رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

«يا خبر!»

لا أعتقد أن الهجوم الإسرائيلى على اجتماع لقيادات حماس فى قطر يحتاج إلى خبراء متخصصين لتحليله، فالأهداف واضحة للعالم، «نتنياهو» بمنتهى الوضوح أراد قتل المفاوضات، لاستكمال مخطط تصفير غزة من سكانها وتحويلها إلى بقعة من الأنقاض ثم تسليمها إلى «المطور العقارى الشهير» لينفذ مشروعه العبقرى الخزعبلى «ريفيرا شرق أوسطية»، ولا مكان لقانون دولى ولا سيادة دول على أراضيها!

بمناسبة السيادة فما حدث فى قطر هو اعتداء سافر على السيادة القطرية وانتهاك سافر للقانون الدولى فى سلوك أقرب إلى البلطجة السياسية يمارسه نتنياهو بتبجح، وبدعم أمريكى مطلق، وبمناسبة الدعم الأمريكى وبمنتهى الصراحة أيضا أنا غير مقتنع تماما بما أعلنه البيت الأبيض بأنه لم يكن لديه علم بالضربة الإسرائيلية فى الدوحة وأنه تفاجأ بها وعندما علم الرئيس ترامب على الفور أبلغ مبعوثه للشرق الأوسط لإبلاغ القطريين وأنها لن تتكرر!، بقليل من المنطق ستكتشف أن هذه الرواية الأمريكية ركيكة وغير قابلة للتصديق, فإسرائيل لا تستطيع أن تخطو خطوة واحدة فى أى اتجاه بالشرق الأوسط من دون موافقة أمريكية بل ودعم أمريكى سواء بعتاد أو سلاح، التعليق الأمريكى على هذه الضربة أقرب إلى سيناريوهات السينما الأمريكية على طريقة أفلام عصابات شيكاغو، من جانب آخر ولعلاقة قطر بالولايات المتحدة -حيث تعدها الأخيرة حليفة مقربة- فلن يكون «نتنياهو» ليجرؤ على أن يوجّه ضربة على الأراضى القطرية من دون إذن أمريكى, هذا إلى جانب أن الدوحة تقوم بدور الوسيط إلى جانب القاهرة وواشنطن، وأن انتهاك سيادة ضلع من أضلاع المفاوضات لابد له من إذن. 

بعيدا عن قتل المفاوضات فإسرائيل لها مآرب أخرى من هذه الضربة، أتصور أهمها فرض حالة من الردع تعطى قوة وتفرض جدارا حديديا حول إسرائيل, فنتنياهو يتبنى فلسفة «الجدار الحديدى» التى وضع أسسها زئيف جابوتنسكى، الأب الروحى لليمين الإسرائيلى، ومؤسس الحركة التصحيحية أو التنقيحية فى عشرينيات القرن الماضى، والتى تقوم على ضرورة بناء قوة عسكرية ساحقة واستباقية، تحيط إسرائيل بدرع منيع من القوة والردع.. نتنياهو يريد أن يقدم للمنطقة ما يسميه «إسرائيل الجديدة» ومشروعها الكبير (إسرائيل الكبرى) والذى لم تعد مشكلته فقط مع حماس ولا مع محور الممانعة, فقد دمرت غزة وقتلت أكثر من ٦٠ ألف شخص معظمهم من المدنيين دون حساب أو رادع، وأضعفت قدرات حزب الله، وأضعفت بمساعدة أمريكية مباشرة جانبا من قدرات إيران العسكرية والنووية، وتضرب سوريا لتبقيها ضعيفة ومنقسمة وأيضا تردع تركيا وتضرب الحوثيين فى اليمن, وتنغص حياة جنوب لبنان, يريد «نتنياهو» القول إن جيشه الذى يوصفه بـ«الأكثر أخلاقية»!! ولا نعرف من أين أتى بهذه التسمية؟! هل لأنه مثلا يقتل الفلسطينيين جوعا وعطشا ومرضا فى غزة؟ أم لأنه يصيد الأطفال الذاهبين لتلقى الغذاء من مصيدة غزة الإنسانية أو ما يسمونها مؤسسة غزة الإنسانية؟ أم لأنه قتل آلاف الأطفال الخدج فى مستشفيات غزة عندما قصفها أو قطع عنها الكهرباء ليموتوا فى الحضّانات؟

يريد «نتنياهو» القول إن جيشه الموصوم بجرائم الإبادة الجماعية وارتكاب جرائم حرب قادر أن يفعل كل هذا فى وقت قياسى! ومستعد أن يفعل المزيد فهو لا يريد دولة فلسطينية فى غزة أو الضفة ويسعى لتهجير سكان غزة، ولن يقدم أرضا مقابل السلام فهو لا يريد سلاما ولا يعرفه, ويمكن أن يهاجم فى ثوانٍ أى دولة تختلف معه فى جانب وتتفق معه فى جوانب، فقطر حليفة مقربة ويشاد بها من الولايات المتحدة الأمريكية, ومع ذلك قام بضربها وسيّر طائراته المحملة بالقنابل فى سمائها وانتهك سيادتها, لأن يريد القول إن لديه الآن فائض قوة سيستهدف الجميع الخصوم والمحايدين وحتى الأصدقاء, «نتنياهو» ورث سياسته، فى مجالات متعددة، عن والده المؤرخ بن تسيون نتنياهو، الذى أخذها بدوره عن جابوتنسكى، وتتلخص فى مفهوم «تعزيز القوة». ويخلص نتنياهو إلى القول إنه تلميذ جابوتنسكى، ويسعى إلى ترجمة أفكاره ومفاهيمه على أرض الواقع.

«الجدار الحديدى» فكرة طرحها جابوتنسكى كمقالة نظرية لكنها تحولت إلى عقيدة راسخة يتناقلها قادة اليمين الإسرائيلى جيلا بعد جيل وصولا لنتنياهو الذى يجعل منها محورا أساسيا فى مقاربته الأمنية والسياسية.