لقمة عيش بطعم الطوب الأبيض فى المنيا
فى صعيد سكنت فيه الشمس الجباه قبل أن تسكن السقوف وعلى تلال تنزف الغبار بدل الندى هناك فى قلب محافظة المنيا يولد الحزن من رحم الحجارة وتذبح البراءة كل صباح على مذابح الصخر ليست هذه أرضًا للعب ولا مهدًا لأحلام الأطفال بل هى مسرح قاس تسدل عليه ستائر من العرق والتراب ويؤدى فيه الصغار أدوارًا كتبت بيد الفقر وأخرجت بأنامل التجاهل الرسمى وعرضت على جمهور من الصمت.
قبل بزوغ الفجر، يصل العمال إلى المحجر، وقبل أى شىء، يغطون وجوههم بقطعة من القماش، ثم يبدأون فى تفجير جزء من الجبل الجيرى، وبعدها يجرى تقطيع الكتل الحجرية المتناثرة من الانفجار بـ«الفصالة»، التى تقطع الكتلة الحجرية الواحدة إلى مقاسات ١٢٫٥ سم فى ٢٦ سم.
يقال إن الأطفال زينة الحياة لكن فى محاجر المنيا لا زينة ترى ولا حياة تنشد أطفال بملامح مغبرة وأجساد أنهكها العمل يعتلون الجبال كأنهم رجال فى منتصف العمر لا يحملون حقائب مدرسية بل مطارق لا يسمعون صدى الأناشيد بل صليل المناشير كل صباح يولد فيهم وجع جديد ويدفن فيهم حلم قديم.
الديناميت انفجارات تفتت الحجر وتشوه الطفولة
فى بعض المحاجر يطلب من الأطفال المشاركة فى تفجير الصخور بالديناميت فيقفون على مسافة وهم يعدون الثوانى قبل الانفجار كأن الرعب صار طقسا يوميا هذا الاحتكاك الدائم بالعنف لا يمر دون أثر بل يخلف ندوبا داخلية يصعب رؤيتها أضطرابات فى السلوك قلق مزمن أو اعتياد على القسوة كوسيلة لفهم العالم فما يفجر فى الخارج يدمر فى الداخل أيضا، حيث تتاكل الطفولة بصمت تحت وقع الانفجارات.
حين نتحدث عن وسائل الحماية والسلامة المهنية فإننا لا نجد فى محاجر المنيا إلا ظلا باهتا لتلك المعايير لا خوذات لا أقنعة واقية لا أحذية تحصن الأطراف من الجير الكاوى بل شالات مهترئة وكوفيات يلف بها الوجوه وكأنها محاولة بائسة لحجب الخطر عن البصر لا عن الجسد نظارات شمس سوداء تستعار من الشارع وتلبس مكان العدسات الواقية كان الوقاية هنا ليست اجراء بل دعابة سوداء يضحك بها الفقر على حساب الجسد.
أحمد شاكر ابن الرابعة عشرة يحلم أن يصبح رساما كان يقول لأمه هرسم الجبل وألونه أزرق علشان يبقى شبه السما لكن الجبل لم يشأ له إلا أن يكون ضحية لا فنانا فى صباح شاحب وبينما كان يحاول تمرير الحجر عبر ماكينة القطع زحف سلك كهربائى عار إلى قدمه وما أن لامسه حتى افترسه التيار، نجا أحمد من الموت لكنه ودع ذراعه اليمنى الذراع التى كانت سترسم صارت ذكرى ملفوفة بضمادة وعبئا لا يفارق كتفه الطفولى، قال أحمد بصوت خافت يختلط فيه الحزن بالغبار كنت أشتغل علشان أساعد أمى بس دلوقتى بقيت عالة عليها حتى نفسى مش عارف أشيلها.
المدهش أن كثيرا من هؤلاء الصغار لا يحسدون زملاءهم الذين يذهبون إلى المدارس بل ينظرون اليهم بازدراء مرير «إيه فايدة الشهادات محدش بيشتغل بيها إحنا بنشتغل وناكل وهما بيضيعوا وقتهم». يقول احدهم وهو يلف قطعة جبن فى كسرة خبز تلك ليست فلسفة واقعية بل صرخة قهر ونظرة غائرة فى مستقبل معطل نزع من هؤلاء الأطفال ثقتهم فى المعرفة وتركهم عراة فى وجه الحجارة والمجهول.
فى طريق العودة من احد المحاجر جلس ثلاثة أطفال على صخرة كبيرة يتقاسمون ظلا شحيحا ويتهامسون بأحلام صغيرة كاجسادهم عمار الشرنوبى كان يريد أن يصبح طبيبًا قال كنت بشوف دكتور الوحدة وهو بيطبطب على العيال قلت هابقى زيه بس دلوقتى بشتغل علشان أجيب علاج لأمى مش أدرس.
فاضل وفائى أراد أن يصبح مهندسًا نظر إلى الجبل وقال كنت بحب أركب المكعبات وأبنى بيوت بس دلوقتى ببنى بيوت ناس تانية بأيدى المجروحة وأنا ما عنديش حتى غرفة.
مجدى الأسيوطى حلمه كان بسيطًا أن يصبح معلمًا ضحك قليلًا ثم تنهد كنت بحب اشرح لأخويا الصغير واجباته وكنت فاكر أنى هكبر وأشرح لأولاد كتير بس شكلى هافضل أشرح للصخر إزاى يتكسر.
محاجر الموت والخذلان
هنا فى الجبل لا يموت الأطفال مرة واحدة بل ألف مرة يموتون حين يرون أصدقاءهم يتساقطون تحت أسنان المناشير وحين يلمسون الكهرباء بأطرافهم الصغيرة وحين يسقطون من أعالى الصخور دون خوذات أو أحبال أمان وحين يفقدون أطرافهم دون تعويض أو حتى اعتذار يموتون أخيرا حين يطلب منهم أن يصمتوا كأنهم لم يكونوا أبدا هنا فى الجبل لا يموت الأطفال مرة واحدة بل ألف مرة من ينقذ أحمد من يرفع صوته بدلًا عنهم فى كل محجر هناك أحمد شاكر آخر ينتظر أن يبتر أو يدهس أو ينسى فى كل محجر هناك دمعة وفى كل عربة محملة هناك جزء من طفولة مدفونة.


تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض