رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

ذكرياتى (١٦)

فى هذا المقال لا أقف مع الشعر من زاوية نظمه وإنشائه بل من زاوية تذوقه ونقده ورؤيتى الفنية له، وأثره فى حياتى وتكوينى الثقافى، فأؤكد ابتداء أن الشعر أحد مكوناتى الثقافية بعد كتاب الله عز وجل وسنة نبينا الكريم صلى الله عليه وسلم، وأنه أحد أهم مفاتيح شخصيتى الثقافية، وله أثر بالغ فى تكوين ملكتى اللغوية، وأفدت كثيرا من دراسته ونقده فيما قدمته من دراسات بيانية حول القرآن الكريم والسنة النبوية المشرفة، كما أفدت كثيرا منه فى خبراتى الحياتية والإدارية على حد سواء، فالشعر خلاصة الكثير من التجارب الإنسانية، ولاسيما الشعر الحكمى والإنسانى، وكلما اقترب الشعر من الحكمة وجرى مجرى المثل كان أكثر وأعمق وأبعد أثرا فى النفوس، ويطربنى من الشعر: حكمه وأمثاله،والمدائح النبوية، وشعر الزهد، وشعر الحماسة، كما تطربنى صوره الفنية، وغوص الشاعر وراء المعانى الدقيقة واستقصاؤه لها، وتروق لى العبارة السمحة البعيدة عن التكلف والتصنع، وفى إيقاعه يأخذنى الإيقاع الانسيابى الذى لا مطبات فيه ولا التواء ولا اعتساف، وأضيق بالشاعر عندما تكثر ضروراته الشعرية، وقد تعلمنا أن الشاعر الذى تلازمه الضرورة الشعرية لا ضرورة إليه، أما الشاعر المبدع الذى تكثر فرائده فهو ذلكم الشاعر الذى يعض على شعره بالنواجذ، ويكون جديرا بحفظ شعره ودراسته.

وكلما كثر محفوظ الإنسان من الشعر مع حسن تذوقه له امتلك زمام اللغة وناصيتها، وذل له صعبها، ولانت له جوانبها، وألقت إليه بقيادها، فصار متمكنا منها على حد قول الشاعر الجاهلى السموأل بن عادياء:

وننكر إن شئنا على الناس قولهم

ولا ينكرون القول حيث نقول

على أن نقد الشعر ليس مجرد نزهة أو هواية، بل هو علم وفن، يحتاج إلى خبرة ودربة، ودراسة وطول تحصيل، وفهم لمناهجه ومدارسه قديما وحديثا، كما أن له أدواته التى لابد من الإحاطة بها، وفى مقدمتها التمكن فى اللغة: نحوها، وصرفها ث، وعروضها، وبلاغتها، وخصائصها، مع دراسة العصور الأدبية وبيئاتها، وأبرز شعرائها وخصائصها وخصائصهم، مع الإلمام بطرف من علوم: التاريخ والحضارة الإنسانية، وعلم النفس، وعلم الاجتماع، وعلم الجمال، وسائر العلوم والمعارف التى تعين الناقد على القيام بمهامه على خير وجه، فإذا كان الأدب بمثابة جماع الثقافات، فالناقد كذلك لا غنى له عنها.

وأختم بمختارات من الشعر الحكمى، والذى جرى منه مجرى المثل، يقول زهير بن أبى سلمى:

ومن يك ذا فضل فيبخل بفضله

على قومه يُستغن عنه ويُذمم

ويقول:

ومن لم يزد عن حوضه بسلاحه

يُهدَّم ومن لا يتق الشتم يُشتم

ويقول حاتم الطائى:

أَماوِى إِنَّ المال غادٍ وَرائحٌ

ويبقى من المالِ الأَحاديثُ والذكر

أَماوِى ما يُغنى الثَراءُ عن الفتى

إِذا حشرجت نَفسٌ وضاق بِها الصدر

ويقول المتنبى:

وهبنى قلت هذا الصبح ليل

أيعمى العالمون عن الضياء

ويقول:

لا يسلم الشرف الرفيع من الأذى

حتى يراق على جوانبه الدم

ويقول:

أنا الذى نظر الأعمى إلى أدبى

وأسمعت كلماتى من به صمم

ويقول أبى فراس الحمدانى:

تهون علينا فى المعالى نفوسنا

ومن خطب الحسناء لم يغلها المهر

ويقول البوصيرى:

قد تنكر العين ضوء الشمس من رمد

وينكر الفم طعم الماء من سقم

وللحديث بقية.

 

الأستاذ بجامعة الأزهر