يواجهن الموت بحثًا عن لقمة العيش
عرائس.. فى «ثوب الشقا»!
فتيات فى عمر الزهور فريسة لأنياب الفقر
«آية»: أعمل فى الحقول تحت الشمس الحارقة
«ملك»: حلم دراستى مهدد بعد ضياع فرصة العمل
حقوقيون: المسئولية مشتركة بين الحكومة ومؤسسات المجتمع المدنى:
فى الوقت الذى تحلم فيه كل فتاة بفستان أبيض وفارس لأحلامها ويوم زفاف مُشرق، هناك أخريات تُجبرهن قسوة الحياة على ارتداء ثوب الشقاء بدلًا من ثوب الفرح، أيادٍ صغيرة تشققت بسبب العمل فى الحقول، أو خلف ماكينات الخياطة، أو بين أوانى مغاسل الفنادق ومنازل الغرباء، حيث تذوب البراءة فى تفاصيل العمل الشاق، بعضهن يخفين وجوههن خلف النقاب، ليس تدينًا بل اتقاء لنظرات الشفقة أو التنمر، وأخريات توجهن للأسواق كبائعات، متناسيات مستقبلهن الدراسى، يبكين بصمت فوق أكفان أحلامهن.
فحادث الطريق الإقليمى الذى راح ضحيته 19 فتاة فى عمر الزهور خرجن بحثًا عن لقمة العيش، لن يكون الأخير، طالما دفعت الحاج الصغيرات إلى ترك الكتاب المدرسى والجرى وراء لقمة العيش، وفى الوقت الذى بكت فيه مصر هؤلاء الصغيرات، ما زالت الكثيرات تسحقهن أقدام الحاجة.
وفى هذا التحقيق نرصد واقع الكثير من الفتيات اللاتى يُجبرن على ترك مقاعد الدراسة وأحلام المراهقة، ليتحولن إلى سند لعائلاتهن، ينفقن على أم مريضة، أو أب عاجز أو مُستهتر تخلى عن مسئوليات تجاه أسرته، أو أشقاء لا يجدون قوت يومهم، وهناك من تكافح لتكمل مسيرتها التعليمية وتجهيز نفسها وتتحمل عبء أقساط جهازها فى ظل هذا الغلاء الجنونى وغيرها تلاشت فكرة الزواج من أحلامها بعدما تحملت مسؤلية الإنفاق على أسرتها، هؤلاء الفتيات تجدهن فى كل مكان، ترك الشقاء بصمته على وجوههن، وترك فى عيونهن بريق حلم مؤجل وربما مسروق.
فعلى جنبات الرصيف بقرية منيل شيحة جلست «ملك» فتاة فى السادسة عشرة من عمرها، فوق «فرشة» خضار تساعد والدتها فى كسب الرزق، التقينا بها لتروى لنا تفاصيل رحلتها مع العمل فى هذه السن المبكرة، فإذا بها تخبرنا أنها كانت تمارس نفس المهنة التى كانت تعمل بها الفتيات اللاتى لقين حتفهن فى حادث الطريق الإقليمى.
وأضافت: كنت بشتغل علشان أساعد أمى.. لكن الحادثة خلتنى أقعد على فرشة الخضار معاها».
تروى «ملك» 16 سنة، تفاصيل تجربتها المؤلمة فى العمل، حيث اضطرت لفسخ خطبتها لعدم القدرة على التجهيز، ولمساعدة والدتها فى مصاريف المعيشة وتربية أخواتها الأربع، عملت فى محطات فرز الفاصوليا بالعبور، ثم فى محطات تصدير العنب بالمنوفية، ضمن فرق من الفتيات يتم نقلهن يوميًا بسيارات عن طريق مقاولين إلى الحقول والمصانع.
وتقول ملك: «كنا بنشتغل من 6 الصبح ونوصل البيت 8 بالليل، شغل 11 ساعة وأقل حاجة ٨ ساعات، وكانوا بيدونا 150 جنيه فى اليوم بعد ما المقاول وأجرة العربية ياخدوا حقهم من الـ350 اللى بتدفعهم الشركة للمقاول ورغم صعوبة العمل وقلة الأجر، تمسكت به عشان أساعد أمها وأكمل تعليمي».
وأضافت أنها انتهت من المرحلة الإعدادية هذا العام وقدمت أوراقها للمرحلة الثانوية، لكن حلمها فى استكمال دراستها مهدد بسبب توقفها عن العمل بعد حادث الطريق الإقليمى.
تذكرت «ملك» اللحظة وبصوت منخفض قالت «يوم الحادث المقاول قال إن المصنع طالب عدد قليل مروحتش وبعدها عرفت إن بنات من اللى كانوا معايا فى شغل العنب فى المنوفية ماتوا فى الحادثة».
وأضافت بحزن: «أنا اشتغلت معاهم كنت أعرف بنات منهم مقدرتش أصدق إنهم راحوا فجأة».
وتابعت بصوت مبحوح أمى قررت بعد الحادثة إنى منزلش اشتغل تانى خافت علىّ ومن يومها وأنا بقعد معاها على «فرشة الخضار» بس الظروف صعبة، وأمى بتشيل كل الحمل لوحدها.
صغيرات فى الحقول
على أطراف القرية تبدأ يومها قبل شروق الشمس تحمل «آية»، ذات الـ13 عامًا، الفأس على كتفها وتلحق بوالدها وإخوتها إلى «الغيط» لا وقت لتمشيط الضفائر أو حمل الحقيبة المدرسية فقط كفوف مشققة وثوب مطرز بتراب الأرض.
«بنزل الغيط مع أبويا بنشيل الحشيش، ونروى، وأيام جمع الطماطم أو الفاصوليا، بنتعب قوي».. تقول آية وهى تزيل العرق بطرف طرحتها تبتسم ابتسامة خجولة نفسى أرجع المدرسة، بس ماما قالت ما ينفعش أسيب إخواتى لوحدهم.
«هبة» 14 سنة، توقفت عن الدراسة منذ عامين، بعدما مرض والدها وصارت هى المسئولة عن البيت والغيط «بنشتغل أنا وأمى من الفجر لحد العصر نرجع نطبخ ونغسل ونجهز لتانى يوم...تعبت لكن مفيش حل تاني»،
رغم الجهد، لا يتجاوز دخل الأسرة 100 جنيه يوميًا، مبلغ هزيل لا يكفى لشراء أدوات مدرسية أو علاج عند المرض، فضلًا عن حلم لا يجرؤ أحد على البوح به أو مجرد التفكير فيه، وهو اللعب أو الدراسة أو حتى الراحة.
كفاح مهندسة
فى حى أرض اللواء، بدأت مروة أولى خطواتها فى كلية الهندسة، حاملة معها حلم والدها المريض، الذى كان يراها مهندسة رغم كل الصعاب تقول مروة «كان بابا بيشتغل ليل نهار علشان يعلمنا، رغم إنه كان مريض كبد لكن لما المرض اشتد عليه وعجز عن العمل، الدنيا وقفت، ونزلت أشتغل وأنا لسه فى الترم الأول فى أول سنة هندسة».
لم تكن الحياة الأكاديمية فى كلية الهندسة سهلة، لكن الحياة المعيشية كانت أصعب، حيث إنها اضطرت للعمل فى محل تجارى مساءً، بعد ساعات المحاضرات. وتابعت كنت بشتغل بعد الجامعة، وبذاكر وأنا واقفة فى المحل، وبرجع البيت الساعة 12 وأنام ساعتين، أيام كتير مكنتش بلحق أسرح شعرى كنت بغسله وأنام.
ورغم هذا الضغط الهائل، أنهت مروة دراستها وتخرجت فى قسم ميكانيكا قوى، لكن رحلة التعب لم تتوقف عند أبواب الكلية.
قالت لفيت على شركات كتير، ومفيش حد كان بيدينى فرصة كل اللى سمعته إن مفيش خبرة أو الفرص محدودة وكنت مضطرة كمان أساعد أمى فى مصاريف البيت، وكمان فى جهازى بعد إصرارها على خطبتى.
وتابعت: تعبت كتير علشان أجهز نفسى، وفى يوم فرحى كنت فى الكوافير تعبانة جدًا، شعرى بيتساقط من الإجهاد، ووشى مرهق البنات اللى شغالين فى الكوافير كانو بيقولولى مالك يا عروسة شكلك عندك 50 سنة.
ومع ذلك تحمد مروة الله فى كل لحظة لأنها نجحت فى تحقيق حلمها وأنهت دراستها الجامعية وتزوجت قائلة: الحمد لله بعد تعب سنين طويلة حققت حلمى وأنهيت دراستى وتزوجت.. لكن الله أعلم بمدى صعوبة الرحلة».
داليا: جهازى من شقا إيدي
داليا 24 سنة، من محافظة الجيزة بدأت مشوارها مع العمل وهى فى سن 15 سنة، حينما أصيب والدها بمرض أقعده عن لعمل واضطر إلى إغلاق الورشة التى كان يعمل بها، فاضطرت داليا للنزول لسوق العمل، وقالت: «اشتغلت فى كل حاجة، من محلات الملابس لمصنع، واتنقلت من شغلانة للتانية، لكن عمرى ما وقفت، رغم التعب، تمسكت بحلمى ورفضت اسيب التعليم، كملت دراسة ومخطوبة وبجهز نفسى للجواز من تعبى وشقا إيدى».
وأضافت داليا «مكنش سهل، بس كنت شايفة إن كل حاجة بتتعمل بحب وإصرار هتوصلنى لهدفى رغم المضايقات التى تعرضت لها.
ميادة.. كاشير وطالبة فى كلية تجارة
فى حى العمرانية الشعبى، تعيش ميادة طالبة فى كلية تجارة، وتعمل كاشير فى سوبر ماركت كبير، دخل والدها لا يكفيها وأخوتها الصغار، فقررت تعمل بعد المحاضرات، وقالت ميادة: أنا بحوش علشان أشترى حاجتى بنفسى ودايمًا بحط جزء صغير فى حصالة الجهاز، ولكن أكثر ما يؤلمنى هو نظرات الاستغراب من الناس لما يعرفوا إنى بتشتغل فى محل خصوصًا بعض أصدقائى بالجامعة.
مريم.. ماكينة خياطة وحلم كبير
مريم فتاة عشرينية تعمل بمهنة الخياطة وتعيش فى منطقة بولاق، وتقول: تعلمت الخياطة من والدتى واشتغلت فى مصنع وأنا عند 15 سنة، ولكن تعبت من البهدلة فى الشغل والمواصلات فقررت اشتغل فى البيت وبدأت بأبسط الإمكانيات اشتريت ماكينة بالتقسيط، وبدأت أفصل لأقاربى وجيرانى.
وأضافت «كل يوم بشتغل من الصبح للمغرب وأريح شوية وأرجع أكمل لحد نص الليل، لما ضهرى وجعنى وعنيا كمان، مفيش وقت أرتاح مش بس علشان الجهاز كمان علشان نكمل مصاريف أخويا الصغير اللى داخل ثانوية عامة كلنا بنشيل بعض».
ورغم قسوة الظروف ونظرات المجتمع القاسية وساعات العمل التى لا ترحم، تواصل هؤلاء الفتيات حمل شعلة الأمل ويُثبتن يومًا بعد يوم أن الفرح قد يولد من رحم الشقاء.
حكاياتهن تؤكد أن العمل ليس عيبًا، وأن السعى والشقاء يمثل خطوة حقيقية نحو الكرامة والاحترام، لكن لا يجب أن يُتركن وحدهن بطريق الشقاء، فحمايتهن ومساندتهن مسئولية مشتركة، تستدعى من المجتمع ومؤسساته توفير فرص عمل آمنة وحياة كريمة تليق بهن.
حقوقية.. البحث عن لقمة العيش يغتال أحلام البنات
علقت الدكتورة داليا نعمان المحامية بالنقض على ذلك قائلة: «بالأمس القريب، وقع ما كان يمكن تفاديه، ولكنه للأسف وقع، وقد يتكرر كثيرًا، ما لم توضع حلول جذرية وآليات فعالة تضمن بيئة عمل آمنة تمنح الفتيات وأسرهن قدرًا من الاطمئنان، وتقلل من المخاطر التى تحيط بهن فى طريق البحث عن الرزق».
ما حدث لم يكن نتيجة الظروف الاقتصادية فقط، رغم قسوتها، بل كانت هناك أسباب متشابكة، تستدعى الوقوف عندها، فهؤلاء الفتيات لم يكن يبحثن عن المال لتأمين المعيشة أو مواصلة التعليم أو تجهيز بيت الزوجية فقط، بل كانت هناك عوامل أخرى تتعلق بالإهمال، وغياب الحماية، وسوء التخطيط، لذلك فهذا الحادث الذى هز وجدان المصريين، لا يجب أن يمر مرور الكرام، فهو يمثل صرخة مدوية فى وجه كل من يستهين بسلامة المواطنين، وتحديدًا الفتيات اللاتى يُلقين بأنفسهن فى العمل الشاق بحثًا عن حياة كريمة، فيجدن فى الطريق ما يقضى على أحلامهن وحياتهن دفعة واحدة.
وأضافت: من هنا تصبح المسئولية مشتركة فالدولة مطالبة بتكثيف الجهود لتحسين البنية التحتية للطرق وتوفير الرقابة والمحاسبة الرادعة لمن يتسبب فى الإهمال، بينما مؤسسات المجتمع المدنى مطالبة بتوفير بيئة عمل مناسبة وآمنة، يمكن أن تبدأ من المنزل أو فى أماكن قريبة، وتدر دخلًا يحقق الكرامة دون أن يعرض الأرواح للخطر، كما يجب العمل على تأهيل الفتيات وحمايتهن من الاستغلال، وتوفير فرص تدريب حقيقية تفتح لهن أبوابًا للحياة وليس أبوابًا للفقد والدموع.
وتابعت الدكتور داليا نعمان: إننا أمام قضية إنسانية واجتماعية تمسنا جميعًا ولا يجب أن ننتظر فاجعة أخرى كى نتحرك، ما فقدناه كان أغلى ما نملك: أرواحًا بريئة، وأحلامًا جميلة فى عمر الزهور، لذلك فإن حماية من تبقى منهن واجب وطنى، ومسئولية لا تحتمل التأجيل.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض