على فكرة
لم أستغرب الانتقادات الحادة التى وجهتها الأحزاب المنضوية فى الحركة المدنية، لغيرها من الأحزاب المشاركة فى انتخابات مجلس الشيوخ، وأدهشنى كثيرا أن تصف احزاب الحركة المدنية التى قررت مقاطعتها، الأحزاب المشاركة بها بأنهم يفسدون الحياة السياسية، دون أن يقدموا للرأى العام الذى يخاطبونه بطلقاتهم الطائشة، سجلا بالانجازات السياسية التى حصدتها سياسة المقاطعة لتحرير الحياة السياسية من فسادها. هذا فضلا عن أن التجارب الناجحة والبنائية للمقاطعة، لا تثمر أو تجدى إلا فى ظل بناء حزبى تعددى حقيقى، وحياة سياسية ديمقراطية راسخة الأركان.
والعودة للتاريخ تعلمنا بعض الدروس. فمنذ عرفت مصر النظام الحزبى القائم على تعدد الأحزاب ذات البرامج السياسية المختلفة، نشطت الحياة النيابية وشكلت عبر نشاطها البناء الدستورى والقانونى للمعارضة البرلمانية. وعندما صاغ الملك فؤاد الأول دستور عام 1923 بمشاركة مع حزب الأحرار الدستوريين، مستبعدا حزب الأغلبية الشعبية الوفد الذى من الطبيعى وهو التنظيم الشعبى الذى كان يقود الحركة الوطنية للمطالبة بالاستقلال والحياة الديمقراطية، أن يعترض عليه، ويصفه بأنه تعاقد بين الملك والأمة، و يقضى بتوزيع السلطة بينهما.
ووفقا للدستور، يعين الملك الوزارة وخمسى مجلس الشيوخ المكون من 149 عضوا بينما ينتخب ثلاثة أخماسه، وتستمر عضويته عشر سنوات ولا يحق له حله. ويمنح كذلك الحق فى حل البرلمان، وفى تعيين وعزل الضباط والموظفين، كما يعين رؤساء الهيئات الدينية مثل المفتى وشيخ الأزهر، بجانب الأوقاف والمعاهد الدينية. لكنه يفعل ذلك من خلال الحكومة التى تحظى بتأييد البرلمان، وهى من تشاركه التوقيع على قراراته، ليصبح مجلسا النواب والشيوخ هما من يصدر القوانين التى تحكم جميع السلطات الدستورية فى البلاد.
من جانب آخر أقر الدستور الفصل السلطات، وتداول الحكم بين الأحزاب المتنافسة على الفوز بأغلبية البرلمان. كما منح الحق لمجلس النواب فى إسقاط الحكومة، وأباح له مراقبة أدائها، ومساءلتها عن القرارات التى تتخذها، وعن القرارات التى يصدرها الملك. وفى كتابه دراسات فى الديمقراطية المصرية، الذى أنقل عنه تلك المعلومات، يقول المستشار «طارق البشرى» إن دستور 1923 قد منح الملك عددا من السلطات ثم «وازنها بأن خول الوزارة المؤيدة من البرلمان، امكانية احتواء سلطة الملك، واستيعاب إرادته». وكانت الحركة الوطنية الديمقراطية، قد نجحت فى صراعها الدستورى مع الملك، أن تحسم الصراع لصالحها بقدرة حزب الوفد على إقامة صلات جماهيرية عميقة مع الرأى العام، مكنته من ممارسة الضغوط السياسية والتأثير فى المشهد السياسى، عبر مساندة من الصحافة الحرة، والمظاهرات الشعبية التى دعمته، من النجاح فى كل انتخابات كانت تجرى بحرية ونزاهة. ولذلك خاب ظن الملك وحلفائه من الأحرار الدستوريين، عندما أسفرت أول انتخابات طبقا لدستور 23 عن فوز كاسح لحزب الوفد بأغلبية مقاعد البرلمان بنسبة تفوق 90%، فضلا عن أغلبيته فى مجلس الشيوخ، برغم القيود والعقبات التى مارستها ضده الحكومة القائمة الموالية للقصر، وفشل المناورات التى تسعى لتوريط الوفد بالإقدام على تقديم استقالة حكومته.
وفى زمن حكومات الأقلية كثف الوفد نشاطه للتواجد فى مجلس الشيوخ، ولم ينصت لمطالبة منتقديه بمقاطعة انتخاباته،كما كان يفعل مع مجلس النواب حين يشك فى حيادها، استنادا إلى أنه بات فى ظل تلك الحكومات، المجال الذى تمارس فيه معارضته البرلمانية لخصومها، وضمان تكوين احتياطى سياسى له حين عودته للحكم. تلك تجربة أسوقها ليس للتسلية وتزجية الوقت، بل كى يدرك اللائمون والناقدون المقاطعون أن الحياة الديمقراطية ليس بها أبيض وأسود، وأن النضال لتحقيقها تبنيه تنوع المشاركة فى أطرها المتاحة، وتراكم خبراتها التى توصل فى النهاية لأهدافها.
الآن تغير الحال، وما كان أضحى غير ما صرنا إليه. وكما نعلم جميعا أعطى النظام السياسى الجمهورى القائم حتى اليوم على حكم مركزى قوى، سلطات واسعة لرئيس الجمهورية، وبقيت تلك السلطات حتى دستور عام 2014 الذى أخذ بالنظام المختلط الذى يجمع بين النظامين الجمهورى والبرلمانى. والطريق نحو تغيير ذلك، لتحقيق بناء دولة وطنية ديمقراطية مدنية حديثة كما تقضى نصوصه، طويل وممتد، ولذلك ولغيره، تشارك احزاب المعارضة المتفقة على هذا الهدف فى انتخابات مجلس الشيوخ، وفى كل انتخابات مستقبلية سوف تجرى، حتى لو كانت انتخابات الأندية الرياضية وانتخابات اتحاد سكان ملاك العقارات!
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض