوقعه البعض، فإن السير أنتونى هوبكنز، وهو يقترب من التسعين، يبدو أكثر سعادة من أى وقت مضى. يعود ذلك إلى تصالحه مع ذاته، وعلاقته بزوجته، وتوقفه عن محاولة حمل عبء العالم على كتفيه. أدرك مبكرًا أنه ليس مقدسًا، وأن الحياة أخف مما نظن إذا تخلينا عن الغرور، وتوقفنا عن مقاطعة الآخرين، وتعلمنا تقديم الثناء، والابتعاد عمن لا يقدر وجودنا.
ويتناول الكتاب علاقته المعقدة بالتاريخ والسياسة، وذكرياته عن أمريكا، ووترجيت، واغتيال كينيدى، والحروب العالمية، وصولًا إلى تحوله إلى مواطن أمريكى مع احتفاظه بجنسيته البريطانية ولقب «سير»، الذى لا يستخدمه إلا فى الولايات المتحدة إرضاء للأمريكيين.
كما تتوقف حنان أبوالضياء عند أدواره لشخصيات حقيقية مثل هتلر ونيكسون، كاشفة عن فلسفته فى التمثيل، حين رفض “نزع الإنسانية” عن هتلر، مؤمنًا بأن الشر لا يلغى بشرية صاحبه، بل يجعلها أكثر رعبًا.
ولا يتجنب الكتاب الجانب الأكثر إيلامًا فى سيرته: علاقته المقطوعة بابنته أبيجيل. اعترافه الصادم بعدم اهتمامه بها، والانفصال الطويل، والجراح التى تركها إدمانه السابق على الكحول والاكتئاب، كلها تُعرض بجرأة وهدوء، دون تبرير أو إدانة مباشرة، تاركة للقارئ مساحة الحكم. فى النهاية، يقدم كتاب السير أنتونى هوبكنز قراءة عميقة لشخصية فنية وإنسانية متناقضة، قوية وهشة فى آن واحد، تثبت أن العظمة لا تعنى الكمال، وأن الفن قد يكون أحيانًا الوسيلة الوحيدة للنجاة. كتاب لا يروى فقط سيرة ممثل، بل يحاول فهم إنسان عاش عمره كله وهو يتعلم كيف «يستمر فى الأمر… ويتوقف عن الكذب».
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض