على فكرة
براعة المصريين فى اقتناص لحظات الفرح، لا تضاهى غيرها. يتشبثون بتلك اللحظات الضنينة، ويهيمون بها، ويدخلون عليها من خيالهم روحا وجاذبية وخفة ظل تبقيها حية فى الذاكرة. وكان استقبالهم لافتتاح المتحف الكبير واحدا من تلك اللحظات التاريخية، التى تكشف مدى وعيهم بتركيبة هويتهم المتجانسة التى تتكامل فيها حضارتهم الفرعونية وتغتنى بالتفاعل المبهر بالحضارات المسيحية والإسلامية والرومانية واليونانية.
أما الفخر ببلدهم ورجالها،فله وضع آخر فريد. وحالة الزهو والكبرياء التى انتابت المصريين وهم يتعرفون للمرة الأولى على رئيس المخابرات العامة اللواء «حسن رشاد» القادم من المؤسسة العسكرية، والاحتفاء بطلته الباسمة الواثقة بالنفس، والإشادة بكفاءته، وهو يفاوض قتلة مراوغين ومستعمرين خبثاء، للتوصل لوقف النار فى غزة، لا تخطئها العين.
جدد افتتاح المتحف الكبير تسليط الضوء على الدور البارز الذى لعبه فاروق حسنى فى تاريخ الثقافة المصرية، على مدى 25 عاما من تقلده لمنصبه كوزير للثقافة، وكانت فكرته فى انشاء المتحف الكبير هى واحدة من إبداعاته الخلاقة، التى سانده لتنفيذها الرئيس مبارك والمشير طنطاوى، وتوقفت بعد يناير 2011، وبعث فيها الروح الرئيس السيسى.
وحين تسود فى حياتنا، ثقافة الإنصاف والتحلى بروح الموضوعية والمسئولية تجاه قضايا الشأن العام، سوف يكتب بحروف من نور دور حسنى، كأحد كبار البنائين فى تاريخ مصر الثقافى.
وحين يتوارى غبار المعارك الصغيرة، التى لم تستطع رغم توحشها ولا أخلاقيتها، أن تحول بينه وبين أن يمضى فى تنفيذ مشروعه الثقافى البنائى والتنويرى دون تردد، سوف يظل دوره الخلاق راسخا فى الذاكرة الوطنية، ليس فقط لأنه امتلك رؤية واضحة المعالم وشاملة للعمل الثقافى، زاوجت بين التراث والحداثة، وبين المحلية والعالمية، ونجحت فى تخطى معظم الصعاب، ولم تهتم سوى بالإنجاز، وقادت معارك باسلة لمنع التطبيع الثقافى مع العدو الإسرائيلى، بل كذلك لأنها مهدت الطريق امام مستهلكى الثقافة من فئات الشعب العريضة للاستمتاع بالفنون الراقية، التى تسمو بالمشاعر وتصقل الحواس وتهذب النفوس، حين أمدتهم بمنتجات ثقافية حقيقية، تنطوى على هموم ثقافية واجتماعية وسياسية وجمالية تنتمى لجمع المدارس الفكرية والنظرية.
أصداء ذلك الدور لا تزال تبدو فى كل محفل وفى كل مكان. فى كل مهرجان فنى مسرحى أو سينمائى، غنائى أو موسيقى، فى كل أثر فى أنحاء مصر تم ترميمه أو استعادته من الخارج، وفى كل متحف تم إنشاؤه، وفى كل بيت فى قرية نائية دخلته للمرة الأولى، كتب مكتبة الأسرة، التى أنشأها ودعمتها السيدة سوزان مبارك، تمامًا كما نجحت فى جمع 140 مليون دولار تبرعات، دعما لفكرته، فى إحياء مكتبة الأسكندرية.
كل ذلك وغيره من الإنجازات الثقافية والأثرية ما زالت مصر تقتات من خيراتها: المجلس القومى للترجمة، وصندوق التنمية الثقافية، ورقمنة الوثائق وترميمها للمرة الاولى فى دار الوثائق المصرية، وتربية كوادر لإدارة العمل فى الثقافة الجماهيرية، التى يعتبرها حسنى كيان الدولة الثقافى وحزبها الفنى، وتحويل شارع المعز إلى متحف مفتوح، قبل أن تجهز عليه قوى القبح والاستهلاك، وغير ذلك من الإنجازات الثقافية المبهرة،كان آخرها أنشائه مؤسسة فاروق حسنى للثقافة والفنون لرعاية وتشجيع المبدعين الشباب ومنحهم جوائز سنوية لتنمية مواهبهم.
فى حواره مع الإعلامية البارعة لميس الحديدى، أعلن الفنان فاروق حسنى، أنه أهدى الدولة مرسمه والمنزل الذى يقيم به، ويحتوى على أعماله الفنية ونسخ أصلية من أعمال كبار الفنانين التشكيليين فى مصر والعالم العربى والعالم، والذى يعد تحفة فنية باهرة، رعاها وشكلها بنفسه عبر عبر عقود، وأصبح الآن تحت رعاية وزارة التضامن.
كنت أتمنى أن تحمل الدورة القادمة لمعرض الكتاب اسم فاروق حسنى، أما وقد تم اختيار اسم نجيب محفوظ، فالفرصة لا تزال سانحة لمعرض العام بعد القادم.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض