رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

حرائر بلا هودج

بوابة الوفد الإلكترونية

قناديل كربلاء التى أضاءت طريق موكب السبايا إلى الشام
«درة الصدف» و«الساعدى» وغيرهما ممن أكرموا الأكرمين
نحن المصريين على مذهب أبى حنيفة ولآل البيت فى قلوبنا هوى

 

تصور البعض أننى تشيّعت!! وراسلتنى صديقة افتراضية تسأل: «هل غدوتِ من الرافضة»؟ ما كنت أتصور أن تحرير عمل صحفى بعنوان «يا لثارات الحسين» يجعلها تظن فى مذهبى الظنون، وتدخل فى نيتى!! فهل يمكن أن يختلف سنى أو شيعى على وحشية الطريقة التى قُتل بها الحسين وأهل بيته. فأنا أكره العنف من أهل السنة، كما أكرهه من أهل الشيعة، وبذات القدر الذى أكرهه به فى اليهود.
فنحن فى مصر وإن كنا على مذهب السنة، فإن لآل البيت فى قلوبنا هوى. فبنينا لأرواحهم أضرحة نحرص على زيارتها حتى إن قال لنا إن أجسادهم الطاهرة ليست مدفونة فيها. فنحن أسمينا أبناءنا فاطمة وعلى وأبا بكر وعمر وفيهم الحسن والحسين كما فيهم عائشة.
أعلم أن الكتابة فى المواضيع الماسة مثل تلك تتطلب أخذ المعلومة من أكثر من مصدر، لذلك حاولت قدر استطاعتى التباين فى المصادر، ليس فقط من أجل صياغة تقرير صحفى يخص واقعة كربلاء، ولكن فى محاولة تهمنى بشكل شخصى منذ أمد، فكم بحثت عن اللحظة التى استفحل فيها الشقاق بين المسلمين إلى هذا الحد الموتور، والذى كان قد بدأ فى سقيفة بنى ساعدة فور وفاة الرسول، فوجدت أن الأمر معقد للغاية، وأنه كلما تصور المرء أنه قاب قوسين أو أدنى من الحقيقة، استغلقت حلقات هذه الحقيقة وعز الفهم. 
فالجميع يتدافع فى وقت واحد من أجل الذود عن رؤيته، وكأنه لا يجد سبيلاً لذلك إلا بالدفع بالباطل فى حق آراء الآخرين، فتأتى الحكاية دائماً أُحادية الجانب، وكلما استمعت لدفاعات كل حزب ورميه الحزب الآخر، أيقنت أن ثمة تطرفاً يغرق فيه الجميع، لذلك نحن لا نحكم عليهم فيما شجر بينهم فقد تركناه لله، على الأقل من المنظور الدينى.
أما هنا فنحن نكتفى بالناحية الإنسانية فى تناول هذا الشقاق التاريخى، فأنا لا أحكم على هذا ولا على ذاك، ولا أكتب ذلك لأبرئ نفسى، ولا لأبرأ بقلمى مما كتبت فى موضوع «يا لا ثارات الحسين» أبداً، ليس فقط لأن التشيّع ليس بتهمة كى أنأى به عن نفسى، ولكنها محاولة ثانية منى، لسرد مشهد جديد من كربلاء، ولنرَ بعدها هل ما زال المتشككون فى مذهبى سيرون أنه على الشيعة فقط أن يدافعوا عن الحسين وأهله، أم أنه على الإنسانية مجتمعة أن تذكرنا بتلك المذبحة كل يوم كى لا ننسى.
ففاعلو هذه الجريمة متعددة الفصول، لا يمكن أن يكونوا مسلمين، لا سنة ولا شيعة، ولا حتى مسيحيين أو يهود. فهؤلاء لا دين لهم سوى الحياة وما لذ فيها وما طاب منها. فلو ظنوا للحظة أنهم ملاقو ربهم، ما فعلوا ما فعلوه. وقد بحثت فى الأمر كثيراً، فثمة حقائق وثمة مبالغة من الجميع، ولكن ضميرى فى النهاية لم يهدئ إلا فى حضرة الدكتور طه حسين وكتابه الفتنة الكبرى بجزأيه. وكم تمنيت لو أن العمر امتد بالعميد حتى يكتب الجزء الثالث، الذى وعدنا بكتابته فى نهاية الجزء الثانى من الكتاب. لكن السؤال الذى كان يطل من بين سطور أى مصدر سواء كان سنياً أو شيعياً، هو: «أما كان يمكن للعالم أن يعيش فى سلام!! فدينُنا جاء من أجل السلام، وتحيتنا السلام، وملتنا اسمها الإسلام».
بعد استشهاد الإمام الحسين فى كربلاء، سُبيت بنات ونساء أهله، فكان السبايا يسرن فى رمال الشام حفاة، لا سترات على وجوههن، يرتدين ملابس التصقت بأجسادهن العطشى والجائعة منذ أسابيع، ملابس عليها بقايا دماء من أثر احتضان الأحبة المقتولين فى لحظات الوداع الأخيرة والمختلسة بعيداً عن أعين جنود «بن زياد» والى الكوفة، يا الله هل من أجل هذه الأوقات شرّعت التيمّم، فقد خلط «ذى الجوشن» قاطع رأس «الحسين» الماء بالخمر كى لا يستطيع هؤلاء الأطهار الارتشاف أو الوضوء.
كانت الرحلة شاقة، استغرقت أكثر من ثلاثين يوماً، تخللتها مشاهد تضحكك كما تبكيك من كثرة غرابتها، فقد امتطى الرجال المخمورون الجياد والإبل، بينما سارت نساء بيت رسول الله حافيات الأقدام، مكبلات فى الأصفاد، فى وهج رمال ساخنة صباحاً، وبرد موجع ليلاً، لكن الله لا ينسى أحباءه، فما زال فى العالم بقية من شهامة، لذلك أرسل لهؤلاء المغلوبين طوال طريقهم إلى الشام قناديل تضىء لهم الطريق.
كان أولهم سعيد بن عبدالله الذى خرج فى جيش عمر بن سعد لقتل «الحسين»، ما تسبب فى تبرؤ أمه منه، وتراجع ابن عفيف الأزدى عن تزويجه من ابنته، ودعاء أخته عليه ليل نهار لما ألحقه بهم من عار بعد خروجه فى هذا الجيش اللئيم. لكن المفاجأة وقعت حينما رُفع رأس ذلك «السعيد» على رمح بجانب رأسى «الحسين» و«العباس». عندما وصل ركب السبايا إلى الكوفة، فزغردت خطيبته وأخته فرحتين ببراءته من دم «الحسين». فى تلك اللحظة نظرت «سُكينة» بنت الحسين إلى الفتاتين تسألهما: «هل تعرفانه» فقالتا لها: بلى، فأجابتهما «سكينة» نعم المسلم هو، فقد كان يأتى إلينا متسللاً فى الليل يحمل إلينا الماء، وينذر نفسه فى خدمتنا، حتى وشى به أحد الجنود فقطعوا رأسه، أطلب من الله أن يعظّم أجركما فيه، كما أطلب لنفسى، وبكت الفتيات الثلاث.
لم تمكث البقية الباقية من آل البيت كثيراً فى «الكوفة»، فلم يتحمل الوالى هناك صراخ وعويل النساء والرجال من أهل المدينة ليل نهار، حزناً على مشهد الحرائر فى ركب السبى. لذلك استؤنفت الرحلة سريعاً إلى الشام. ألفٌ وثلاثمائة من الكيلو مترات من الكوفة إلى دمشق كانت شاقة ومتعبة، تكاد الوجوه تشرف كل يوم على الموت، فقد تشققت الشفاه وجف الجلد، فعاشوا مشاقَ تُجرى الدمع فى العيون، بعدما تأمّر على الركب أناس ساموهم العذاب. 
واصلت النساء الرحلة يجررن بعضهن بعضاً، وأخذت الرحلة طريقها حتى وصلت إلى «حلب»، والتى أضاء لهم فيها قنديل جديد. ففى وقت كان فيه «ذى الجوشن» يرتع عند النهر، ظهر له منْ وضع السيف على عنقه، وطلب منه أن يأمر جنده بفك أسر السبايا. والخبر المبهج هنا، أن هذا الفارس الملثم ما هو إلا امرأة، نعم، إنها «درة الصدف» بنت عبدالله بن عمر الأنصارى ساكنة «حلب»، وكانت قد تدربت على القتال هى ومجموعة من الفتيات فى قبيلتها والقبائل المجاورة، وأخذن على عاتقهن فك أسر نساء بيت رسول الله، وبالفعل نجحت «درة الصدف» وصاحباتها فى فك أسر نساء الحسين، ولجأت بهن إلى قبيلة أبو الأسود الدؤلى، فمكثن لديهم بعض الأيام، قضوا ليلها ونهارها فى الصلاة والدعاء. ثم جهز علىّ بن الحسين القافلة للعودة بأهله إلى يثرب، لكن للأسف، فى ذات الوقت كان «ذى الجوشن» استطاع أن يعيد ترتيب جنوده، فلحق بالقافلة التى كانت «درة الصدف» وصاحباتها ورجال بعض القبائل يحرسونها، فقطعوا عليهم الطريق، وقتلوا «درة الصدف ومقاتلاتها وكذلك أغلب الرجال، واستطاع «ذى الجوشن» العودة بالجميع إلى طريق الشام مرة أخرى.
فعادت نساء النبى كما كن فى قبضة الأمويين، بعد معركة كبيرة، غفت على أثرها كل العيون فى تلك الليلة، ولم تصح إلا على صرخات «الرباب» زوجة الحسين من الألم وهى تفقد جنيناً كان فى أحشائها، كانت تظن أنه العوض عما فقدت من أبنائها، وكان أملاً أخيراً فى ألا ينقطع هذا النسل الكريم، لتصدع صرخة من قلب السيدة زينب: «حتى الأجنة فى بطون أمهاتهم.. قتلتَ يا يزيد».
«لقد مر الركب على كل مدن الشام، فكان له فى كل مدينة فصل وحكاية، فأوصد أهل أغلب هذه المدن الأبواب فى وجه بعثة «ابن زياد» «لابن يزيد»، وكرهوا انبعاثهم فى أرضهم، ورفضوا مساعدتهم على أهل بيت رسول الله. حتى وصل الركب إلى «تكريت». وكانت «خولة» بنت الحسين قد مرضت وأصابتها الحمى لأسباب كثيرة كان أقلها العطش، وكانت عمتها السيدة زينب لا تملك إلا أن ترقيها كل ساعة بكلام الله، والطفلة كل يوم فى حال أسوأ، وكان أغلب أهل «تكريت» من المسيحيين. ووصل الركب إلى دير الراهب «ترسا» فى موضع يسمى «قنسيرين» وطلب الحراس من الراهب المبيت فى الدير، من أجل راحة الحراس والخيل من مشقة الطريق، فسمح الراهب بدخول النساء والأطفال فقط إلى الدير، بعدما شهد إعياءهم، على أن يبقى الجنود ومن معهم فى المتسع خارج الدير، فلم يكن أمام «ذى الجوشن» بدُ من الموافقة. 
فكانت تلك الليلة بمثابة استراحة محارب لأهل الحسين الذين استراحوا يومين، وتناولوا بعض الطعام والماء الذى قدمته لهم الراهبات، فأسبغوا الوضوء، وصلى الكبار ونام الصغار، لكن أثمن ما كان فى هذه الليلة كان الترياق الذى أعطته إحدى الراهبات للسيدة زينب من أجل شفاء «خولة» الطفلة ذات الأعوام الثلاثة، هذا الدواء الذى تشربته صحراء «بعلبك» عندما أطاح به أحد الجنود من يد السيدة وقت ما همت بإعطائه لخولة الصغيرة، فما كانت إلا ساعات، وكان علىّ بن الحسين يحفر قبراً صغيراً يدفن فيه الجسد الذى نالت منه البرودة من بعد حرارة الحمىَ، ويغرس فوقه ريحانة تشبه رائحة الجسد البرىء الذى دفن فيه.
بعد أن وصل الجمع إلى دمشق، استوقفتهم أوامر «يزيد» على باب المدينة قرابة ثلاثة أيام، إمعاناً فى الإثم الذى اقترفت يداه، فقد كان أمرَ بألا يدخلوا البلاد إلا وقد ازينت بالطبول والرايات. وعندما سمح لهم بالدخول جعل نساء الحسين يسرن بين الأسواق قبل أن يصلن إلى القصر، تتأخرهن رأس الحسين على الرمح، ولكن الله لا يريد لهن إلا الستر، لذلك جاءهن بقنديل جديد هو سهل بن سعد الساعدى الأنصارى، الذى ذهب فى أدب إلى على بن الحسين، وسأله: «ألا من خدمة أقدمها لكم يا ابن الأكرمين؟ فأجابه «علىّ»: «إن كنت تملك مالاً فأجزل العطاء للحراس، واطلب منهم أن يُقدموا رأس أبى الحسين على النساء، حتى ينشغل الناس بالنظر فى الرأس ويكفوا عن التفرس فى وجوه النساء»، فقال له «الساعدى»: «سمعاً وطاعة يا ابن مولاى».
كان «يزيد» فى القصر ينتظر الغنيمة التى غنمها من قتله للحسين، كان يعُد نفسه منتصراً على خارجين عن بيعته، وكأن طول مقام يزيد بن معاوية فى أهل الروم حين أرسله أبوه «معاوية» على رأس الجيوش لفتح القسطنطينية، جعله لهم أقرب منه للمسلمين. فعامل أهل بيت الرسول وكأنهم سبايا قصور الروم، متباهياً بفعله أمام العالم، فعندما أُدخلت النساء عليه، كان فى صحبته «سيرجون» الرومى الذى كان قد استقدمه معه من القسطنطينية، وجعله خازن أخباره ومستشاره الأول، فكان «سيرجون» يشاهد ما يحدث، ولسان حاله يقول: «هذا ما فعله بعضكم فى بعضكم أيها المسلمون».
لكن قناديل كربلاء ما زالت تضىء، والقنديل هذه المرة هو قنديل بيت «يزيد» نفسه، فها هى زوجته التى خرجت عليه مهددة إياه بقتل ولده فى أحشائها، إن كان هو غير مُكرم لأهل بيت رسول الله. ولكن لم يكن من السهل على «يزيد» الاستجابة لطلب زوجته، لكن ما أجبره على تلك الاستجابة كان الخطبة التى قرعته بها السيدة زينب، فأصبحت الكوابيس تصاحبه كلما نام. وإذ به يصحو كل ليلة على صراخ الصغيرة «رقية» ابنة الحسين، التى كانت منذ يوم كربلاء معصوبة العينين لا ترى شيئاً من جراء صفعة جندى على صدغها الصغير، فعصبت لها عمتها «زينب» عينيها حتى تقيها حرارة الشمس والرمال، وكانت الطفلة لا تعلم بموت أبيها الحسين حتى سمعت خطبة أخيها «علىّ» أمام «يزيد»، فوعت أن المذبوح الذى يتحدث عنه أخوها هو أبوها، فما كان منها إلا الصراخ ليل نهار: «أريد أبى... أريد أبى»، حتى ضجّ منها «يزيد» فى مخدعه، فصرخ فى «سيرجون»: «أرسل إليها أباها واجعلها تصمت». فذهب «سيرجون» إلى الصغيرة برأس الحسين وقال لها:«هذا أبوكِ»، فخلعت الطفلة العصبة عن عينيها، فإذا بها ترى رأس أبيها، الذى نكأه عصا يزيد فى كل جزء منه، فخُلع قلبها الصغير، وكانت نظرتها له هى أول وآخر ما رأت بعد كربلاء، ففاضت روحها أمام الرأس الملقى داخل الصندوق الخشبى، وكانت لم تتجاوز الخامسة من عمرها. وكما كان ثمة قبر صغير على مشارف الشام فى «بعلبك» لخولة بنت الحسين، كان قبر يكبره قليًلا فى الحجم ويفوقه فى الألم فى داخل الشام لرقية بنت الحسين بن على.
لم تخرج فاطمة بنت الحسين مع أبيها فى كربلاء لمرضها الشديد وقت خروجه فى أول محرم عام 61 هجرياً، فتركها فى عهدة «أم سلمى» زوج الرسول، وبعدما وصلت أخبار المذبحة إلى المدينة المنورة، أصرت «فاطمة» على الذهاب إلى «كربلاء» لزيارة قبر أبيها الحسين، فخرجت مع بعض أهلها إلى هناك، وفى ذات الوقت كان « يزيد» قد سَئِم من وجود آل بيت الحسين فى الشام ومن لوم اللائمين له، فسمح لهم بالعودة إلى المدينة المنورة، فخرج أهل الحسين من دمشق متجهين إلى المدينة، لكن النسوة منهم تمنينْ على «علىّ» لو عرجنْ إلى «كربلاء» لزيارة شواهد الأحبة قبل العودة إلى الديار. 
وأنا عن نفسى أتمنى أن تكون «فاطمة» قد التقت ما بقى لها من أهل أمام قبر الحسين فى «كربلاء»، وأن يكونوا قد عادوا جميعاً إلى مدينتهم، حيث قبر جدهم رسول الله، يخبرونه ما حدث فى الأعز من الأذل!!!