«يا خبر!»
لا شك أن الاعترافات الدولية المتتالية بالدولة الفلسطينية، رغم كونها رمزية وجاءت متأخرة كثيرا إلا أنها مهمة على طريق الانتقال بهذه الدولة من حيز الكلام إلى أرض الواقع، والأهم أنها تكشف عجز المجتمع الدولي عن كبح البلطجة الإسرائيلية المدعومة أمريكيا.
لكن في رأيي أن مجرد الاعتراف الذى حدث مؤخرا داخل أروقة الأمم المتحدة ليس كافيا ولايمكن معه أن نفرط في التفاؤل لعدة أسباب، أبرزها أنه يبقى مجرد خطوة رمزية، لم يقترن مثلا بتعريف حدود الدولة المعترف بها وخرائطها المُرسّمة في إعلان استقلال دولة فلسطين بتاريخ 15 نوفمبر 1988 من طرف منظمة التحرير الفلسطينية، والذي رسم حدودها بالأراضي المحتلة عام 1967، غير أن قلة فقط من الدول المعترفة حديثا بدولة فلسطين، أشارت إلى هذه الحدود، ما يُبقي الملف مفتوحا لجولات قادمة من الصراع.
كما أنه اعتراف غير مقرون بموقف من مستقبل الاستيطان القائم والقادم بالضفة والقدس الذي يلتهم فلسطين إقليمها ويتهدد شعبها، وغير مقرون أيضا بعقوبات على إسرائيل حتى من باب التنديد بالمجازر في غزة والدعوة لوقفها وإفشال مخطط التهجير، فحكومة اليمين الفاشي في تل أبيب، تقضي على نحو منهجي منظم، على أى أمل لقيام دولة فلسطينية، فهذه الممارسات الإجرامية مع الأسف كانت تسير جنبا إلى جانب مع حديث الاعترافات في الأمم المتحدة.
اللافت أيضا أن الاعتراف جاء بعد أكثر من مئة عام على وعد بلفور المشؤوم، المنشئ لدولة الكيان على أنقاض سكان البلاد الأصليين، وهنا قد تسأل نفسك كيف تطمئن لقوم صمتوا أكثر من مئة عام على قول الحقيقة؟! وعندما قالوها حملوها بشروط مسبقة، جميعها تقريبا تعزز الأمن الإسرائيلي على حساب الدولة التي يعترفون بها على استحياء.
مما لا شك فيه أيضا أنه هذه الاعترافات لم تكن لتحدث لولا انكشاف الوجه القبيح لإسرائل عالميا، ومن ثم فهى اعترافات ولدت على سبيل الحرج أو لحفظ ماء الوجه، فالدول المعترفة كمن تتخذ موقفا أخلاقيا رمزيا، بمعنى أنه لو لم تكن إسرائيل قد انفضحت عالميا بممارساتها؛ لم نكن لنسمع عن هذه الاعترافات.
لكن وإن كنا نعدد لماذا الاعتراف وحده لا يكفى؛ فعلينا أيضا أن نعترف إنه حدث تاريخي، بموجبه مثلا سيتم ترفيع مكانة فلسطين من مجرد بعثات وممثليات، إلى سفارات بكامل امتيازاتها الدبلوماسية، بعد أن تكون قد حصلت على اعتراف ما يقرب من 80 % من دول العالم، وبما يفوق عدد الدول المعترفة بإسرائيل.
ما حدث فى الأمم المتحدة بهذه الاعترافات، سيعمق عزلة إسرائيل، ويضع الولايات المتحدة في حرج، كونها الحامية الرئيسية لإسرائيل في العالم، ولا نستبعد أن يأتى وقت قد لا تستطيع فيه الولايات المتحدة وإسرائيل الصمود فى وجه العاصفة، لا سيما مع احتقان الرأى العام العالمي من إسرائيل في ظل بث وسائل الإعلام الدولية على مدار الساعة لقطات حية من حرب الإبادة التي تنفذها إسرائيل فى غزة وجرائم الحرب التى وثقتها الأمم المتحدة بتقرير لجنة مختصة أثبتت أيضا توفر النية لجرائم الإبادة والتطهير العرقي.
ما حدث في الأمم المتحدة خطوة في الطريق الصحيح، لكنها تظل معلقة قد ينمحي أثرها لاسيما أنها حدثت رغم معارضة الولايات المتحدة كقوة عظمى وعضو دائم في مجلس الأمن، ورغم تهديدات إسرائيل، ومن ثم فإن لم تستثمر هذه الخطوة وتتبع بخطوات أخرى سريعة ترسم مسارا سياسيا دبلوماسيا حقوقيا تجاه الحق الفلسطينى؛ قد نكون أمام مجرد صحوة ضمير عالمى أشبه بنزوة دولية سرعان ما تذهب أدراج الرياح تحت الضغط الأمريكى، فالولايات المتحدة تعمل جاهدة ضد هذا الاتجاه وألغت تأشيرات وفد فلسطين في الأمم المتحدة، وهذا معناه أنها تعلم جيدا قيمة هذه الخطوة وتخشى عواقبها.
نتنياهو وإعلامه بدأوا حملة شرسة ضد فكرة الاعتراف فى حد ذاته وضد الدول المعترفة محاولين التقليل من هذه الخطوة واعتبارها بلا فائدة وهذا غير صحيح بدليل أن نتنياهو نفسه فقد أعصابه، وأخذ يطلق التهديدات في كل اتجاه، وعلى صعيد السياسة الداخلية الإسرائيلية تلقى نتنياهو انتقادات حادة، وصفها البعض بالهزيمة الدبلوماسية، ليس لإسرائيل وحدها؛ ولكن للولايات المتحدة فبكل ما تحمله من ثقل دولي لم تستطع واشنطن منع الاعتراف بدولة فلسطين.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض