من السهل أن تؤخذ المواقف لكن الأصعب هو الثبات عليها، والموقف المصرى الثابت والراسخ تجاه العدوان على غزة نموذج لما سبق. فالبطولة ليست فى الموقف بحد ذاته لكن فى الثبات عليه، وبطولة الدولة المصرية وقيادتها لم تكن فى موقف صلب، تاريخى ومعتاد، هو موقف وطنى رافض للعدوان، ومؤيد للعدل، والإنسانية والحقوق الفلسطينية المشروعة، موقف نابع من التزام قومى وأخلاقي؛ لكن البطولة المصرية الحقيقية تجسدت فى الثبات على هذا الموقف رغم عظم التحديات، وثقل الضغوط، والتكلفة الباهظة أحياناً.
مصر دولة وقيادة وشعبًا منذ اليوم الأول للحرب والعدوان على غزة، وحتى كتابة هذه الكلمات؛ وفى عالم وعلاقات دولية سائلة، سمتها الرئيسية التحولات فى المواقف والتحالفات، لم تغير موقفها الوطنى تجاه القضية الفلسطينية، رغم وجود تحديات، وتعدد أدوات الضغط الأمريكى – الإسرائيلى الذى بلغت حد الابتزاز بملفات، الديون والتحديات الاقتصادية، ومحاولة استخدام إسرائيل لسلاح الغاز ضد مصر، وحتى تقييمات المؤسسات والمراكز الاقتصادية الدولية السلبية ضد الاقتصاد المصرى، لكن مصر قيادة وشعبًا صلبة لا تهتز.
وبمناسبة الحديث عن المواقف والتحول والثبات عليها؛ عاد العالم، وتحديدا الطرف الأوروبى ليستمع ويصطف خلف ومع الرؤية المصرية، ومقترحات الحل المصرية، لأن الثبات والصلابة المصرية جاءت مع الحق والعدالة والحقوق المشروعة، ولأن العدوان تجاوز حدود اللاإنسانية الوحشية والبربرية، ويكفى للتدليل أن مؤشر IPC الدولى لانعدام الأمن الغذائى يشير إلى أن غزة فى المستوى الخامس منه، وهو أعلى مستوى من انعدام الغذاء ووسائل الكفاية والمعيشة الأساسية ما يعنى أن غزة فى مجاعة فعلية. لهذا كان الثبات والرسوخ فى الموقف المصرى إنسانيا وأخلاقيا قبل أن يكون سياسيا.
ورغم أننى لا أعول كثيرًا على التحول فى الموقف الأوروبى حتى وإن جاء من دول عُرفت بدعمها التقليدى التاريخى لإسرائيل كالمملكة المتحدة التى زرعت إسرائيل فى المنطقة من خلال وعد بلفور التاريخى. لكن هذا التحول له ثمنه ولو على المستوى السياسى والمعنوى، حتى وإن لم يترجم لإجراءات عقابية محددة وواضحة ضد إسرائيل. خاصة وأن القارة العجوز مشغولة فى حرب الرسوم الجمركية التى يفرضها العم سام ويهدد بها الحلفاء والأصدقاء قبل الأعداء. وغرق أوروبا حتى أذنيها فى مستنقع الحرب الروسية الأوكرانية.
وهذا الثبات البطولى لمصر فى مواقفها الرافضة للعدوان، والتطهير العرقى والتهجير، حافظ على البعد الأخلاقى الذى كاد أن يختفى، أو ربما لم يعد له وجود على صعيد العلاقات الدولية التى أصبحت محكومة بواقعية مسعورة، لا تحترم القانون الدولى أو المؤسسات الدولية، ولا تفهم سوى مفردات المصلحة والقوة، حتى السلام يُفرض بالقوة كما يتحدث الرئيس الأمريكى دائما وحلفاؤه وأصدقاؤه فى تل أبيب.
الآن نحن بصدد اتفاق هدنة لمدة 60 يوما، البند الأول والرئيس فيه إنسانى خاص بالمساعدات، فى مواجهة سلاح «التجويع» الذى فرض على القطاع إضافة إلى العدوان العسكرى المتواصل هذا الاتفاق يأتى بعد جهود مصرية قطرية مضنية. كمواطن مصرى قبل أن أكون كاتبا وباحثا متخصصا فى الشئون السياسية، فالفخر كل الفخر والعزة بهذا الموقف المصرى المشرف، وهذا الثبات البطولى رغم وطأة التحديات، وهذا ليس بجديد على مصر الشامخة، وشعبها الأبى، وقيادتها الوطنية. وتظل دائما تحيا مصر...
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض