رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

بينها «ذات» و«اللجنة» و«شرف»

من الورق إلى الشاشة.. عالم صنع الله إبراهيم بين الرواية والفن

بوابة الوفد الإلكترونية

صنع الله إبراهيم اسم لا يمر مرور الكرام فى تاريخ الأدب العربى المعاصر، فهو أحد أبرز الأصوات الروائية التى تميزت بالجرأة والصدق، وواحد من الكتاب الذين لم يتعاملوا مع الكتابة باعتبارها نشاطًا جماليًا منفصلًا عن الواقع، بل جعلها أداة لكشف الحقائق وتعرية الواقع السياسى والاجتماعى. منذ بداياته فى ستينيات القرن الماضى وحتى أعماله الأخيرة، ظل محافظًا على موقفه النقدى الرافض للمهادنة، سواء فى نصوصه أو فى مواقفه الشخصية، الأمر الذى جعله يحظى باحترام القراء والنقاد، وفى الوقت نفسه أثار حوله الكثير من الجدل، برحيله خسر الأدب العربى الكثير والكثير.

لم يكن صنع الله إبراهيم مجرد روائى يكتب عن شخصيات متخيلة وأحداث من وحى الخيال، بل كان أشبه بمؤرخ اجتماعى وسياسى يوثق مرحلة تلو أخرى، مستخدمًا أسلوبًا فنيًا خاصًا يمزج بين السرد الروائى والتوثيق الصحفى. 

فهو يستند إلى الوثائق والتقارير والمقالات الحقيقية، ويدمجها داخل نصه الأدبى، ما يمنح أعماله ملمسًا واقعيًا شديد الكثافة، ويجعل القارئ يشعر أنه أمام مشاهد حقيقية أكثر من كونها مجرد تخييل أدبى.

هذا الأسلوب الذى عرف بالواقعية التسجيلية كان من العلامات المميزة له، وجعل أعماله قابلة للتحويل بسهولة إلى أعمال فنية بصرية سواء فى السينما أو التلفزيون أو المسرح، لأنها تحمل فى بنيتها الأساسية عناصر المشهد الحى، والشخصيات الملموسة، والحوار القريب من نبض الشارع.

أدرك المخرجون والكتاب السينمائيون أن عالم صنع الله إبراهيم الروائى ثرى بالصور البصرية والمواقف الدرامية القوية، وهو ما دفع البعض إلى الاقتراب من نصوصه بشكل مباشر أو غير مباشر. المثال الأبرز هو روايته الشهيرة «ذات»، التى تحولت إلى مسلسل تلفزيونى عام 2013 بطولة نيللى كريم وباسم سمرة وإخراج كاملة أبو ذكرى. هذا المسلسل، الذى حافظ على روح الرواية مع بعض التغييرات الدرامية اللازمة، رصد حياة امرأة مصرية عادية على مدى أربعة عقود، من السبعينيات وحتى السنوات الأولى من القرن الحادى والعشرين، عاكسًا التحولات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية التى عاشتها مصر.

نجاح المسلسل لم يكن بسبب قصته فحسب، بل لأنه حمل نفس بصمة صنع الله إبراهيم فى النظر إلى التفاصيل الصغيرة التى تصنع ملامح الحياة، وفى كشف التناقضات التى يعيشها الإنسان العادى بين أحلامه البسيطة وقسوة الواقع.

لكن تأثير صنع الله إبراهيم فى الفن لم يتوقف عند «ذات»، فهناك روايات أخرى لم تتحول رسميًا إلى أعمال فنية، لكنها ألهمت الكثير من المخرجين والكتاب. روايته «اللجنة» على سبيل المثال، التى تعد واحدة من أكثر أعماله رمزية وجرأة، تعرضت لمحاولات مسرحية لاقتباسها، لما تحتويه من مشاهد مليئة بالسخرية السياسية والتأمل فى آليات السلطة والبيروقراطية. كذلك رواية «شرف»، التى تناولت حياة شاب فى السجن، كشفت بعمق عن الفساد والتفاوت الطبقى والعنف الاجتماعى، وكانت مصدر إلهام لأعمال درامية وسينمائية غير مباشرة تناولت قضايا مشابهة بأسلوب واقعى. ومن اللافت أن تأثيره تجاوز حدود الاقتباس المباشر، فهناك تيار كامل فى الدراما المصرية والعربية، يعرف بـ«الواقعية الجديدة»، استلهم طريقته فى بناء الشخصيات الهامشية، وفى تقديم مشاهد الحياة اليومية دون تزييف أو تجميل.

أما عن رؤيته الفنية، فقد كان صنع الله إبراهيم يؤمن أن الأدب يجب أن يكون مرتبطًا بالواقع، وأن الكاتب لا يستطيع أن يكتب من برج عاجى أو فى عزلة عن قضايا الناس.

كما كان يرى أن الفن ليس مجرد أداة للترفيه، بل هو وسيلة للتغيير الاجتماعى والفكرى. لذلك، لم ينجذب أبدًا إلى الكتابة التى تسعى وراء النجاح التجارى السريع أو التى تقدم قصصًا خفيفة بعيدة عن القضايا الكبرى. كان مشروعه الأدبى يسعى إلى إحداث وعى، أو على الأقل دفع القارئ للتفكير فى واقعه، وهذا ما جعله أيضًا على خلاف دائم مع الرقابة، إذ واجهت بعض أعماله صعوبات فى النشر أو التوزيع بسبب جرأتها. لكن هذه المواقف زادت من صورته ككاتب صاحب مبدأ، لا يتنازل عن رؤيته مهما كانت الظروف.

ورغم أن كثيرًا من أعماله بدت صعبة التكيف مع السينما التجارية أو الدراما التلفزيونية السائدة بسبب طبيعتها الفكرية والنقدية، فإن ما تحقق من اقتباسات أظهر أن نصوصه يمكن أن تنجح جماهيريًا إذا وجدت المخرج الذى يفهم روحها. المسلسلات والأفلام التى تأثرت به استفادت من منهجه فى التقاط التفاصيل الصغيرة التى تكشف القضايا الكبيرة، وفى تقديم شخصيات غير مثالية، بل بشرية بضعفها وأخطائها وطموحاتها. ومن هذا المنطلق، يمكن القول إن إرث صنع الله إبراهيم فى الفن يتجاوز حدود الأعمال التى اقتبست اسمه بشكل مباشر، فهو موجود فى طريقة الحكى التى انتشرت فى كثير من الأعمال الواقعية بعده، وفى الجرأة التى بدأ بعض المخرجين والكتاب فى امتلاكها عند تناول موضوعات حساسة.

فى النهاية، يمكن القول إن صنع الله إبراهيم ليس فقط روائيًا بارزًا، بل هو أيضًا فنان صاحب مشروع ورؤية واضحة، جعل من الأدب ساحة للنقاش الجاد حول قضايا المجتمع، وترك أثرًا عميقًا فى الفن العربى من خلال نصوصه وأسلوبه وفلسفته فى الكتابة. أعماله التى تحولت إلى مسلسلات أو ألهمت أعمالًا فنية أخرى أثبتت أن الأدب القوى قادر على عبور الحدود بين الصفحات والشاشة، وأن الكلمة الصادقة حين تُكتب بإخلاص، تجد دائمًا طريقها إلى أشكال فنية متعددة، تبقى شاهدة على زمنها، وتستمر فى التأثير على الأجيال اللاحقة.